كتبت / سلوى لطفي
روبرت دي نيرو… عندما يذوب الممثل في الشخصية
هناك ممثلون عظماء تستطيع أن تراهم خلف شخصياتهم مهما تنوعت أدوارهم.
تتغير الأسماء.
وتتغير الحكايات.
لكن شيئاً منهم يظل حاضراً دائماً.
طريقة الكلام.
نبرة الصوت.
الحضور الذي يسبقهم إلى الشاشة.
وهذا ليس عيباً بالضرورة.
بل قد يكون جزءاً من سر عظمتهم.
لكن روبرت دي نيرو حيّرني دائماً لسبب مختلف.
فكلما شاهدته أكثر، ازداد فضولي تجاه سؤال واحد:
كيف استطاع هذا الممثل أن يذوب داخل شخصياته إلى هذا الحد؟
في “العراب الجزء الثاني” أرى فيتو كورليوني الشاب وهو يشق طريقه نحو قيادة واحدة من أقوى عائلات المافيا.
ثم أجد نفسي أمام ترافيس بيكل في “سائق التاكسي”، ذلك الجندي العائد من فيتنام والذي يتآكل من الداخل.
وبعده يأتي جايك لاموتا في “الثور الهائج” بعنفه وغضبه وتدميره المستمر لنفسه.
ثم روبرت بابكين في “ملك الكوميديا”، ذلك الحالم المهووس بالشهرة، بشخصيته المرتبكة والمثيرة للشفقة، وكأنه جاء من عالم مختلف تماماً عن عالم ترافيس بيكل أو جايك لاموتا.
وبعد سنوات قليلة أراه ليونارد في “يقظات”، ذلك الإنسان الذي يستعيد الحياة بعد سنوات طويلة من الغياب، بكل ما يحمله ذلك من هشاشة وبراءة ودهشة وأمل.
ثم جيمي كونواي في “رفاق طيبون”، ذلك المجرم الواثق الذي يجعل العنف يبدو جزءاً عادياً من الحياة اليومية.
وبعد أكثر من عقدين يظهر في “المتدرب” رجلاً هادئاً ومتزناً، يجد معنى جديداً للحياة بعد التقاعد، حتى يصعب الربط بينه وبين معظم الشخصيات السابقة.
وفي “الأيرلندي” أرى فرانك شيران وقد أثقله العمر والندم والصمت.
ثم في “قتلة زهرة القمر” أرى ويليام هيل، ذلك الرجل الذي يرتدي الاحترام والوداعة قناعاً لشر لا يعرف حدوداً، شخصية أخرى تؤكد أن أدواته لم تفقد حدتها حتى في العقد الثامن من عمره.
ما يثير إعجابي في كل هذه الشخصيات ليس اختلافها فقط.
بل قدرة دي نيرو على التخلي عن نفسه لصالحها.
فكثير من الممثلين الكبار تظل شخصياتهم الحقيقية حاضرة بدرجة أو بأخرى داخل أدوارهم.
أما مع دي نيرو فكنت أشعر أن الشخصية هي التي تتقدم، بينما يتراجع هو إلى الخلف.
وكأن الرجل مستعد للتنازل عن صوته وهيئته وإيقاعه المألوف من أجلها.
وهذا ما يفسر استعداده لإعادة تشكيل نفسه جسداً وصوتاً وحضوراً، كما فعل في “الثور الهائج”.
فهو لا يبدأ من نفسه ثم يجري بعض التعديلات لتناسب الدور.
بل يبدأ من الشخصية نفسها، ومن الطريقة التي ترى بها العالم، ثم يعيد تشكيل نفسه وفقاً لذلك.
ولهذا لم يكن يتعامل مع الدور باعتباره فرصة للظهور، بل باعتباره مهمة يجب إنجازها بأكبر قدر ممكن من الصدق والإتقان.
ولم يكن غريباً أن يجد مارتن سكورسيزي فيه الشريك المثالي عبر عقود طويلة من العمل المشترك. فالمخرج الذي يسعى إلى استكشاف شخصيات معقدة ومضطربة يحتاج إلى ممثل يملك الشجاعة الكافية ليتخلى عن نفسه في كل مرة.
حين أنظر إلى مسيرة دي نيرو اليوم لا أفكر أولاً في الجوائز التي حصل عليها، ولا في مكانته في تاريخ السينما، رغم أن كليهما استثنائي.
ما يثير إعجابي أكثر هو تلك القدرة النادرة على التشكل مرة بعد أخرى، من دون أن يكرر نفسه.
ربما كانت الموهبة هي ما أوصل روبرت دي نيرو إلى القمة.
لكن ما أبقاه هناك طوال نصف قرن كان شيئاً آخر تماماً.
الاحتراف.























































