بقلم / رضا اللبان
كانت الريح تعصف خارج الخيمة، كأنها تنذر بأن الأرض نفسها لا تثق بالهدوء. في تلك الليالي لم يكن اسم المغول يُقال بصوت عادي… كان يُقال كما تُقال كلمة “الخطر” في آخر العمر. بغداد سقطت. والمدن تتابعت خلفها كأحجار الدومينو. والناس بدأت تظن أن العالم ينحني لنهاية لا عودة منها. دخلت خيمة القائد الظاهر بيبرس.
ليس سلطاناً بعد… بل رجلٌ يقف على حافة التحول الكبير في تاريخ المنطقة. كان منحنياً فوق خريطة ممتدة، يقرأ الأرض كما يقرأ المحارب وجه خصمه. رفعت بصري إليه وقلت: ألا تخشى ما يفعله المغول بالعالم؟
لم يرفع رأسه فوراً. ثم قال بهدوء شديد: الجميع يخشاهم… ولذلك ينتصرون. صمت لحظة ثم أضاف:
أما أنا… فأريد أن أنزع عنهم هذا الخوف. قاطعته:
كيف تُقاتل جيشاً ابتلع الممالك؟ ابتسم ابتسامة قصيرة. وقال وهو يشير إلى نقطة على الخريطة: هنا… سنكسر فكرة أنهم لا يُهزمون.
قلت: عين جالوت؟
هز رأسه ببطء: هناك بدأ الكسر… لكن النهاية لم تُكتب بعد. فجأة انفتح باب الخيمة بعنف. دخل رسول يلهث، والغبار يغطي وجهه. صرخ: يا قائد طلائع المغول ظهرت على التخوم! ساد صمت ثقيل. كل من في الخيمة انتظر رد فعل واحد: التوتر. لكن بيبرس قال شيئاً مختلفاً تماماً… قال: إذن وصلوا أخيراً. ثم أضاف بهدوء قاتل: كنت أظن أنهم يتأخرون. ارتبك الرسول. ارتبك الحاضرون. أما أنا فشعرت أنني أمام عقل لا يرى المعركة كحدث… بل كموعد.
سألته: لماذا تتحدث وكأنك تنتظرهم؟
قال: لأن الحرب لا تُكسب عندما تهرب من عدوك…
بل عندما تجبره أن يأتي إلى المكان الذي تختاره أنت.
وفي صباح اليوم التالي… انفجر الأفق غباراً. اصطدمت الجيوش. لكن ما حدث لم يكن مواجهة عادية. كان فخاً يُغلق ببطء. وبيبرس لا يقاتل فقط… بل يُعيد تشكيل ساحة المعركة نفسها. خطوة… ثم خطوة… ثم انكسار في صفوف المغول. ولأول مرة منذ زمن طويل… لم يعودوا يهاجمون. بل بدأوا يتراجعون. بعد المعركة، التفت إليّ وقال: لا تفرح.
قلت: لماذا؟
قال: من يظن أن المغول انتهوا… سيُهزم مرتين. الأولى في المعركة والثانية في الغفلة. ثم بدأت مرحلة أخرى…
لم تكن أقل خطورة من الحرب نفسها. مرحلة تفكيك العالم الذي صنعه المغول والصليبيون معاً. حصون تُفتح. ومدن تتغير ولاءاتها. وسواحل تتحرك سياسياً كما تتحرك الجيوش عسكرياً. سألته يوماً: هل تحارب بالسيف فقط؟
فنظر إليّ وقال: السيف يفتح باباً واحداً… لكن العقل يفتح أبواب إمبراطورية. ثم جاء اسم لم يكن يُذكر بسهولة: أنطاكية. حصنٌ صليبي ظن أهله أنه لا يسقط. وقفنا أمام أسواره العالية. فقلت: هل يمكن أن يُكسر هذا الجدار؟ أجاب بثقة لا تهتز: كل جدار يُكسر…المسألة فقط: متى؟ وبعد حصار طويل… سقطت أنطاكية. ولم تسقط المدينة فقط…بل سقط معها شعور كامل بالحصانة الصليبية في الشرق. في ليلة النصر، سألته: ما أعظم معركة خضتها؟
ظننت أنه سيذكر عين جالوت… أو أنطاكية… أو إحدى المعارك الكبرى. لكنه قال شيئاً مختلفاً تماماً: أعظم معركة ليست مع المغول… ولا مع الصليبيين.
قلت: إذن مع من؟
قال: مع فكرة أن الخوف أقوى من الإرادة. ثم وقف.
وقال جملته الأخيرة كأنها ختم التاريخ: عندما ينهزم الخوف… لا يبقى شيء لا يُهزم. وغادر الخيمة. وبقيت وحدي… أفهم لأول مرة أن بيبرس لم يكن قائد معارك فقط… بل كان يعيد تعريف معنى القوة نفسها. وفي الخارج…كانت الريح التي كانت تعصف منذ البداية…
قد بدأت تهدأ.























































