بقلم الكاتبة الصحفية / سهام فودة
مع كل عام هجري جديد تتكرر التهاني، وتتجدد الأمنيات، وتُكتب الكلمات عن الهجرة النبوية، لكن قليلين من يتوقفون أمام السؤال الأهم هل كانت الهجرة مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى أم أنها كانت إعلانًا عن ميلاد إنسان جديد استطاع أن ينتصر على خوفه قبل أن ينتصر على أعدائه وأن يهزم اليأس قبل أن يهزم المستحيل
الهجرة لم تكن رحلة على طرق الصحراء بل كانت رحلة داخل النفس البشرية فقبل أن يغادر رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة كانت القلوب قد هاجرت إلى اليقين وقبل أن تُبنى المدينة كانت النفوس قد بُنيت على الصبر والثبات والإيمان ولذلك لم يصنع التاريخ خطوات الأقدام بقدر ما صنعته قوة المبادئ التي حملها أصحابها
كل عام هجري يذكرنا بأن أعظم الهجرات ليست تلك التي تقطع المسافات وإنما التي تقطع المسافات بين الإنسان وضعفه وبين قلبه وخالقه وبين ما يرضيه الناس وما يرضي الله وبين الخوف الذي يشل الإرادة والإيمان الذي يصنع المعجزات فكم من إنسان يعيش في المكان نفسه لكنه هاجر من الأمل إلى اليأس وكم من آخر لم يغادر موطنه يومًا لكنه هاجر من الكسل إلى العمل ومن الأنانية إلى العطاء ومن الغفلة إلى اليقظة
الهجرة النبوية علمتنا أن التخطيط لا يناقض التوكل وأن الإيمان لا يعني انتظار المعجزات دون عمل فقد أُعد الطريق واختير الرفيق ورتبت الأسباب وأُخفيت الآثار ثم جاء التوكل الصادق على الله ليمنح تلك الأسباب روحها الحقيقية وكأن الرسالة الخالدة تقول إن السماء تبارك الخطوات التي يبذل أصحابها أقصى ما يستطيعون ثم يتركون النتائج لله
وفي زمننا أصبحت الهجرة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى لكنها لم تعد من مدينة إلى أخرى بل من الضجيج إلى السكينة ومن الكراهية إلى الرحمة ومن الشكوى الدائمة إلى صناعة الحلول ومن استهلاك الوقت إلى استثماره ومن الإدمان على الشاشات إلى استعادة دفء العلاقات الإنسانية ومن مطاردة المظاهر إلى البحث عن الجوهر فكم من إنسان يعيش وسط آلاف المتابعين لكنه يشعر بوحدة لم يعرفها أحد من قبل وكم من قلب امتلأ بالأخبار وفرغ من الطمأنينة
السنة الهجرية الجديدة ليست صفحة في التقويم فقط بل فرصة لإعادة كتابة الذات فلا قيمة لعام جديد يحمل العادات القديمة ولا معنى لتبديل الأرقام إذا بقيت الأرواح كما هي فالأعوام لا تتغير وحدها وإنما تتغير حين يقرر الإنسان أن يبدأ من جديد وأن يراجع نفسه وأن يصالح أخطاءه وأن يغلق أبوابًا استنزفته ويفتح نوافذ يدخل منها النور
لقد أثبتت الهجرة أن المستقبل لا تصنعه الظروف المثالية بل تصنعه النفوس التي تؤمن برسالتها وأن الطريق قد يكون مليئًا بالعقبات لكن صاحب الرسالة لا يتوقف عند العقبة بل يبحث عن الطريق الذي يتجاوزها ولذلك بقيت الهجرة حدثًا خالدًا لأنها لم تعلم المسلمين كيف يهربون من الواقع بل كيف يصنعون واقعًا أفضل مهما كانت التحديات
ومع إشراقة عام هجري جديد ربما يكون أجمل احتفال بالهجرة ألا نكتفي بذكرها بل أن نعيش معناها وأن يسأل كل واحد منا نفسه إلى أي شيء سأهاجر هذا العام هل سأهاجر من القسوة إلى الرحمة أم من التأجيل إلى الإنجاز أم من الانكسار إلى الأمل أم من الانشغال بالناس إلى إصلاح النفس
هكذا تبقى الهجرة النبوية مدرسة لا تنتهي ودعوة مفتوحة لكل من يريد أن يبدأ من جديد لأن أعظم رحلة قد يقوم بها الإنسان ليست تلك التي تغير عنوان منزله وإنما تلك التي تغير عنوان قلبه فيصبح أقرب إلى الله وأكثر سلامًا مع نفسه وأصدق أثرًا في حياة من حوله وعندها فقط يصبح العام الهجري الجديد بداية حقيقية لا لعام مختلف فحسب بل لإنسان مختلف أيضًا.






















































