عاجل

# قراءة في ما بَعد الحرب الأمريكية الإيرانية الأخيرة..‏
بعلامة النصر .. حسن شحاتة يحتفل بفوز الزمالك على بيراميدز وسط أبنائه وأحفاده
الجيش الإسرائيلي يعلن استهداف مباني عسكرية لحزب الله في جنوب لبنان
لبنان لحظة بلحظة.. تمديد الهدنة ومفاوضات في البيت الأبيض وسط خروقات ميدانية في الجنوب
ترامب يتحدث عن استخدام الأسلحة النووية في إيران
مصر.. بدء تطبيق التوقيت الصيفي وتقديم الساعة 60 دقيقة
ترامب: حضور بوتين قمة العشرين المقبلة في ميامي سيكون مفيدا جدا
توصيات الجمعية العربية لدراسة أمراض السكر تحذر من خطورة ومضاعفات محتملة عمليات السمنة التخسيس
قبل تشييع الجثمان.. طلب عاجل من أسرة ضياء العوضي للسلطات المصرية
الدفاعات الجوية في طهران تتصدى لهدف معاد وسماع دوي إطلاق نار غربا وشرقا
ترامب يعول على زيارة تشارلز الثالث لتحسين العلاقات مع بريطانيا
مصر: مشروع “The Spine” يثير جدلًا حول مستقبل الاستثمار العقاري.. إليكم التفاصيل
الزمالك يعزز الصدارة .. ترتيب مجموعة حسم لقب الدوري الممتاز
10 أفلام مصرية ضخمة تتنافس في موسم عيد الأضحى دفعة واحدة
بيان عربي إسلامي حاد ضد إسرائيل

# قراءة في ما بَعد الحرب الأمريكية الإيرانية الأخيرة..‏

بقلم الأستاذة الدكتورة / أماني فؤاد

ربما بدا المشهد – الذي سأقُصُّه عليكم – مركَّبًا، ويتضمَّن مبالغاته، لكنه ‏ليس خياليًّا، ويحدُث من حولنا كل يوم، ولنا أيضًا، لذا سأقوم بسَرده: “بعد ‏منتصف الليل، يصحو أحدهم مفزوعًا بسبب قنبلة أو مسيَّرة أو بقايا ‏صاروخ سقطت فوق بيته، يهرول في اتجاه غُرف أولاده، ليَجِد أحدهم قد ‏فارَق الحياة، أو جميعهم، كما تم تدمير منزله “سكنه وأمْنه”. شخص آخر ‏يذهب إلى عمله، فيُطلب منه مقابَلة المسئول عن الموارِد البشرية؛ ليُفاجَأ ‏بأنهم ينهون خدماتِه لخفْض الميزانيات، وتقليص العمالة في معظم ‏المؤسَّسات. شخص ثالث سيجد الشركة أو المؤسَّسة التي كان يعمل بها ‏قد أضيرت، وخرجت عن الخدمة لوقت غير معلوم. الكثيرون يذهبون لمَد ‏سياراتهم بالوقود؛ فيجدون ارتفاعاتٍ هائلةً للأسعار، تلتهم ميزانياتهم، ‏ويتفاقم الوضع عندما يتوجَّهون للسوبر ماركت، فقيمة الفاتورة زادت لثلاثة ‏أضعاف في الغالب، يتأمل الإنسان في يومه وغده شاردًا، حزينًا على ما ‏فقَد، ويقف في مكانه حائرًا، قلِقًا من استمرار وجوده. ليقفز السؤال الأهم: ‏لماذا يكتوي البسطاء باشتعال تلك الصراعات والحروب؟ وما موقعهم في ‏صراعات الهيمنة، واحتكار القوة ومقوماتها بين الأقطاب؟ ‏
تكشَّفت مجموعة من المعايير الجديدة التي باتت تحكُم صراعات القوى ‏الكبرى في العالم، بعد مسلسل وقائع الحرب الأمريكية الإيرانية، التي لم ‏تزَلْ فصولها تتوالى كل ساعة، والتي اختلفت نسبيًّا عما رصدت له في ‏كتاب “سرديات الحروب والنزاعات.. تحولات الرؤية والتقنية”:‏
ــ عكَست الصدمة – التي تعرَّضت لها أسواق الطاقة والتجارة الدولية – ‏الطبيعةَ المترابِطة للنظام العالمي المعاصِر، فالحروب الإقليمية لم تعُدْ ‏محصورة في نطاقها الجغرافي؛ بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي ‏بأسْره، ما يجعل من أيِّ قرار عسكري مغامرة ذات تداعيات تتجاوَز ‏حسابات الربح والخسارة التقليدية. ‏
ــ كما كشَف الصراع الحالي أن القوة العسكرية وحدها لم تعُدْ كافية لحسْم ‏الصراعات في القرن الواحد والعشرين؛ فالسيادة الرقمية، والقدرة على ‏تعطيل سلاسل الإمداد، وتماسُك الجبهة الداخلية، هي الأسلحة الحقيقية ‏التي سترسم ملامح الشرق الأوسط الجديد، الذي تتصارع فيه قوى متعددة.‏
ــ كما صار إضعاف الدولة لا يعني بالضرورة إسقاطها؛ بل قد يؤدِّي أحيانًا ‏إلى تعزيز تماسُكها الداخلي في مواجهة التهديد الخارجي. وفي الحالة ‏الإيرانية، وبالرغم من رجعية الخطاب الذي يقدمونه، والذي تجسَّد في بيان ‏‏(مجتبي) الأخير، بدا النظام قادرًا على امتصاص الصدمة، والحفاظ على ‏أدواته الأمنية للسيطرة، وبما يمارِس من مراوغَات في المفاوَضات.‏
ــ تبدَّى أيضًا انهيار هيبة القُطب الواحد؛ بمعنى أن الحرب لم تعزِّز الهيمنة ‏الأمريكية؛ بل كشفَت عن تآكلها. فعندما تعجز القوة العُظمى عن حماية ‏ممرَّات مائية دولية أمام “مسيَّرات منخفضة التكلفة”؛ فإن “هيبة القُطب ‏الواحد” تتصدع.‏
ــ كما تكشَّف الواقع الآن عن أننا لا نعيش ولادة نظام “متعدِّد الأقطاب” ‏بالمعنى التقليدي؛ بل “نظام الأقطاب المتداخِلة”؛ حيث تمتلك القوى ‏الإقليمية (مثل إيران أو تركيا أو السعودية) قُدرة على تعطيل استراتيجيات ‏القوى العظمى، وفرْض أجنداتها الخاصة، فنحن نشهد ولادة “كتلة أوربية ‏أسيوية” (روسيا، الصين، إيران) تثبت أن عهد القُطب الواحد قد انتهى. مع ‏ملاحظة أن هزيمة أمريكا عسكريًّا ليست هدف هذه القوى؛ بل إحراجها ‏تكنولوجيًّا وسياسيًّا أمام العالم، وهو ما تحقَّق عبْر استمرار هذه الحرب.‏
ــ كما أظهرت هذه الحرب أن السيطرة على نقاط الاختناق العالمية مثل ‏‏(مضيق هرمز) يمكن أن تعوِّض جزئيًّا عن التفوق العسكري للخِصم، ‏طالما تعلَّق الأمر باحتباس الطاقة. قد تمتلك واشنطن النظام المالي ‏العالمي، لكن بعض الدول – بحُكم الجغرافيا – تمتلك القدرة على التأثير، ‏بما تعود آثاره على الاقتصاد العالمي.‏


ــ أظهرت هذه الحرب أيضًا تربُّص الأقطاب بعضهم بالآخَر، فبالنسبة ‏لروسيا الحرب في الشرق الأوسط تُعد نِصف نصْر في أوكرانيا. وبالنسبة ‏لواشنطن، يستنزف هذا الصراع مواردها، إضافة لانعكاسات شخصية ‏دونالد ترامب، وضَعْف قُدرته على بناء التحالفات، نظرًا لانطلاقه من ‏الهيمنة لا الشراكة، وهو ما أظهر تآكل الدعم الدولي في اللحظات ‏الحرجة، فغياب التنسيق المسبَق، وتحميل الحلفاء في أوروبا تبعات القرار، ‏أدَّى إلى تآكل الثقة، وهو ما قد تكون له انعكاسات طويلة المدى على بنْية ‏التحالفات الغربية، التي تشكلت تاريخيًّا على أساس التشاور والالتزام ‏المتبادَل.‏
فالقوة العسكرية، في غياب إطار سياسي، تصبح أداة بلا اتجاه، وقد تؤدي ‏إلى نتائج عكسية إذا لم تُستخدَم ضمْن تصوُّر استراتيجي متكامل. كما ‏ذكَر “لورانس فريدمان” خبير الحرب البريطاني.‏
وأحسب أننا في مواجهة عدد من السيناريوهات التي تحدِّد مصير هذه ‏الحرب:‏
الأول: الانتهاء بـ”صفقة كبرى” تفرضها الضرورة. ولن يكون حسمًا عسكريًّا ‏بقدْر ما هو حسْم سياسي يُجبِر إيران على تحجيم نفوذها الإقليمي، ووقْف ‏التخصيب العالي مقابل ضمانات بقاء النظام، ورفْع العقوبات الشامل. وقد ‏تفضِّل واشنطن هذا السيناريو للخروج من “المستنقع” والتفرغ للصين.‏
السيناريو الثاني: الحرب التي لا تنتهي؛ أي بقاء حالة لا حرب ولا سِلم؛ ‏وضربات متبادَلة تحت سقْف احتمالية الانفجار الشامل في أية لحظة.‏
ويخدم هذا السيناريو “روسيا” بالدرجة الأولى، حيث يظَل الجرح الأمريكي ‏نازفًا في الشرق الأوسط، وتظَل أسعار الطاقة مرتفعة، بينما تغرق المنطقة ‏في حالة من التراجع الاقتصادي، التي تمنع أيَّ مشروع تنموي عربي كبير ‏من الاكتمال.‏
أما السيناريو الثالث فهو: “الانفجار الكبير وإعادة الترسيم” (سيناريو ‏الفوضى الخلاقة)، حيث انزلاق الطرفين لتصعيد كبير، يؤدي لتدمير البنية ‏التحتية النفطية في الخليج وإيران، وتغيير جذري في خرائط النفوذ.‏
ولو حدث هذا السيناريو؛ فسيؤدي إلى “سايكس بيكو ثانية”، حيث تتقسم ‏مناطق النفوذ بين قوى إقليمية (تركيا، إسرائيل، وقوى عربية) لملء الفراغ ‏الذي سيتركه انكفاء الدور الإيراني أو الانسحاب الأمريكي الاضطراري.‏
ولا زلت أرى أن شرعية الحرب في واشنطن ترتبط بـسعر البنزين، ووقت ‏صناديق الاقتراع. فالقدرة على التحمل ليست عسكرية فقط؛ واشنطن قد ‏تخسر الحرب “سياسيًّا” داخل الكونغرس، قبل أن تخسرها “عسكريًّا” في ‏الميدان. كما ترتبط الشرعية في طهران بسرديات التاريخ وإعادة الأمجاد ‏والقبضة الأمنية. وقد تخسر إيران الحرب “اجتماعيًّا” بانفجار الداخل، ‏نتيجة الجوع، قبْل سقوط جبهاتها العسكرية.‏
ولعل السؤال الذي يفرض ذاته على دول الإقليم، الذي نعيش تداعيات ‏صراعات القوى والأقطاب فيه، وتطُولنا بشكل أو بآخَر، كيف بإمكان دول ‏المنطقة، والجموع، التعايُش مع تلك المتغيرات العالمية؟ ‏
فلقد أثبتت الحرب أن التفوُّق العسكريَّ التقليدي لم يعُد كافيًا أمام ردْع ‏المسيَّرات منخفضة التكلفة، وهنا تبرز التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ‏وضرورة تأسيس منظومة تعليمية تكنولوجية متطورة.‏
كما أن الأولوية القصوى في المرحلة القادمة لتأمين البنية التحتية الحيوية ‏‏(طاقة، تحلية مياه، شبكات رقمية) ضد الهجمات السيبرانية و”خلايا ‏المسيَّرات النائمة”.‏
وتجنُّب التحول إلى ساحة “تصفية حسابات” بين القوى الكبرى، مع ‏الاستعداد لسيناريو “عالم ما بعد الهيمنة الأمريكية” عبْر تنويع الشراكات ‏الأمنية والمالية.‏
لم تعد الحروب مواجهات مباشرة بين البشر كما في التاريخ، لكن آثارها ‏المدمرة لم تزَلْ تطال الإنسان بشكل أو بآخَر وتهدِّد أمنه ووجوده.‏

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print
booked.net