بقلم / رضا اللبان
أنا ذلك الشخص الذي مرّ من بين أيدي الجميع…
مرّ بي الغني والفقير، ابن الوزير وابن العامل، ابن المدينة وابن القرية، صاحب الحذاء اللامع وصاحب الحقيبة القديمة.
أنا الذي أمسكت بأيديهم أول الطريق، علّمتهم كيف تُكتب الحروف، وكيف تُقرأ الكلمات، وكيف تُبنى الأحلام.
من بين مقاعدي خرج الطبيب الذي يداوي الألم، والمهندس الذي يبني العمران، والضابط الذي يحرس الأمان، والقاضي الذي يفصل بين الناس، والوزير الذي يجلس على مقعد القرار، والمحافظ الذي يدير شؤون البلاد. كلهم… مرّوا من هنا. كلهم… جلسوا أمامي يومًا ما. وكلهم… تعلموا أول خطوة على يدي. ورغم ذلك…


أنا أكثر الناس تعرضًا للنقد. الجميع يتحدث عني، والجميع يظن أنه يفهمني، والقليل فقط من يعرف حجم ما أحمله فوق كتفي.
يتحدثون عن المرتب، ولا يعلمون كيف أُقسّم القليل على الكثير. يتحدثون عن الأداء، ولا يرون ضغوط الوزارة، وتوجيهات لا تنتهي، وأوامر تتغير كل يوم، ومتابعات لا ترحم، ومسؤوليات لا تنام.
يتحدثون عن التقصير، ولا يسألون عن الإنهاك.
ولا يعلمون أن بعض من يقفون حولي، كانوا يومًا في نفس الطريق، ثم هربوا منه…
هرب بعضهم لأن العلم كان أثقل من قدرتهم، وبعضهم لأن المهنة تحتاج ضميرًا لا مجرد حضور وانصراف، وبعضهم دخلها بوساطة، لا حبًا فيها، فقط بحثًا عن مكافأة أو راحة أو لقب. ثم تراهم بعد ذلك… ينظرون من أعلى. يعطون النصائح. يتحدثون بتعالٍ. ينتقدون من بقي في الميدان، وكأنهم خبراء، وهم أصلًا فارغون من المعنى، غائبون عن الرسالة. أما أنا… فما زلت هنا. أقف كل صباح. أدخل فصلي. أحمل طباشيري، أو قلمي، أو حتى همّي…
وأبدأ من جديد. أزرع في عقول صغيرة، وأؤمن أن يومًا ما ستصبح أشجارًا تظلل هذا الوطن.
قد لا أملك مالًا كثيرًا… لكنني أملك أثرًا لا يُشترى.
قد لا يصفق لي أحد… لكن يكفيني أن بصمتي تسير في الشوارع كل يوم على هيئة بشر ناجحين.
أنا لست مجرد وظيفة… أنا بداية كل وظيفة.
أنا لست مجرد موظف… أنا صانع الأجيال.
فهل عرفتني؟






















































