عاجل

الحرس الثوري الإيراني: جزء جديد من سماء إسرائيل أصبح تحت تصرفنا
استعدوا للعاصفة الأرصاد تُعلن حالة الطوارئ رياح غبارية وأمطار غزيرة تجتاح المحافظات
بيان مرشد إيران الجديد يثير غضب إدارة ترامب
لأول مرة في مصر.. الاستخبارات العسكرية أمام الكاميرا وخبير يحلل المشهد تزامنا مع الحرب
قرار مفاجئ من الترجي قبل مواجهة الأهلي في دوري أبطال إفريقيا
# البُنْية المشهدية ومستويات اللغة في “زمن سعاد”‏
البيت الأبيض في ورطة ويتخبط في كيفية تحقيق النصر على إيران
ترامب يتوعد إيران بضربات “قوية جدا”
الرئيس الإيراني يشارك في مسيرات يوم القدس في طهران
لحظة بلحظة.. الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في يومها الـ14
# رقصة الروح بين النور والقيود.. رؤية في العمق…
الجيش الأمريكي: حريق بغرفة غسيل الملابس في أكبر حاملة طائرات يُسفِر عن إصابة بحارين
ليفربول يتلقى تحذيرًا بشأن محمد صلاح
الحرس الثوري: تعرض حاملة الطائرات أبراهام لينكون لأضرار كبيرة إثر استهدافها بالصواريخ والمسيرات
“الرد سيكون ساحقاً ومدمراً”.. “الحرس الثوري” يحذر من مهاجمة منشآت الطاقة والموانئ الإيرانية

# البُنْية المشهدية ومستويات اللغة في “زمن سعاد”‏

بقلم الأستاذة الدكتورة / أماني فؤاد

البُنْية المشهدية ومستويات اللغة في “زمن سعاد”‏
ــ 4 ــ
في رواية “زمن سعاد” لخالد منتصر، يرصد الروائي لحالة من الردة التي ‏اعترت ثقافة المجتمع في مصر على محاور متعددة، حتى في مجال ‏الفنون التشكيلية، وعلى المستوى الأكاديمي، فيصِف “فارس” رؤيةَ طلَبةِ ‏الفنون للنموذج العاري، وكيف تعامل مع “سميرة” والدة “سعاد” التي أحبها ‏وتزوجها، يقول: “وعلى الرغم من أننا كنا نرى عُريًا كاملًا، فقد كنا أيضًا ‏عراة من التطفل اللزج، والنظرات الوقِحة، نرتدي ثوب التوقير لها.” ‏
وأشير إلى حساسية كل التفاصيل الفنية في هذه السردية، والإلمام بها ‏وعُمق الرؤى التي جاءت على لسان فارس الأشموني، عن الفنون ‏التشكيلية، وأيضًا شخصية أيمن؛ زوج “سلمى” ابنة فارس، حوْل فنِّ الرسم، ‏وأعلامه العالَميين والمصريين، خاصةً وأن هذه الرؤى الفنية لم تَرِد كحِلْية ‏مجانية في القص؛ بل ورَدت لإثراء السرد، وإضفاء الدلالات على بنية ‏الشخصيات، وموهبة كلٍّ منهم ومهنته، وتأثُّرهم بهذه الفنون وكأنها جزءٌ ‏أصيل من تكوينهم الوجداني والمعرفي، وطريقة التفكير والتصرف في ‏الحياة، وذلك من خلال رؤية عميقة لهذه الفنون وفلسفتها، سواء للفنون ‏التشكيلية، أو فن الرقص أو فن التمثيل. ودورهم في جعل الحياة أكثر ‏جمالا واحتمالا، وهناك أيضًا وعيٌ بالمدارس الفنية وتبحُّر من الكاتب، ‏وتقصٍّ حقيقيٌّ عن الفروق الدقيقة بين كل تيار فني وآخر، حيث إظهار ‏الرؤى المتباينة للموجودات، والتي تترك بصماتٍ خاصةً للبشر، ترصُد ‏تنوُّعَ الحساسيات، وتعدد مناظير الفنانين للمرأة والإنسان، وموجدات الحياة ‏كافة، حيث التعدد ثراء وليس ازدراءً. ويتبدَّى هنا وعيُ الكاتب واستغراقه ‏في ما يتركه الفن – في الذات البشرية – من قُدرة على التعايش والرِّضا ‏عن النفس، وإبداع الخلْق في صوَرٍ جديدة كاشفة، حين يلتقط الفنان ‏الحقيقيُّ روحَ المخلوقات، والجمال الكامن في الأشياء، وإبرازه للآخَرين.‏
ويمكن لقارئ هذا العمل السردي؛ “زمن سعاد”، أن يدرِك رؤية الكاتب ‏للفنون، وكيف أنها (فن التمثيل، والرقص الشعبي، والموسيقى، والفنون ‏التشكيلية) الأبوابُ والنوافذ المتَّسِعةُ لخلْق البهجة والفرح، الابتكار الذي ‏يلمِس جوهرَ الأشياء، ويخلُق التعدُّد؛ ومن ثم يدفع بحركة من المتعة ‏والجدَل، وإشاعة الجمال والفكر.‏
يصِف فارس الأشموني إعجابَه بلوحات (محمود سعيد)؛ التشكيلي ‏المصري، يقول عن موديلاته: “نساء لسْنَ معطاءات كنساء بوتيتشيلي، ولا ‏ينغمِسن في الراحة مثل نساء إنجرس، ولا تلفهُن أحلام اليقظة مثل أحلام ‏روفاييل، نساء محمود سعيد مخلوقاتٌ قويَّات الإرادة، ولا يُهزَمن، تسير ‏دماء الحياة في أوردتهن، لسْنَ نساء مذنبات كنساء ماساكيو. إنهن ‏يعرِضن بفخْر طبيعتَهن الترابية الإنسانيةَ،.. تتقاسم امرأة “سعيد” مع ‏الطبيعة قوَّتها وشَرَّها، ليست دمية ساذجة مثل فتيات فرانسوا بوش.” ‏
ويُسهِب د. خالد منتصر في وصْف الحياة الثقافية المصرية، وكيف كانت ‏بيئة حاضنة للفنون الراقية التي تضيف للعقل البشري، وتغذِّي خيَالَه ‏للانطلاق والإبداع، وكيف أن هذه الفنون تُسعِد الإنسان وترتقي به، وتملأ ‏فجواتِ ذاته، كما ينفي أن الفن لم يخلَق لإلهاء الإنسان، أو لإبعاده عن ‏علاقته الخاصة بالله سبحانه وتعالى.‏
ويتخلل فقراتِ السرد، وحكي أصواتَ الشخصيات أعلامُ مصرَ من ‏المبدعين والمفكِّرين والفنانين التشكيليين؛ لنلْحَظ الثراء والتعدد الفكري، ‏ومدى عُمق الحوارات، وحريتها وجَمالها، وثرائها الفكريِّ، الذي كان يدور، ‏مثل حوار سعاد حسني مع مصطفى محمود، وآراء سعاد الأم حول طبيعة ‏يوسف إدريس، ومثل آراء بيكار؛ الفنان البهائي، ومحمود سعيد، نجاة، ‏عبد الحليم حافظ، صلاح جاهين، فريدة فهمي، وحسن فهمي، ومحمود ‏رضا، والعديد من علامات الفنون التشكيلية العالميين، فضلًا عن أساتذة ‏الطِّب والرقص الشعبي.‏

ــ 5 ــ ‏
مستويات اللغة في نَص “زمن سعاد”‏
تتميز لُغة نَص “زمن سعاد” بالفصحى الميسَّرة الجميلة، سريعة الإيقاع، ‏القادرة على رصْد التغيرات، وبرشاقتها يمكنها الربط بين الخاص من حياة ‏الأفراد والقضايا العامة، التي تتوالَى على الوطن، لُغة جزْلة، مشوقة، تؤلِّف ‏بين تقرير الواقع والتناول المجازي بمهارة وانسيابية، وأحسَب أن هذا التدفق ‏المشوق انعكاس لوضوح رؤاه، التي اختبرها مِرارًا، وأدركّها بعُمق، وأتى ‏على منطِقها، وبحَث عن جذورها، متمسِّكًا بعرْض المنظور والمقابل له ‏تمامًا، ففي مقابِل الصوت الديني المتشدِّد الانتهازي، يأتي منطِق سلمى ‏وأيمن، وسعاد حسني، وسعاد الأم، التي تقاوِم ضغوط المغالاة والتطرُّف ‏اللذين ابتليت بهما مصر.‏
هذا فضلًا عن مستوًى بديعٍ في اشتغال اللغة بالمجازات الجميلة، التي ‏تضيف أبعادها المتخيَّلة للواقع؛ فتزيد من زخَمه، وبيان ما يكتنِز به من ‏تناقضات، وما طرأ على الحياة الاجتماعية الثقافية المصرية من تحولات.‏
تكرِّر سعاد الأم قولها: “سعاد مش كافرة.. مش كافرة.. كلَّما دفعوا جسدي ‏بعيدًا؛ أعود مثل كُرة “اليويو” لألتصق بالنعش أكثر، صِرت أحدَ عروقه ‏الخشبية، لم يعُد التصاقًا؛ بل اندماجًا وانصهارًا، تجمَّعت البنات حولي ‏يتشبَّثن بالنَّعش مِثلي، اكتسبوا نفْس القوة والصلابة، كنت كنَوَاةِ غزل ‏البنات، التي تتجمَّع حولها حبيبات السكَّر، وتنتفخ وتنتفش، المدهش أنهن ‏جميعًا بنات في العشرينيات من أعمارهن، لو كانت سعاد أنجَبت؛ لكانوا ‏في سِن بناتها، حنين، احتياج، عطش إلى سعاد الشخص، أم سعاد ‏الحالة، الصورة الذهنية؟”.‏
كما جاءت اللهجة المصرية واضحةً في الفقرات الحوارية، تنقُل نبْض ‏الحقائق المؤسِفة، ففي حوار بين فارس وزوجته سعاد معلِّقًا على حجْز ‏الفنان بيكار في القِسم، يقول: “الجديد أن المجتمع اتغيَّر، والناس ماعَدِتْش ‏طايقة ناس بَرَّه الباترون الجاهز.” ‏
وتتنوَّع مستويات اللغة – في هذه السردية – بتنوُّع أصواتها وتخصُّصاتهم ‏وانفتاح ثقافتهم وارتباطهم بالفنون، أو تشدُّدهم في الدِّين، ورؤاهم المنغلِقة ‏الغيبية تجاه قضايا أُخرى إنسانية واجتماعية.‏
تتلوَّن لُغة كل صوْت بمصطلحات وعوالم وأعلام الفنون التشكيلية؛ صوت ‏فارس الأشموني، وأيمن الطبيب العاشق للرسم والفنون، حيث يبرُع الروائي ‏في خلْقِ تراكيبَ لُغوية، تُخاطِب أكبر قدْر من الحواس البشرية، خصوصية ‏الخطوط والألوان ودلالاتهم، وهو ما يطبَع آثارًا وبصماتٍ للسرد في ذِهنية ‏ووجدان المتلقي من خلال التفاصيل الدقيقة التي يوردها وهو يصِف ‏لوحات الموديلات النساء في لوحات التشكيليين العالميين.‏
‏ كما تتجلَّى لغة الطِّب العلمية؛ حيث تتأثر مجازات سلمى وأيمن بهذا ‏الوعي الطِّبي وعوالمه. وتتوالَى التعبيرات الدينية والأكليشيهات التي تتكرر ‏على ألسنة هذه الجماعات، في صوت طارق وخديجة والكفيل في البلد ‏الخليجي. ‏
ـ 6 ــ ‏
بنْية المشهد في رواية “زمن سعاد” ‏
لبُنْية المشهد في الرواية دمْج فنيٌّ بديع؛ يؤلف فيه الكاتب الكثيرَ من ‏التقنيات الفنية، التي تجعل من المشهد صورةً مكتمِلة، قطعة لغوية نابضة ‏وحيوية، يتداخَل فيها الوصف التقريري مع المجاز، الذي قد يكون تشبيهًا ‏أو تراكيبَ استعاريَّةً أو كناية، هذه العلاقات بين التراكيب المتخيَّلة والواقع ‏تُحِيل مباشرة لفداحة وثِقَل معطيات الأحداث، حين تمكَّنت تلك الجماعاتُ ‏المتشدِّدة بعُنفها من فرْض سيطرتها وقوتها الغاشمة على الجميع.‏
تتنبَّأ سلمى باستحالة القُدرة على البقاء في مصر، بعد مشهد ضرْب طارق ‏أخيها وجماعته لأيمن حبيبها، حين استقدَم الفِرقة الموسيقيةَ؛ لتُحيي ‏الاحتفال السنوي بكلية الطب، تقول: “.. الكدَمات وخيط الدم الذي يزحف ‏كالثعبان من أنفه راسمًا أخدود القادم، ما يخبِّئه الزمن لنا، كل هذا أثبت أن ‏غدًا ليس لنا، وأننا منهزمون لا محالة، فقدتُ طارق كأخ وصديق، ولن ‏أفقد أيمن كمعشوق وحبيب، تسلَّلنا من بين الجموع الهادِرة، جلست أنا ‏وأيمن في زاوية مظلِمة من الكُلية، .. ألمَح شبَح سيدة تضَع قَدَمًا مبتورة في ‏كيس، تمشي خائفة، تتلفَّت حولها وهي تبكي، كانت ذاهبة لتدفن قَدَم ‏زوْجِها التي أكلَتها الغرغرينا: هل سيتم بتْرُنا مثل تلك القَدم؟” ‏
هذه القَدم – التي سيتم دفْنها – تُحيلنا مباشَرة للجماعات، التي تشبه ‏الغرغرينا، التسمُّم الذي تغلغل في شرائح المجتمع المصري كافة، فترة ‏السبعينيات والثمانينيات، وحتى الآن، وتنقُلنا إلى غُربة وبتْرِ كل صوت ‏طبيعي يعقْلِن الأشياء، ويتغيَّا الفرادة الإنسانية في الفكر، والفنون، ‏والإيمان، وطريقة عَيْش الحياة.‏
في أحد المَشاهد ذات الدلالة في العمل، والتي تُثْبت هشاشة معاني الأخوَّة ‏والروابط الأُسرية لدى هذه الجماعات؛ يقول طارق، وهو يتقدَّم المظاهرات، ‏التي خرَجت من الجامعة، بعد محاضرة الشيخ (بيومي الشنواني)، لتكفير ‏أخته سلمى، بعد كتابتها لرواية “شهر زاد تحكي عن الفِتنة”، للمطالبة ‏بضرورة جمْع النُّسخ وحرْقها، ومُصادَرة نُسخها المترجَمة إلى العربية في ‏مصر، يقول: “اقتربت المظاهرات، التي كنت في الصَّف الأول منها، .. ‏وقَف موظَّف العلاقات العامة، يحمل الكاميرا، ويلتقط الصور من كافة ‏الزوَايا، اتفقنا على كادرات عروقي النافرة أثناء الهتاف، ودموعي ‏المتساقِطة على الوجْنتَين، من فرْط الحزن على ضياع دِيننا بأيدي أبنائه أو ‏بالأصح بناته.”‏
يجسِّد هذا المشهدُ البرجماتية في أشد صُورِها، واللا أخلاق، وزيف تلك ‏الجماعات، والبحث عن مصالحهم المادية، حتى لو بإسقاط أوثق الروابط ‏الأُسرية الإنسانية، وهرولتهم المستمرة نحو السيطرة على الرأي العام ‏وإثارته، وعلى دغدغة عواطف الغوغاء من العوام، وبَثِّ الرفض والكراهية ‏والعداء مع أيِّ فِكر يختلف عن توجُّهِهم.‏
في رواية “زمن سعاد” يبدو الجمال النابع من الفنون والفكر والتعدد قيمة ‏عليا، يؤكد عليها الكاتب لجعل المجتمع أكثر سعادة، وتطلع إلى ‏المستقبل. ‏

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print
booked.net