بقلم دكتور / عمار علي حسن
سأل ترامب عن الذخيرة والسلاح، وعن المهندسين الذين حددوا بدقة إحداثيات المواقع العسكرية والمدنية الإيرانية التي يراد قصفها، وعن الأطباء المهرة الذين سيكونوا في خدمة الجرحى من ضباطه وجنوده، وسمع رأي التجار والسماسرة ورواد البورصة عن الثروة التي سيضع يده عليها في الخليج كله على ضفتيه، ثم سأل عن القدرات العسكرية لإيران جيدًا، وقيل له بملء الأفواه:
ـ كله تمام يا أفندم، تفوقنا كاسح، والضربة قاضية، والمعركة لن تستغرق سوى ساعات، أو أربعة أيام على الأكثر.
ما لم يسأل عنه ترامب هو جغرافية إيران وطوبغرافيته، وتاريخه المديد، والفلسفة التي توجه نظام حكمه، والاعتقاد الذي يملأ صدور أهله، وطبيعة الشخصية الإيرانية، سواء كان الفرد فيها مع حكم الملالي أو ضده، وعن تركيبة المجتمع الإيراني، وعن إمكانيات أهله في اللغة والفنون.
نسي ترامب أهمية التاريخ والجغرافيا والفلسفة والاجتماع والدين والسياسة. نسى العلوم الإنسانية، واعتبرها تنظيرا فارغا، فلم يستدع إلى البيت الأبيض مؤرخين وعلماء نفس واجتماع وفلاسفة وجولوجيين وشعراء وفنانين ولغويين وسياسيين، ليشرحوا له كيف أن هذه العلوم مهمة في الحرب، فكان تعثر الجيش الأمريكي.
اندهش ترامب لقدرة إيران على الصمود، وراح يقارن فروق التسليح والذخيرة، ويتعقب كل ما تمتلكه إيران في هاتين المسألتين بالقصف، ويخرج كل مرة ليكذب قائلا: “دمرناها تماما” أو “دمرنا أغلبها”. حكم عابر على الظاهر، لا يدري صاحبه أن العلوم الإنسانية لدى الإيرانيين تقاتل أيضا إلى جانب الصواريخ والمسيرات.
يحتار ترامب ويسأل نفسه صباحا ومساء: ما سر تعثر الجيش الأمريكي في تركيع إيران، وهو الأقوى بالعالم المعاصر دون منازع، ومعه إسرائيل القاعدة الجوية الضاربة في الشرق الأوسط؟
لو عاد هذا الديكتاتور، المغرور المقامر المراهق قصير النظر، إلى ما قام به أسلافه من دراسة آداب اليابانيين خلال الحرب العالمية الثانية لمعرفة الشخصية اليابانية قبل السيطرة على أهل اليابان. لو أنصت إلى الدراسات الأمريكية حول الشخصية الإيرانية، التي لا تشكلها علوم الفيزياء والكيمياء والأحياء والهندسة والطب، إنما الجغرافيا والتاريخ والفلسفة وعلما النفس واللغة، ربما عرف من يقاتل، وربما لم يقدم على الزج بنفسه في الحرب من أساسه.
الإيرانيون يقاتلون كشعراء، كزهاد، كمشروعات شهادة تدب على أقدام. يقاتلون بجغرافيتهم المعقدة، وخلفهم تاريحهم المديد، ويعبرون عن أنفسهم بطرق بليغة محددة واضحة في معركة الإعلام، ويتصرفون وفق أحدث نظريات علم السياسة، لهذا يصمدون، إلى الآن. يقاتلون وهم يدركون أن استراتيجيات الدول وخططها الحربية لا يضعها العسكريون فقط، إنما ينصتون إلى صوت العلوم الإنسانية، الذي يملأ الفراغات، ويتمم زوايا النظر والعمل.
لا يمكن بناء أمة، ولا كسب حرب، إلا إذا قال علماء الإنسانيات كلمتهم عن الذات وإمكانياتها، وعن قدرات العدو الذي يراد نزاله، في معركة هجومية أو دفاعية.





















































