بدأت القصة بمقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما اتهم مواطن شخصاً ادعى أنه قاضٍ بالاستيلاء على أمواله مقابل وعود بإنهاء إجراءات ومصالح خاصة، قبل أن تتحول الواقعة إلى قضية أمام النيابة العامة المصرية.

لكن تفاصيل التحقيقات كشفت عن محاولة لبناء صورة كاملة لشخصية قضائية على مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال مقاطع فيديو ظهر فيها المتهم بملابس تشبه الزي القضائي، ومشاهد صُورت داخل محكمة شمال القاهرة.

وقالت النيابة العامة، في بيان نشرته عبر صفحتها الرسمية على موقع فيسبوك، إن المتهم انتحل صفة مستشار، واستعان بثلاثة من موظفي المحكمة لمساعدته على دخول مبنى المحكمة وقاعات الجلسات بعد انتهاء ساعات العمل الرسمية.

وأضافت النيابة أن المتهم قدم مبالغ مالية للموظفين الثلاثة مقابل تمكينه من الدخول، وأنه استخدم قاعات المحكمة وارتداء وشاح قضائي والتصوير داخلها لإضفاء مظهر يوحي بامتلاكه صفة رسمية، واستغلال ذلك في إقناع ضحاياه بقدرته على إنهاء إجراءات ومصالح تخصهم.

من فيديو استغاثة إلى تحقيقات النيابة

بحسب ما أعلنته وزارة الداخلية، بدأت القضية بعد تداول مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي لشخص يستغيث ويتهم آخر بالنصب عليه، قائلًا إنه ادعى أنه قاضٍ واستولى منه على أموال مقابل إنهاء إجراءات.

ونقلت وسائل إعلام مصرية محلية عن تحريات الشرطة أن أحد المواطنين تقدم ببلاغ بعد تعرضه للنصب، واتهم المتهم بالاستيلاء على مبلغ 18 ألف جنيه، أي ما يقارب 350 دولارًا أمريكيًا، بعدما أوهمه بقدرته على إنهاء بعض الإجراءات مستغلًا صفته المزعومة.

وقالت وزارة الداخلية إنها فحصت المقطع وأجرت التحريات اللازمة، وتمكنت من تحديد هوية المتهم وضبطه، إلى جانب الموظفين الثلاثة المتهمين بمساعدته، قبل إحالتهم إلى النيابة العامة التي باشرت التحقيقات.

وأثارت الواقعة اهتمامًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، ليس فقط بسبب اتهامات النصب، ولكن بسبب الطريقة التي تمكن بها المتهم من الظهور داخل المحكمة وتصوير مقاطع فيديو قدم من خلالها نفسه باعتباره شخصية قضائية.

قاضٍ على السوشيال ميديا

ونقلت وسائل إعلام مصرية محلية عن تحريات الشرطة تفاصيل إضافية حول الواقعة، من بينها أن المتهم، وهو من مواليد عام 1993، اعتمد على مقاطع الفيديو التي ينشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتقديم نفسه باعتباره صاحب نفوذ داخل الجهات القضائية.

وبحسب ما نقلته تلك الوسائل عن التحريات، فقد كان المتهم يستخدم هذه المقاطع في التواصل مع ضحاياه عبر تطبيقات المحادثات، بهدف تعزيز ثقتهم في صفته المزعومة وإقناعهم بقدرته على إنهاء مصالح وإجراءات مقابل الحصول على أموال.

وفي المقاطع التي تداولها مستخدمون على مواقع التواصل الاجتماعي، ظهر المتهم مرتديًا ملابس تشبه الزي القضائي، ومتحدثًا أمام الكاميرا باعتباره شخصًا يتعامل مع عدد كبير من الملفات والقضايا.

وفي أحد المقاطع، ظهر وهو يتحدث عن كثرة القضايا التي يعمل عليها، ويطلب من متابعيه الدعاء له، مستخدمًا عبارات ذات طابع شعبي مثل “ادعولي يا إخواتي”، وهو ما أثار تعليقات ساخرة من بعض المستخدمين الذين شككوا في حقيقة صفته.

كما تداول مستخدمون مقاطع أخرى ظهر فيها داخل المحكمة أو في محيطها، من بينها فيديوهات ظهر خلالها وكأنه يغادر مقر المحكمة بعد انتهاء العمل، في مشاهد وصفها بعض المتابعين بأنها محاولة لصناعة صورة استعراضية لشخصية قضائية.

وفي مقطع آخر متداول، ظهر وهو يوجه تهنئة للمتهمين والمحامين بمناسبة شهر رمضان داخل قاعة المحكمة، مقدمًا نصائح وعبارات وعظية قبل بدء الجلسة، وهو ما أثار مزيدًا من التعليقات الساخرة.

كما تداول مستخدمون مقطعًا آخر تحدث فيه عن مرض أفراد من عائلته ودخولهم المستشفى، واعتبر بعض المعلقين أن هذه المشاهد ربما كانت جزءًا من محاولة التأثير على الآخرين وكسب تعاطفهم.

وشاح قضائي وشعارات رسمية داخل المحكمة

أثار ظهور المتهم داخل قاعة المحكمة تساؤلات حول كيفية تمكن شخص لا ينتمي إلى الهيئات القضائية من دخول المكان والتصوير داخله.

وقالت النيابة العامة إن دخول المتهم إلى المحكمة تم بمساعدة ثلاثة من موظفيها، الذين مكّنوه من الدخول بعد انتهاء ساعات العمل الرسمية.

وبحسب ما نقلته وسائل إعلام مصرية محلية عن التحريات، فقد دفع المتهم نحو 3 ملايين جنيه، أي ما يقارب 60 ألف دولار أمريكي، للموظفين الثلاثة مقابل مساعدته في دخول قاعة المحكمة والتصوير داخلها لإيهام المواطنين بأنه قاضٍ حقيقي قادر على إنهاء خدمات لهم.

وقالت تلك الوسائل إن المتهم صنع وشاحًا يشبه الوشاح الرسمي للقضاة، واستخدمه خلال التصوير لتعزيز الصورة التي يقدمها عن نفسه.

كما أثارت الصور والمقاطع المتداولة جدلًا بسبب استخدامه رموزًا مرتبطة بالجهات القضائية، إذ ظهر -بحسب ما تداوله مستخدمون- وهو يضع شعار مجلس الدولة على بعض أجهزته، رغم أن التصوير كان داخل محكمة شمال القاهرة التابعة للقضاء العادي وليس مجلس الدولة المختص بالمنازعات الإدارية.