عاجل

الشيخ محمد صديق المنشاوي: “أمير دولة التلاوة
زلزال كروي في الأهلي المصري بعد موسم صفري من البطولات
# هندسة الوهم وتزيينه
زيادة المعاشات رسميًا 1 يوليو.. تعرف على النسبة السنوية
“مفاجأة غير متوقعة”.. صناع فيلم “أسد” يعلنون رفعه من جميع دور السينما في مصر
صحفي أمريكي يعترف بتلقيه 100 ألف دولار مقابل عمله لصالح استخبارات أجنبية
نتنياهو يلغي التصويت على قرار وقف إطلاق النار بعد بيان أمين عام “حزب الله”
أصغر 5 لاعبين في المونديال.. بينهم مهاجم خطف قلوب المصريين
خطر يختبئ في طبقك اليومي يهددك بالخرف!
“أميركان إيرلاينز” تعلن تعليق بعض رحلاتها مؤقتاً هذا الصيف، نظراً لارتفاع تكاليف وقود الطائرات
“ظننا أننا سنفقد السفينة”.. تقرير يكشف 30 ساعة من النار والدخان داخل أكبر حاملة طائرات أميركية
بعد الانفجارات.. ميناء الفحل العماني يواصل عمله بشكل طبيعي
تعليم القاهرة تطلق برامج علاجية لدعم مهارات طلاب المرحلة الابتدائية
عراقجي: نخوض المفاوضات للوصول إلى مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة
الولايات المتحدة تقترح فرض رسوم إضافية بنسبة 10% على واردات ماليزيا

# هندسة الوهم وتزيينه

بقلم الأستاذة الدكتورة / أماني فؤاد

كيف صنعَت “الجموع” سردية التفوُّق الذكوري؟
اعتقدتْ بعضُ الحضارات القديمة مثل: المايا والأزتيك، وبعض القبائل ‏الاسكندنافية، والحضارات الأسيوية، بأن عليها – لتسترضي البحر الثائر ‏الغاضب، الذي يشح بخيرات صيده – أن تهدي له “فتاة”، بِكرًا جميلة؛ وكانوا ‏يزيِّنون هذه الفكرة للنساء؛ ليرضخن بأنهم يهَبُوا للبحر – مصدر رزْقهم – أغلى ‏وأطهر ما لديهم. لم يقدِّموا للبحر أو الأنهار “فتًى”؛ لأن الفتى (قوة عمل)، ‏ستخرُج للصيد، ومجابَهة الأهوال. هكذا أخرَجوا الموقِف؛ لتتقبَّل المرأة التضحية ‏والموت.‏
لكن خلفية اختيار القربان تعود لكون الفتاة كيانًا غير منتِج، لن تقوم بعمل ‏الرجُل، ولن تقاوم. هل كان للفتاة أن تعترض، وإذا اعترضت؛ هل كان هناك مَن ‏سيستمع إليها؟ الجموع قرَّرت هذا واتفقت عليه.‏
‏ أن تتفق الجموع على قصة أو سردية واحدة، تلك هي أكبر قوة في الحياة، وهذا ‏هو القانون السِّري، الذي شُيدت به الأنظمة الاجتماعية، والأيديولوجيات، وأعتى ‏الإمبراطوريات، فالتاريخ الإنساني لا يخضع للقوة المادية وحدها؛ بل يخضع ‏بالدرجة الأولى للقوة، التي تكتسبها الأفكار حين تصدِّقها الجموع، وتُزيَّن لهم.‏
ومن رَحِم هذه الآلية تحديدًا، وُلدت واحدة من أطول السرديات عمرًا، وأكثرها ‏تجذُّرًا في الوعي البشري: ألا وهي سردية التفوُّق والهَيمنة الذكورية. إنها القِصة ‏التي تحوَّل فيها “الوهم” – عبْر تراكُم القرون – إلى “حقيقة بيولوجية واجتماعية”، ‏تُبذَل دونها الأرواح.‏
تحوَّل “الوهم” – الذي فرَضه الرجُل، وزيَّنه للنساء، وأخضعهن له – إلى نسيج ‏محكَم في وعي الحشود (وما أدراكم بصخب طوفان وعي الحشود أو القطعان ‏وقوته!) وتحوَّل تفوُّق الرجُل إلى “حقيقة مؤسَّسية” عبْر التاريخ، فحتى الآن لم ‏نَزَلْ نسمع من بعض الرجال بعض مقولات (أرسطو) من الحضارة اليونانية، الذي ‏قال: “إن المرأة بمثابة ذَكَر مشوَّه، والمشورة التي تقدِّمها النساء مشورة تفتقِر إلى ‏الأهلية”. ومن قبْله مقولات (شمشي أدد الأول) من قبْل الميلاد، مؤسِّس ‏الإمبراطورية الآشورية، التي تنتقص من المرأة وقدراتها العقلية، كما يردِّد الكثير ‏من الرجال حتى الآن مقولة: “شورة المرأة – إن أصابت – بخراب سَنة”.‏
كما استُخدم الدِّين والاقتصاد كأدوات لترسيخ بناء هذا الوعي الجمعي، الذي يضَع ‏المرأة في المكانة والقِيمة الأدنى، الهامشية في الحياة، التي يمكن استبدالها ‏بسهولة.‏
‏1ــ لم تكُن الهَيمنة الذكورية لتستقِر وتكتسب مشروعيتها المطْلَقة، لو بقيت مجرد ‏صراع قوة بدنية بين جنسَين؛ لذا كان لا بد لها من “غطاء سماوي” أو “سردية ‏كبرى” تمنحها طابَع الحتمية والقداسة.‏
وهنا، وظَّفت العقول الأبوية المتوارَثة – عبْر التاريخ – نصوصَ الأديان، ‏والتفاسير المرافِقة لها بصورة انتقائية؛ لتشييد هذا الجدار ودَعْمه، فاستقرت ‏السرديات الدينية كجدار حماية؛ أيْ أن الجموع شيَّدوا جدران سرديات التفوُّق ‏الذكوري، ثم أضفَوا عليها القدَاسة في الأديان كلها، سواء سماوية أو أرضية.‏
ولقد أُعيد إنتاج القصص التأسيسية في الأديان (مثل قصة الخلْق وخروج آدم من ‏الجنة) لتُصوَّر المرأة على أنها “تابع”، أو خُلِقت لتسلية آدم، كما ذكرتُ في المقال ‏السابق، وحرصوا على أن تكون المرأة سببَ الغواية والضَّعف البشري الأول؛ أيْ ‏وضْعها في المساحة القلِقة؛ لتُنسَب لها الخطيئة متى حدثت، ومن ثم يبرَّر أن ‏يقع عليها العقاب الأكبر، ويجد الرجُل مخرَجًا.‏
كما تحوَّلت بعض النصوص التشريعية أو التأويلية – التي نزلت في سياقات ‏تاريخية واجتماعية معيَّنة، وحالات فردية – إلى قوانين عابرة للزمان والمكان، ‏تفرِض على المرأة التبعية لـ “صاحب القوامة” أو “الوصي”.‏
وبفعل “قوة الإيمان الجماعي”، توارثت الجموع (بما في ذلك النساء أنفسهن) هذه ‏التفسيرات، ليس كآراء بشرية خاضعة للنَّقْد؛ بل كإرادة إلهية مطْلَقة. فأصبح الدفاع ‏عن دونية المرأة وتبعيتها دفاعًا عن الدِّين نفسه، وتحوَّل الوهم الثقافي إلى فرْض ‏عقائدي.‏
‏2. ثم كان الفخ الاقتصادي، وتحويل التبعية إلى “شرْط بقاء”، وإذا كان الدِّين قد ‏منَح السردية مشروعيتها الروحية؛ فإن البنْية الاقتصادية – التي اختارها الرجُل – ‏جسَّدت الأداة التنفيذية، التي جعلت الهَيمنة واقعًا معاشًا، لا يمكن الفكاك منه، ‏حيث أدركت المنظومة الأبوية مبكرًا أن السيطرة على العقل لا تكفي، ما لم ترتبط ‏بالسيطرة على “قوت اليوم”، على الاحتياج للمادة. لذا، تم التخطيط لهندسة الواقع ‏الاقتصادي لإقصاء المرأة بشكل ممنهَج؛ فتَمَّ عزْل المرأة عن الإنتاج المستقِل ‏لقرون طويلة، وحُرمت المرأة من حق المِلْكية، أو الإرث العادل، أو إدارة الأموال ‏بذاتها، وجُعلت مساهمتها محصورة في “العمل المنزلي غير المدفوع” أو الزراعة، ‏الذي لا يُترجَم إلى قوة سياسية أو اجتماعية. وحتى لحظتنا تلك أعرف الكثيرات ‏من النساء يعملن ويمتلِكن؛ لكن الجموع روَّضَتْهن بألا يتخِذن قرارًا دون الرجل، ‏فتَظَل المرأة رغم حريتها الظاهرة في حاجة إلى مساعدة في اتخاذ قرار يخُصُّها ‏هي، وتلك جريمة أخرى صنعتها سُلطة ثقافة الجموع الأبوية، حين أفقَدَت المرأةَ ‏ثِقتها في صواب حُكْمها وقُدرتها على اتخاذ القرار.‏


كما تَمَّ تصدير فكرة أن الرجُل هو “الرازق والمغدِق الوحيد”، وبالتالي تحوَّلت ‏التبعية الاقتصادية للمرأة إلى “أمر طبيعي” يضمن لها الحماية. في المقابل، ‏أصبح هذا الإنفاق مبرِّرًا شرعيًّا واجتماعيًّا للتحكم في خياراتها، وتحديد مساحات ‏حرَكتها، وحتى فرْض الوصاية على جسَدها وعقْلها.‏
خلال الأيام الماضية، وقت عيد الأضحى، اشترت زوجةٌ أضحيةً من مالها ‏الخاص، فباع الزوج الأضحية دون عِلمها، وأخذ نقودها، ثم قتَلها بعد مشاجرات ‏نشَبَت بينهما؛ لخروجها عن طاعته، وتصرُّفها المستقِل، حتى لو في أصغر ‏المواقف.‏
وحتى مع خروج المرأة المعاصِرة للعمل، ما زالت السردية الجماعية تحارِبها ‏بفجوات الأجْر، وإقصائها من مراكز صُنع القرار الاقتصادي، ليبقى التفوُّق المالي ‏‏- وبالتالي السلْطوي – في يد الذَّكَر.‏
ولا يَقُلْ لي قائل إنني أناقش ظواهرَ قد تلاشت؛ فبالعودة إلى الإحصاءات ‏والبيانات؛ وجدت اتساعًا ملحوظًا في فجوة الأجْر، وتحقق العدالة الاقتصادية بين ‏الجنسَين، ففي التقديرات المتداوَلة، بلَغَت نسبة الفجوة بين أجور النساء والرجال ‏في القطاع الخاص 37.7%، وفي القطاع العام 20%، أما ما يتعلَّق بمعدَّلات ‏البَطالة؛ فالنساء 17.1% أما الرجال 4.2%، وترجِع الأبحاث هذه الظواهرَ لعدم ‏تمكين النساء من المناصِب العُليا، والانشغال بعملهن غير مدفوع الأجر في ‏البيت، وبالتالي يظَل القرار في يد الرجال.‏
وهذا هو البيت الزجاجي الذي يبدو مثاليًّا، فلطالما سمعنا فيه أصواتًا تحسد المرأة ‏على ما نالَتْه من مكتسَبات وحقوق، وهو في الحقيقة بيتٌ هَشٌّ، لم تَزَلْ أصوات ‏الجموع هي من تصِفه، في محاولة لتزييف حقائقه. ‏
‏”نحن مَن نهَب القوة للأفكار” ونصنع القيمة والتقديس لمعاني وقضايا، لو عاوَدنا ‏تفكيكها؛ لوجدنا تجنُّبها للعدالة، والتي هي مظَلة يتعيَّن عليها أن تحمي الجنسَين ‏في النوع البشري.‏
مفتاح الحل في إدراك أن سردية الهيمنة الذكورية ليست قدَرًا بيولوجيًّا؛ بل “بنْية ‏وهمية” تواطأ العالَم على تصديقها، حتى باتت تبدو كالجبال الراسخة. هذه القوة لم ‏تستمدها المنظومة من أصالتها؛ بل من الثقة التي تنشأ بيننا وبين الآخَرين، في ‏مجموعة ما بقيمة ما تصوَّرنا أنه حقيقة. هذا التواطؤ الذي ينشأ من التوافُق ‏المجتمعي، وقِدَمه، من أن تُضفَى عليها القداسة الدينية، من أن تُعضَّد ببنْية ‏اقتصادية، من مسْح أذهان النساء وترويضهن على القبول بالظُّلم، وتزينه لعقولهن ‏بالكثير من المبرِّرات التي تنتقص من حرياتهن وكرامتهن في الحقيقة.‏
الحل حين تتوقف الجموع – وفي مقدِّمتها النساء – عن تغذية هذا الوهم بالقبول ‏والتسليم، وحين تُفكَّك السرديات الدينية المزيفة، وتُستعاد الاستقلالية الاقتصادية؛ ‏وقتها سيكتشف البناء الأبويُّ فجأة أنه مجرَّد قلْعة من وَرَق، شُيدت في عقولنا ‏فقط. الهيمنة بدأت بـ “قصة”، ولا يمكن تقويضها إلا بصياغة “سردية جديدة”، تقوم ‏على العدالة، والشراكة الكاملة، والتحرُّر الاقتصادي للمرأة.‏

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print
booked.net