عاجل

«النواب» يتحرك لزيادة المعاشات مجددا وصرف معاش لغير المؤمن عليهم
عمر خيرت يكشف سر المكالمة التي غيرت حياته.. ما علاقة فاتن حمامة؟
رئيس أركان الجيش الإسرائيلي: الجناح العسكري لحركة حماس يعيد الاستعداد للحرب
قناة السويس تجني ثمار توقف الحرب في المنطقة
بوتين: موسكو لن تمنح أوكرانيا الفرصة لوقف تقدم القوات الروسية المسلحة
أنا والمتنبي
تحول لون البول إلى الأخضر.. علام يشير على صحة الجسم؟.. طبيب يوضح
“كاشفة الذباب المصرية”.. شبكة رادارات عملاقة تتحدى الطائرات الشبحية والصواريخ الباليستية
بيان للجيش المصري بشأن حملة أمنية جنوبي البلاد
هل يعزز الكاكاو وظائف الدماغ؟.. دراسة حديثة تقدم مؤشرات واعدة
مونديال 2026.. مواجهة فاصلة بطعم الثأر بين البرازيل واليابان.. الموعد والقنوات الناقلة
خطة بيع الأصول.. مصر تقيد 4 شركات حكومية في البورصة
منتخب مصر يجني أول مكاسب التأهل إلى دور الـ32 في كأس العالم
أخطر سنوات سد النهضة انتهت.. عباس شراقي: انخفاض أمطار النيل هذا الموسم لا يعنى دخول سنوات جفاف
ترامب يهدد بـ”إكمال المهمة عسكريا” وإزالة الجمهورية الإسلامية الإيرانية من الوجود

أنا والمتنبي

بقلم / رضا اللبان

بعد أسابيع طويلة قضيتها بين السيوف وصليل المعارك وبين السلاطين والقادة الذين غيروا مجرى التاريخ وجدت نفسي أريد أن أبتعد قليلا عن ساحات القتال. أردت أن ألتقي رجلا لم يكن يحمل سيفا في يده لكنه كان يملك شيئا أخطر. الكلمة. ولم أجد أفضل من رجل ما زال العرب يرددون شعره بعد أكثر من ألف عام. المتنبي.

جلست أمامه أتأمله للحظات. لم يكن يبدو كالشعراء الذين رسمتهم مخيلتي.وكان في عينيه شيء من الكبرياء وشيء من التحدي.
فقلت له أحقا كنت ترى نفسك أعظم شعراء زمانك ابتسم ابتسامة خفيفة وقال بل كنت أرى أن زماني هو الذي سيتشرف بي.
ضحكت وقلت يبدو أن ما يقال عن غرورك كان صحيحا.
فنظر إلي وقال لو لم أؤمن بنفسي لما حفظ أحد اسمي.
عندها أدركت أنني لا أجلس أمام شاعر عادي. كنت أجلس أمام رجل ملأ الدنيا وشغل الناس. رجل أحبته أجيال وكرهه آخرون.
رجل عاش حياته كلها وهو يطارد المجد بالكلمات.
ولد أبو الطيب المتنبي في الكوفة سنة 303 هجرية.
وكان ذكيا بصورة لفتت الأنظار منذ صغره. حفظ اللغة والشعر واختلط بالقبائل العربية في البادية فازدادت لغته قوة وفصاحة. لكن المشكلة أن الموهبة وحدها لم تكن تكفيه. كان يريد أكثر. أكثر بكثير.
قلت له متى بدأت تشعر أنك مختلف عن الآخرين
فقال حين اكتشفت أن أحلامي أكبر من المكان الذي ولدت فيه. وفي شبابه دخل في مغامرة غريبة ما زالت تثير الجدل حتى اليوم. ادعى النبوة بين بعض القبائل.
ومن هنا جاء لقبه الشهير. المتنبي. لكن الأمر لم يدم طويلا. فقد ألقي القبض عليه وسجن فترة من الزمن.
خرج بعدها أكثر حذرا. لكنه لم يتخل عن حلم المجد.
بل غير الطريق فقط. بدلا من أن يبحث عن المجد بالسيف بحث عنه بالشعر. وكان شعره كافيا.
تنقل بين المدن والبلدان حتى وصل إلى الرجل الذي سيغير حياته. سيف الدولة الحمداني. أمير حلب وبطل الحروب ضد الروم. وهناك بدأت أجمل فصول الحكاية.
كان سيف الدولة يحب الأدب والشعر. وكان المتنبي يحتاج إلى أمير يؤمن بموهبته. فاجتمع الاثنان.
وأصبح المتنبي شاعر البلاط الأول. وكانت قصائده في سيف الدولة تلهب الحماس في القلوب. حتى أن الناس كانوا يحفظونها ويتناقلونها في كل مكان.
قلت له هل كنت تحب سيف الدولة حقا فأجاب كنت أرى فيه بطلا يستحق الشعر. ثم سكت قليلا وأضاف
لكنه كان يرى حوله من لا يستحقون القرب منه. وهنا بدأت المشاكل. امتلأ مجلس سيف الدولة بالحساد.
كان بعضهم يغار من مكانة المتنبي. وبعضهم يكره ثقته بنفسه. وبعضهم لا يحتمل أن يسرق شاعر كل الأضواء.
وتحولت الغيرة إلى مؤامرات. والمؤامرات إلى خصومات.
حتى وقعت القطيعة بين الشاعر والأمير. وغادر المتنبي حلب.
قلت له هل ندمت على الرحيل
فقال أحيانا لا يخسر الإنسان مكانه. بل يخسر الأشخاص الذين كانوا فيه. بعد ذلك اتجه إلى مصر. وهناك التقى بكافور الإخشيدي. وكان يظن أن كافور سيمنحه ولاية أو منصبا كبيرا. لكن الأيام مرت دون أن يتحقق ما أراد.
فتحول المدح إلى غضب والإعجاب إلى هجاء. فكتب قصائد لاذعة ما زالت تروى حتى اليوم. ثم غادر مصر ليكمل رحلته. لكن القدر كان يقترب. في إحدى رحلاته اعترضه رجال يقودهم فاتك بن أبي جهل الأسدي. وكان بينه وبين المتنبي ثأر قديم بسبب قصيدة هجاء. وحين بدأت المواجهة قيل إن المتنبي فكر في الهرب. فقال له أحد مرافقه كيف تهرب وأنت القائل الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم فسكت المتنبي. وتوقف. ثم عاد ليقاتل. كانت لحظة غريبة.
كأن الشاعر وجد نفسه محاصرا بكلماته. الرجل الذي عاش عمره يصنع المجد بالشعر لم يستطع أن يفر من الصورة التي رسمها لنفسه. فقاتل. وقتل. وسقطت معه صفحة من أعظم صفحات الأدب العربي. نظرت إليه للمرة الأخيرة
وقلت بعد ألف عام ما زال الناس يختلفون حولك. منهم من يراك أعظم شاعر عربي. ومنهم من يراك مغرورا أكثر مما ينبغي. فابتسم وقال وهل كنت تريد منهم أن ينسوني
ثم نهض وغادر. وبقي صوته يتردد في المكان. صوت رجل لم يملك مملكة. ولم يقُد جيشا. ولم يفتح مدينة.
لكنه فتح بالكلمات أبواب الخلود.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print
booked.net