كتب د / حسن اللبان
كشفت الأبحاث الأثرية الحديثة عن أن المصريين القدماء أنشأوا نظاما مائيا متطورا يربط بين البحر الأحمر ونهر النيل، قبل أكثر من ألفي عام من إنشاء قناة السويس الحديثة التي افتتحت عام 1869.
وتعرف هذه التحفة الهندسية المنسية باسم “قناة الفراعنة”، وكانت أول اتصال بحري فعال بين شرق وغرب أوراسيا، متقدمة على طريق الحرير بمئات السنين.
ووفقا لأحدث الدراسات الأثرية في 2024-2025، استخدمت النسخة القديمة نهر النيل كجزء من مسارها، حيث امتدت القناة من النيل عبر وادي التميلات إلى البحر الأحمر، لتشكل مسارا تجاريا معقدا لكنه فعال.
ووادي التميلات هو ممر جغرافي تاريخي يقع في شرق دلتا النيل في مصر، ويمتد من منطقة الزقازيق غربا حتى الإسماعيلية شرقا بالقرب من قناة السويس.
يتميز الوادي بأهميته الاستراتيجية منذ العصور القديمة، إذ كان طريقا طبيعيا يربط وادي النيل بسيناء وآسيا، ما جعله ممرا رئيسيا للتجارة والهجرات والحملات العسكرية.
تعود أصول القناة إلى الدولة الوسطى (حوالي 2055-1650 ق.م.)، حين يُرجح أن الفرعون سنوسرت الثالث بدأ أول أعمال الحفر.
المؤرخ اليوناني سترابون أشار إلى أن القناة “حُفرت لأول مرة بواسطة سيسوستريس قبل حرب طروادة”، ويُقصد بسيسوستريس سنوسرت الثالث الذي حكم بين 1870 و1831 ق.م.
تميز سنوسرت الثالث ببناء قناة عند الشلال الأول للنيل لتسهيل نقل البضائع من النوبة، وبلغ طول القناة الصغيرة نحو 67 مترا، بعرض 9 أمتار وعمق 7 أمتار.
التطوير الكبير في العصر المتأخر
في العصر المتأخر (664-332 ق.م.)، بدأ الفرعون نخاو الثاني (610-595 ق.م.) بناء قناة تربط البحرين، حيث وصف المؤرخ هيرودوت المشروع بالتفصيل، مشيرا إلى أن الرحلة بالقناة كانت تستغرق أربعة أيام، وأن عرضها يسمح بمرور اثنين من السفن الحربية جنبا إلى جنب، مع تغذية القناة بمياه النيل وبدايتها جنوب مدينة بوباستيس.
بوباستيس (وتُعرف أيضا باسم تل بسطة) هي مدينة مصرية قديمة تقع قرب مدينة الزقازيق الحالية في شرق دلتا النيل، كانت عاصمة الإقليم الثامن عشر من أقاليم مصر السفلى، وازدهرت خصوصا خلال العصر الفرعوني المتأخر.
واستكمل الملك الفارسي داريوس الأول (522-486 ق.م.) المشروع، كما تؤكد ألواح البحر الأحمر المكتشفة عام 1889 قرب تل المشخوطة، وأبرزها لوحة الجرانيت في شالوف التي تحمل نصا ثلاثيا يؤكد أن داريوس أمر بحفر القناة من النيل إلى البحر المؤدي إلى فارس.
القناة في عهد البطالمة
أُكملت النسخة النهائية من القناة في عهد بطليموس الثاني (284-246 ق.م.)، وفقا لـ ديودوروس، الذي أكد أن الملك “أكمل القناة وبنى عند أنسب موقع قفلا مبتكرا”.
وانتهت القناة عند مدينة أرسينوي على البحر الأحمر، المسمّاة نسبة إلى زوجة بطليموس، مما جعل الإسكندرية مركزا للتجارة بين الشرق والغرب.
الاستخدام وأهميته
استُخدمت قناة الفراعنة لعدة قرون، مع تعديلات أدخلها الرومان خصوصا في عهد الإمبراطور تراجان، لكنها تُركت في القرن الثامن الميلادي بسبب الرسوبيات وقرارات إغلاقها لأسباب استراتيجية.
تعد القناة أكثر من مجرد إنجاز هندسي، فهي أول طريق تجاري فعال يربط الشرق بالغرب، وساهمت في تبادل البضائع والأفكار والناس على نطاق غير مسبوق، كما لعبت دورا سياسيا بتعزيز سلطة الملوك الأجانب وتسهيل تحرك الجيوش والدبلوماسيين.
إرث خالد
رغم عدم وجود آثار واضحة للقناة اليوم، تؤكد المصادر التاريخية والاكتشافات الأثرية وجودها، وتتيح الأبحاث الحديثة وإعادة الإعمار الرقمي لعام 2025 فهم أهميتها، إذ سبقت عصرها بآلاف السنين، وساهم المصريون القدماء، في إنشاء أول شبكة تجارية عالمية سبقت الطرق البحرية الحديثة.





















































