كتب د / حسن اللبان
أثارت “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” بين السعودية وتركيا وباكستان تساؤلات حول أسباب غياب مصر عن هذا الترتيب الأمني الجديد، خاصة في ظل العلاقات الطيبة التي تجمع القاهرة بالدول الثلاث.

وأعلن اليوم في مكة عن “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” والتي وقعها كل من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس وزراء باكستان محمد شهباز شريف، بهدف “تعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء”، وتنص على أن أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع.

لكن ما كان مثيرا للانتباه هو غياب مصر المنخرطة في آلية رباعية تضم وزراء خارجية الدول الثلاث “R4″، وعقدت 5 اجتماعات حتى الآن آخرها الأربعاء الماضي في العاصمة الأردنية عمان على هامش الاجتماع الوزاري بشأن القدس، فضلا عن دور القاهرة الإقليمي المؤثر في قضايا الأمن والاستقرار بالمنطقة.
ويرى عدد من الخبراء تحدثوا لـRT أن عدم مشاركة مصر كان “متعمدا” نتيجة حسابات سياسية ودبلوماسية مرتبطة بطبيعة الدور الذي تلعبه القاهرة في الإقليم، حيث تفضل الحفاظ على مساحة من الحركة والتوازن بين مختلف الأطراف، بدل الانضمام إلى محاور عسكرية قد تحد من قدرتها على الوساطة.
الحياد المصري ودور الوساطة
وقال اللواء محمد الشهاوي، زميل الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا، إن غياب مصر عن الاتفاقية “مقصود ومدروس”، نظرا لقيام القاهرة بدور وساطة بين إيران والولايات المتحدة بهدف تجنب توسيع دائرة الصراع في المنطقة.
وأضاف أن هذا الترتيب الدفاعي بين الدول الثلاث قد يُنظر إليه باعتباره موجها نحو إيران، وهو ما يجعل مصر حريصة على عدم الانضمام إلى محور قد يدفع المنطقة نحو مزيد من التوتر أو يجرها إلى حرب.
وأوضح الشهاوي أن السياسة المصرية تقوم على الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، وأن دخول القاهرة في تحالف عسكري قد يؤثر على دورها كطرف قادر على التواصل مع جميع القوى الإقليمية، مؤكدا أن مصر “لا تريد أن تكون في حلف، لكنها تريد أن تلعب دورا يجمع كل الدول”، بما يحافظ على قدرتها على أداء دور الوسيط.
اختلاف الأولويات ورفض التحالفات العسكرية
من جانبه، قال تامر الشهاوي، اللواء والبرلماني المصري السابق، إن غياب مصر عن الاتفاقية يعود إلى عدة أسباب، من بينها اختلاف الأولويات، فضلا عن أن السياسة المصرية تقوم على عدم الانخراط في تحالفات عسكرية واسعة، وتفضل بدلا من ذلك الاتفاقيات الثنائية والتنسيق المباشر مع الدول المختلفة.
وأشار في تصريحه لـRT إلى أن غياب القاهرة لا يعكس موقفا عدائيا تجاه هذا التحالف، وإنما يعبر عن اختلاف في الرؤية تجاه طبيعة الترتيبات الأمنية الإقليمية، معتبرا أن الاتفاقية تمثل بداية لظهور “ترتيبات أمنية جديدة” في المنطقة، وقد تشكل ما يشبه “ناتو إسلاميا مصغرا”.
وحذر الشهاوي من مخاطر إعادة تشكيل الصراعات في المنطقة، مشيرا إلى أن بعض التحولات الدولية والإقليمية ساهمت في نقل بؤرة الصراع من كونه “عربيا إسرائيليا” إلى صراعات “عربية عربية”، ثم إلى “عربية فارسية”.
وأوضح أن بعض السياسات الدولية، ساهمت في تعزيز النفوذ الإيراني بعد أحداث كبرى شهدتها المنطقة، ما ترتب عليه ظهور ما عُرف بـ”الهلال الشيعي”، إلى جانب دعم بعض التيارات والتنظيمات السياسية السنية في دول عربية مختلفة، وهو ما أدى إلى تشكيل محاور إقليمية متنافسة.
حسابات خاصة وعامل “التوقيت”
بدوره، أكد السفير حسين هريدي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن مصر لديها حساباتها الخاصة على المستويين الدبلوماسي والعسكري، موضحا أن التنسيق السياسي ضمن الآلية الرباعية لمصر والسعودية وتركيا وباكستان، لا يعني بالضرورة الانضمام إلى ترتيبات عسكرية مشتركة.
وقال هريدي لـRT إن القاهرة قد تتعاون وتنسق دبلوماسيا مع مختلف الأطراف، لكن ذلك لا يعني ترجمة هذا التعاون إلى مشاركة في تحالفات عسكرية، خاصة أن لكل دولة اعتبارات تاريخية واستراتيجية تحكم قراراتها.
من جهته، أوضح السفير رخا أحمد حسن أن السياسة المصرية خلال السنوات الماضية تقوم على عدم إرسال قوات عسكرية خارج حدودها، مستشهدا بمواقف القاهرة تجاه عدد من الأزمات الإقليمية مثل الأوضاع في ليبيا والسودان، حيث تركز على الدعم السياسي والمشاورات بدلا من المشاركة العسكرية المباشرة.
وأشار في حديثه مع RT، إلى أن توقيت الإعلان عن الاتفاقية يحمل أهمية كبيرة، في ظل استمرار أزمات وصراعات إقليمية لم تحسم بعد ولم تعرف مآلاتها.
وأوضح أن عامل الوقت ربما كان أحد أسباب غياب مصر عن الاتفاقية، فرغم دعوة مصر إلى ترتيبات أمنية جديدة، لكنها تفضل إتمام ذلك بعد نهاية الحرب الجارية وليس الانضمام إلى تحالفات مع استمرار الصراعات حتى لا يُنظر إليه كحليف لطرف على حساب آخر.























































