عاجل

أنا وهولاكو… الرجل الذي أسقط بغداد
وزير دفاع إيطاليا ردا على تصريح ترامب: لا أتخيل أن ميلوني قد تطلب التقاط صورة مع أحد حتى تحت التهديد
لدى إيران خطة للرد في حال انتهكت أمريكا الاتفاق.. مجلس الأمن القومي الإيراني يوضح
“علينا إبقاء نتنياهو عاقلاً وإسرائيل ستفعل ما أطلبه”.. ردود صادمة بأول مقابلة لترامب بعد الاتفاق مع إيران
# كتاب جديد 📖 “يمكنك شفاء حياتك” من تأليف✍️ لويز هاي
أغرب القضايا … FBI تكشف مجرم خطير في مصر
اكتشاف ديناصور جديد في رومانيا يصحح خطأ علميا استمر لعقود
# مطَار القاهرة الدولي .. وحتمية التحديث
هزيمة أخرجته عن شعوره، اشتباك مدرب قطر مع نظيره الكندي بعد فضيحة السداسية
ترامب عن اتفاق إيران: “استسلام غير مشروط” من قِبَل طهران لأننا هزمناهم
منتخب قطر يتعرض لهزيمة ساحقة في مونديال 2026
نائب ترامب “لن يسافر إلى سويسرا لتوقيع مذكرة التفاهم مع إيران”.. والبيت الأبيض يكشف السبب
اتحاد الكرة المصري ينشر صورة حديثة لمحمد صلاح وحسام حسن ويعلق بـ5 كلمات
مستشهداً بكلمات أغنية لأم كلثوم.. البرادعي يعلق على “الخلاف” بين إسرائيل وأمريكا حول اتفاق إيران
منتخب المكسيك أول المتأهلين للدور الثاني في مونديال 2026

أنا وهولاكو… الرجل الذي أسقط بغداد

بقلم /  رضا اللبان

وصلت إلى بغداد. لكنني لم أجد بغداد التي قرأت عنها في الكتب. لم أجد مدينة الرشيد. ولا مدينة المأمون. ولا عاصمة العلم التي كان الطلاب يأتون إليها من أطراف الدنيا. وجدت دخانًا. وخرابًا. وصمتًا ثقيلًا يخنق المكان. سرت بين الأنقاض. فرأيت أوراقًا ممزقة تتطاير مع الريح. وكتبًا مبللة بالماء والطين. وكان دجلة يجري هادئًا كأن شيئًا لم يحدث.وعلى ضفة النهر رأيت رجلًا ينظر إلى الأفق. فارسًا ضخمًا. وجهه جامد كالصخر. اقتربت منه.
وقلت:  أأنت هولاكو؟
فالتفت نحوي وقال:  نعم. وما زالت بغداد تبكي في زمنكم؟
قلت: نعم… وما زال اسمك يثير الغضب كلما ذُكر.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
وقال:  إذن اجلس. فلديكم من القصة نصفها فقط.
جلست بجواره.
وقلت: لنبدأ من البداية. من أنت؟
قال: أنا هولاكو بن تولوي. وحفيد جنكيز خان. ولدت في بيت لم يكن يعرف إلا شيئًا واحدًا… الفتح. منذ كنت طفلًا كنت أسمع أسماء المدن كما يسمع غيري أسماء الألعاب. الصين. فارس. آسيا الوسطى. كلها كانت محطات في طريق الإمبراطورية المغولية.
قلت:  وهل كنت تحلم بإسقاط بغداد؟ ضحك.
وقال:  عندما كنت طفلًا لم أكن أعرف حتى أين تقع بغداد. لكن أخي الخاقان الأعظم منكو خان أمرني بالتوجه غربًا. وكانت مهمتي واضحة. إخضاع كل من يرفض سلطة المغول. بدأت رحلته بإسقاط قلاع الحشاشين. تلك الجماعة التي أرعبت الحكام والملوك لسنوات طويلة. فسقطت قلاعهم واحدة بعد الأخرى.
ثم أصبحت الطريق مفتوحة نحو بغداد.
قلت: وهل كنت تنوي تدميرها منذ البداية؟ نظر إليّ طويلًا. ثم قال:  كنت أريد خضوعها. لكن الضعف وسوء التقدير يصنعان الكوارث أحيانًا. كان الخليفة العباسي المستعصم بالله يظن أن بغداد لا يمكن أن تسقط. وكان بعض مستشاريه يطمئنونه بأن المغول لن يجرؤوا على مهاجمتها. لكنني كنت أمام أسوارها بالفعل. في يناير سنة 1258م بدأت النهاية. حاصر المغول المدينة من كل الجهات. وانهالت المجانيق كالمطر. وسقطت الدفاعات سريعًا.
قلت: وماذا حدث عندما دخلت المدينة؟ ساد الصمت.
حتى الريح توقفت. ثم قال: حدث ما يحدث عندما تغضب الإمبراطورية. دخل الجنود. وانفلت العنف.
ومات أناس لا يعرف أحد عددهم الحقيقي. بعض المؤرخين ذكر مئات الآلاف. وبعضهم ذكر أرقامًا أقل.
لكن المؤكد أن الكارثة كانت عظيمة.
قلت:  وهل صحيح أن دجلة اسودّ من حبر الكتب؟
ابتسم. وقال:  ربما. وربما أضاف الرواة بعض الخيال إلى المأساة. لكن الحقيقة المؤكدة أن بغداد فقدت جزءًا هائلًا من تراثها العلمي. واحترقت مكتبات كثيرة.
وضاعت كتب لا تُقدر بثمن. نظرت إلى النهر. وشعرت أن الماء نفسه حزين.
قلت:  وهل شعرت بالندم؟
فأجاب بسرعة:  المنتصرون لا يتحدثون كثيرًا عن الندم. ثم أكمل:  بعد سقوط بغداد انتهت الخلافة العباسية التي استمرت أكثر من خمسة قرون. وأصبح اسمي معروفًا من الصين إلى البحر المتوسط. كنت أظن أن الطريق أصبح مفتوحًا أمامي. لكن التاريخ كان يجهز مفاجأة أخرى.
قلت:  عين جالوت؟
هز رأسه.وقال:
ـ نعم.
بينما كنت أرتب أموري في الشرق، واجهت قواتي جيش المماليك.
هناك ظهر رجال لم يخافوا من اسم المغول.
ظهر قطز.
وظهر بيبرس.
وفي سنة 1260م حدث ما لم يكن يتوقعه كثيرون.
هُزمت قوات المغول في عين جالوت.
وكان ذلك أول شرخ كبير في أسطورة الجيش الذي لا يُهزم.
قلت:
ـ وهل أزعجك ذلك؟
فضحك.
وقال:
ـ كل إمبراطورية تظن أنها خالدة.
ثم تكتشف أنها بشرية مثل غيرها.
مرت لحظات من الصمت.
ثم سألته:
ـ كيف تريد أن يتذكرك التاريخ؟
نظر إلى بغداد البعيدة.
وقال:
ـ لا أملك هذا الاختيار.
المؤرخون يملكونه.
سيذكرني البعض كفاتح عظيم.
وسيذكرني آخرون كمدمر لبغداد.
وربما يكون الاثنان على حق.
وقفت استعدادًا للرحيل.
ثم سألت السؤال الأخير:
ـ بعد كل هذه القرون…
هل تعتقد أن الناس سامحوك؟
نظر إليّ نظرة طويلة.
ثم قال:
ـ اسأل بغداد.
اختفى الفارس.
واختفى صهيل الخيول.
وبقيت وحدي أمام مدينة غيرت مجرى التاريخ.
وأدركت أن بعض الرجال لا يهزمون جيشًا أو مدينة فقط.
بل يهزمون عصرًا كاملًا.
مات هولاكو منذ قرون.
وانتهت إمبراطوريته.
وتفرقت جيوشه.
لكن بغداد ما زالت تتذكر اليوم الذي سمعت فيه وقع حوافر خيله على أبوابها.
وربما لهذا السبب…
كلما ذُكر اسم هولاكو، لا يتذكر الناس الرجل فقط…
بل يتذكرون المدينة التي سقطت معه من صفحات المجد إلى صفحات المأساة.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print
booked.net