بقلم الكاتبة الصحفية / سهام فودة
أخطر ما يفعله الخوف بالإنسان أنه لا يمنعه دائمًا من الحلم… بل يقنعه أن الانتظار أكثر أمانًا من المحاولة.
وهكذا تبدأ الحكاية بكلمة صغيرة: «ليس الآن».
ليس الآن وقت البداية، ولا وقت الرحيل، ولا وقت التغيير، ولا وقت استعادة حلم قديم. ثم تمر الأيام، ويتحول التأجيل إلى عادة، والعادة إلى حياة كاملة تُعاش في منطقة آمنة، لكنها ليست بالضرورة حياة نريدها.
نخاف الفشل، فنؤجل الخطوة الأولى. نخاف الخسارة، فنتمسك بما يستنزفنا. نخاف الرفض، فنخفي حقيقتنا. نخاف أحكام الآخرين، فنقضي أعمارنا في محاولة إرضاء عيون لن تعيش عواقب اختياراتنا.
والأكثر قسوة أن الإنسان قد يعتاد ما يخيفه، حتى يصبح المألوف عنده أكثر أهمية من الممكن.
فيبقى داخل علاقة انتهت، ووظيفة لا تشبهه، وحلم مؤجل، وقرار يعرف أنه ضروري لكنه يخشى تبعاته، لا لأنه سعيد بما يعيشه، وإنما لأنه يخاف المجهول أكثر مما يتألم من المعلوم.
لكن الحياة لا تعطي أحدًا وعدًا بأن الطريق سيكون آمنًا قبل أن يبدأ.
كل بداية حقيقية تحمل شيئًا من الارتباك، وكل تغيير له ثمن، وكل خطوة خارج المألوف تحتاج قدرًا من الشجاعة. ولهذا لا ينبغي انتظار اللحظة التي يختفي فيها الخوف تمامًا؛ لأن تلك اللحظة قد لا تأتي.
الشجاعة ليست غياب الخوف، وإنما ألا يتحول الخوف إلى صاحب القرار.
أن نعرف أننا قد نفشل ونحاول، وقد نخسر وننهض، وقد نكتشف أن الطريق لم يكن لنا فنعود ونختار غيره. فالخطأ يمكن أن يصبح خبرة، والسقوط يمكن أن يصبح نقطة تحول، أما السنوات التي تُستهلك في التردد فلا تعود حين نقرر أخيرًا أن نعيش.
كم من فرصة لم تكن مستحيلة، لكنها جاءت في الوقت الذي كان فيه التردد أقوى من الرغبة؟
وكم من حلم لم يمت لأنه صعب، وإنما لأنه ظل ينتظر صاحبه أن يصبح بلا خوف؟
الحقيقة أن كثيرًا من القيود التي نخافها لا توجد خارجنا أصلًا. بعضها صنعته تجارب قديمة، وبعضها زرعته كلمات الآخرين، وبعضها بنيناه من احتمالات لم تحدث، ثم تعاملنا معها وكأنها حقائق مؤكدة.
نخشى أن يقول الناس: «فشل».
لكن الناس ستتكلم قليلًا ثم تنشغل بحياتها، بينما صاحب القرار هو من سيحمل نتيجة اختياره سنوات طويلة.
لذلك، ليست المشكلة دائمًا في أن الطريق مغلق، وإنما في أننا نقف أمامه طويلًا دون أن نختبر مقبض الباب.
وقد لا تحتاج الحياة إلى انقلاب كامل حتى تتغير. أحيانًا يكفي قرار صغير لكنه صادق: أن نبدأ، أن نرفض ما يؤذينا، أن نغادر ما انتهى، أن نمنح أنفسنا فرصة جديدة، أو أن نتوقف عن الاعتذار لأننا اخترنا ما يناسبنا.
فالبدء من جديد ليس إعلانًا بأن الماضي كان خطأ، وإنما اعتراف بأن الإنسان يتغير، وأن ما كان مناسبًا بالأمس قد لا يكون جديرًا بأن يحمل الغد.
ولا يوجد عمر مثالي للبداية.
هناك فقط لحظة ندرك فيها أن الاستمرار بالطريقة نفسها أصبح أكثر كلفة من التغيير.
حينها لا نحتاج إلى ضمانات كاملة، بل إلى خطوة.
خطوة واحدة تكسر سطوة الانتظار، وتقول للخوف: يمكنك أن تأتي معي، لكنك لن تقودني.
فالعمر لا يضيع فقط في الطرق الخطأ؛ أحيانًا يضيع في الوقوف أمام الطرق الصحيحة، نراقبها، نفكر فيها، نخافها، ثم نكتشف بعد فوات الأوان أننا لم نكن بحاجة إلى معجزة كي نبدأ… كنا بحاجة إلى قرار.
لذلك، لا تنتظر أن تصبح شجاعًا حتى تبدأ؛ ابدأ، وستكتشف أن بعض الشجاعة لا تأتي قبل الطريق… بل يولدها الطريق.
فالخسارة الحقيقية ليست أن نحاول ولا نصل.
الخسارة أن نمضي طويلًا، ثم نكتشف أن الخوف كان يعيش عمرنا… بينما كنا نظن أننا نعيش.























































