بقلم الكاتبة الصحفية / سهام فودة
أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى مزيد من الاقتراب ليفهم، بل إلى لحظة ابتعاد خفيفة تعيد ترتيب المشهد في عينيه. فهناك أشياء لا تتضح معالمها ونحن داخلها، تمامًا كما لا يمكن لمن يقف ملاصقًا للوحة أن يرى صورتها كاملة. القرب الشديد قد يمنح دفء الوجود، لكنه في الوقت نفسه قد يسلب القدرة على الرؤية، لأننا نذوب في التفاصيل حتى تختفي الصورة الكبرى.
نعتاد ما يحيط بنا حتى يصبح جزءًا من طبيعتنا اليومية، فنفقد القدرة على مساءلته أو حتى ملاحظته. الأشخاص الذين نراهم كل يوم، الأفكار التي نكررها دون تفكير، العادات التي تتسلل بهدوء إلى تفاصيلنا، وحتى النسخ التي نصنعها لأنفسنا لنناسب ما حولنا… كلها تتحول مع الوقت إلى شيء مألوف إلى حد الإخفاء. وهنا تبدأ المفارقة، حين يصبح الاعتياد حجابًا لا يُرى، لكنه يحجب الكثير.
المسافة ليست هروبًا كما نظن أحيانًا، بل هي شكل آخر من أشكال الفهم. خطوة إلى الوراء قد تكشف ما عجزت عنه خطوات متتالية إلى الأمام. فبعض الحقائق لا تُرى من الداخل، بل تحتاج إلى زاوية أوسع، إلى عين تخرج قليلًا من قلب المشهد لتلتقط معناه الحقيقي. كم من أمور تمسكنا بها فقط لأننا لم نبتعد عنها بما يكفي لنكتشف أنها لم تكن كما تخيلنا، وكم من مشاعر منحناها حجمًا أكبر لأنها كانت قريبة أكثر من اللازم.
الغريب أن ما نظنه يقينًا قد يتغير شكله تمامًا حين نمنحه مساحة من البعد. ليس لأن الحقيقة تتبدل، بل لأن رؤيتنا لها كانت ناقصة. وكأن المسافة لا تغيّر الأشياء، بل تكشف ما كان مخفيًا في زوايا القرب.
وفي لحظة ما، ندرك أن الشجاعة ليست دائمًا في المواجهة المباشرة، بل أحيانًا في القدرة على التراجع خطوة واحدة فقط، لا للهرب، بل للرؤية بوضوح. فبعض الطرق لا تُفهم إلا حين نراها من الخلف قليلًا، وبعض الحقائق لا تمنح نفسها إلا لمن يملك رفاهية الابتعاد المؤقت كي يعود بعينٍ ترى، لا بعينٍ تعتاد.






















































