بقلم / رضا اللبان
كان الليل هادئًا… وجلستُ أنا أمام رجلٍ غيّر وجه مصر لعقود طويلة. رجلٍ أحبه قومٌ وكرهه آخرون… لكن الجميع اتفقوا أنه لم يكن رجلًا عاديًا. جلستُ أمام محمد علي باشا وقلت له: يا باشا الناس تعرفك حاكمًا عظيمًا، لكن قليلًا من يعرف بدايتك. من أين بدأت الحكاية؟
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: ولدتُ في مدينة قولة بمقدونيا سنة 1769، ولم أولد أميرًا ولا ابن سلطان. كنت من أسرة ألبانية بسيطة، ومات أبي وأنا صغير، فعرفتُ قسوة الدنيا مبكرًا. قلت: ويقال إنك عملت في التجارة قبل الجيش؟ قال: نعم… عملت في تجارة الدخان فترة، وتعلمت كيف يفكر الناس وكيف تُدار المصالح. التجارة تعلمك ما لا تعلمه السيوف أحيانًا. لكن روحي كانت تميل للجندية، فدخلت الجيش العثماني، وهناك بدأت رحلتي الحقيقية. قلت له وأنا أقترب: ثم جاءت مصر؟ تنهد قليلًا وقال: جاءت الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت، فأرسلني السلطان العثماني ضمن القوات التي جاءت لمقاومة الفرنسيين. ولم أكن أتصور وقتها أنني سأصبح يومًا حاكم هذه البلاد. قلت مبتسمًا: لكن يبدو أن الحظ أحبك يا باشا. فضحك وقال: الحظ وحده لا يصنع دولة. كانت مصر وقتها ممزقة بين المماليك والعثمانيين والإنجليز والعلماء والشعب الغاضب. كل طرف يريد الحكم… وأنا كنت أراقب الجميع. قلت له: إذًا كنت تلعب السياسة مبكرًا؟ فرد بثقة: السياسة يا صديقي ليست لعبًا… السياسة بقاء. تقربتُ من العلماء حينًا، ومن الجنود حينًا، ومن الشعب حينًا آخر، حتى أصبحت الرجل الذي لا يستطيع أحد تجاوز. قلت له مباشرة: لكنك بعدما أصبحت واليًا… بدأت تتخلص ممن ساعدوك! نظر إليّ طويلًا ثم قال: لأن الحكم لا يعرف الصداقة الدائمة.
كل من يساعدك للوصول إلى القمة قد يحاول اسقاطك بعدها. كنت أعرف أن التردد يعني النهاية. قلت: لهذا فعلت مذبحة القلعة؟ ساد الصمت لحظة… ثم قال:
المماليك لم يكونوا مجرد خصوم سياسيين… كانوا دولة داخل الدولة. طالما بقوا، فلن تستقر مصر لي ولا لأبنائي.
فجمعتُ كبارهم في القلعة سنة 1811 بحجة الاحتفال بخروج الجيش إلى الجزيرة العربية… ثم أُغلقت الطريق عليهم. قلت: والبقية يعرفها التاريخ… فقال بصوت بارد:
نعم… كانت ضربة قاسية، لكنها أنهت عصرًا كاملًا.
ثم نظرت إليه وقلت: لكن هناك من يرى أن أوروبا ساعدتك عمدًا ضد الدولة العثمانية… لأنها كانت تريد إضعاف السلطنة وتقسيمها لاحقًا. وأنهم استخدموك حتى كبرت قوتك، ثم انقلبوا عليك في النهاية. ابتسم محمد علي ابتسامة غامضة وقال: أوروبا لا تساعد أحدًا حبًا فيه.
الإنجليز والفرنسيون كانوا يرون السلطنة العثمانية رجلًا مريضًا، وكل دولة أرادت قطعة من تركته. وحين توسعتُ في الشام وكدت أصل إلى قلب الأناضول، خافت أوروبا مني أنا أيضًا. قلت بسرعة: يعني أنت كنت أداة ثم أرادوا كسرها؟ فقال: كنت لاعبًا… لا أداة. لكن في السياسة الدولية، حتى اللاعب القوي قد يتحول إلى خطر يجب إيقافه. لذلك تدخلت أوروبا وفرضت معاهدة لندن سنة 1840، وأجبرتني على التراجع عن معظم فتوحاتي مقابل أن يبقى حكم مصر وراثيًا في أسرتي. قلت له: وكأن التاريخ يعيد نفسه دائمًا… يدعمون الحاكم حتى يقوى، ثم يخافون منه فيحاصرونه. هز رأسه وقال: هذه ليست قصة محمد علي فقط… هذه قصة القوة في العالم كله.
الدول لا تعرف الوفاء بل تعرف المصالح. ثم وقف محمد علي ونظر بعيدًا وقال: ومع ذلك… يكفيني أنني أخذت مصر من الفوضى إلى الدولة، ومن السيف القديم إلى الجيش الحديث، ومن الظلام إلى بداية النهضة. فسألته آخر سؤال: وفي النهاية… هل كنت بانيًا أم مستبدًا؟
فابتسم وقال: اسأل التاريخ… فهو أعدل من البشر أحيانًا.





















































