بقلم / فاروق جويدة
وقف مفكرنا العظيم جمال حمدان على أعلى القمم فى مصر، وأعلنها منذ سنوات فى موسوعته الفريدة «شخصية مصر»، لكى يؤكد أن عبقرية المكان هى التى صنعت قدسية الزمان، وأن الإنسان المصرى هو مصدر الإلهام والإبداع والتفرد. فى لحظة تاريخية وقف المفكر الكبير على أعلى قمة فى التاريخ، يرصد موقع مصر الأرض والمكان، ويصور توقيت الزمان، ويطل من بعيد على عبقرية الإنسان الذى منح المكان قدسيته، وكانت شواهد الزمان وما كتبته صفحات التاريخ هى منظومة الإبداع والخلود فى حياة الإنسان المصرى..
ـــــ توقفت كثيرا عند عبقرية جمال حمدان، وهو يقف أمام ثلاثية قامت عليها تجربة مصر الحضارية والإنسانية، وهى تجسد ملحمة الإبداع فى تاريخ الإنسان المصرى، صانع الحضارة وصحوة الضمير وسيد المخلوقات. توقفت بحب وتقدير وإعزاز عند قرن من الزمان شهد معجزة الإنسان المصرى مبدعا. توقفت عند بداية قرن راحل بدأ مع نهضة شملت أكثر الصور تميزا وخلودا..
ـــــ فى مطلع القرن كان ميلاد عبقرية الإنسان التى جمعت باقة من أهم رموز مصر: العقاد، وطه حسين، والحكيم، وأمير الشعراء، وحافظ، وانطلقت عبقرية صوت مصر الخالد أم كلثوم، وعبدالوهاب، والقصبجى، والسنباطى، ورامى، وناجى، ومحمود حسن إسماعيل.. وبعد سنوات قليلة من مطلع القرن شهدت مصر ميلاد سعد زغلول، ومصطفى كامل، ومحمد فريد، وأطلت جامعة القاهرة تبشر بميلاد عقل جديد، ثم كان دستور 1923 أعظم دساتير الكنانة حرية وعدلا. ومع الدستور الجديد بدأت أناشيد الحرية، ومعها ظهر نجيب محفوظ، والدكتور هيكل، ومحمد عبده، ونخبة من كبار مفكرى مصر ومبدعيها..
ـــــ ثم كان ظهور الخديو عباس حلمى، عاشق من عشاق مصر الكبار، وسرعان ما ظهر اسم فاروق ملكا لمصر.. ومع هذه الرموز كان ميلاد أكبر نهضة فكرية وثقافية فى تاريخ مصر، وكان ظهور الإمام محمد عبده، وسلسلة طويلة من قراء مصر ومبدعيها وكتابها: التابعى، وهيكل، وبهاء الدين، ومصطفى أمين، وعلى أمين، وأنيس منصور، ويوسف إدريس، وإحسان عبدالقدوس، ويوسف السباعى… وظهر جيل جديد من الشعراء والكتاب، وانطلقت أصوات عبدالحليم، والموجى، وكمال الطويل، وبليغ، ويوسف وهبى، والمهندس، والريحانى، وعمر الشريف، وعبدالله غيث، وفاتن حمامة، ومريم فخر الدين، وليلى مراد، ونجاة، وهدى سلطان وشادية وسعاد حسنى، وأكملت السلسلة الذهبية نجومها فى هذا القرن الفريد فى إبداعه ونجومه وزمانه..
ـــــ وحين أتوقف عند جمال حمدان، وأسترجع معه عبقرية المكان والزمان ومعجزة الإنسان، أستعيد ما قدم من الإبداع فى كل المجالات.. أتذكر هذه الوجوه التى أضاءت العقول، وأسعدت الناس، وكانت رسائل فى الحب والإبداع. ربما نسيت أسماء زينت وجه مصر فى هذه السنوات، وربما ابتعدت قاصدا عن عالم السياسة، وما شهدته مصر من المتغيرات، ولكن هناك حقائق ورموزا لا يمكن تجاهلها فى السياسة والاقتصاد والعلوم، وهناك أسماء كانت نجوما على مستوى العالم، وكانت محل تقدير وعرفان.. ولن تنسى مصر جنودها الأبطال وقادتها الذين خاضوا المعارك، وحققوا لمصر المجد والعزة والكرامة..
ـــــ إن عبقرية المكان تجسدت فى هذه القطعة الفريدة التى وجدت مكانها فى قلب العالم منذ آلاف السنين، وصاغت من خلالها عبقرية المكان، حيث تحيط بها قارات العالم، وأكبر وأقدم البحار فيه، وأطول نهر، وأكبر البحيرات.. وفى هذا المكان الفريد ولد الزمان، وكان التاريخ صناعة مصرية خالصة. وعلى ضفاف نيلها الخالد نشأت الحضارات، وتنوعت أشكالها ومصادرها، فكانت مصر أقدم حضارات التاريخ، وما زالت شواهدها تنتشر فى كل مكان.. وحتى تكتمل ملحمة الوجود، كان الإنسان المصرى أقدم مبدعى الحضارة، وصاحب الرسالة الأولى فى تاريخ التوحيد، والمعلم الأول للبشرية فى تشكيل البشر وصياغة الحياة.
ـــــ هذه الثلاثية: المكان والزمان والإنسان، لم تكن تخص وطنا يسمى مصر، بل كانت بداية تاريخ الحضارة، وعبقرية الإنسان، وتفرد المكان، وصانعة التاريخ. وهذا يعنى أن معجزة الخلق استمدت وجودها من مصر، الأرض والوطن والتاريخ والإنسان. من هنا تعددت الشواهد فى هذا الكيان الحضارى الفريد، متجسدة فى المكان والزمان والإنسان، معجزة الخالق وأسطورة الوجود..
ـــــ هذه قراءة لما خلف السطور، عدت معها إلى مفكرنا الكبير جمال حمدان، وحاولت أن أسافر فى قرن من الزمان، وربما أكثر، وقد توقفت عند نخبة من الأسماء يمثلون صفحات مضيئة فى عبقرية مكان منحه الله مكانة فريدة على مستوى الخرائط، وسجل التاريخ على شواطئه تاريخ الحضارات فى أزهى عصورها، وكان الإنسان سيد المكان والزمان، وكان شريكا فى صنع عبقرية المكان ومعجزات التاريخ على ضفاف نيلنا الخالد..
ـــــ أصبح من الضرورى أن نستعيد ذاكرة الوطن، ونقف بكل التقدير والعرفان أمام نخبة من نماذج القدوة التى صنعت تاريخ مصر، وزينته برموز أخذت مكانتها فى ضمير العالم إبداعا وقيمة وحضورا. من حق مصر علينا أن نرفع قدرها بما تستحق، وأن نفخر بما قدمت، وأن يكون العرفان والوفاء هديتنا إلى كل صاحب موهبة أضاف لها مكانة وتاريخا.. فى تاريخ مصر سلسلة ذهبية من المبدعين العظام الذين نفخر ونعتز بهم، وهم يتناثرون أقمارا فى صفحات تاريخها المجيد.
ـــــ هذه الوقفة ليست حنينا للماضى، أو البكاء على أطلاله، أو استعادة لشريط الذكريات، ولكنها دعوة لإحياء صفحات مضيئة زينت وجه مصر، وقدمت للعالم تجربة حضارية وإبداعية وإنسانية بديعة، وينبغى أن نعود إليها دائما، ولا تغيب وسط متغيرات شوهت وجه الحياة، وأفقدتها الكثير من الزهو والعرفان.
ويبقى الشعر
مَا عُدْتًُ أَعْرِفُ
أين أنْتِ الآنَ يَا قَدِرِى
وَفِى أَيْ الحَدَائِقُ تُزْهِرِينْ ؟
فِى أَيّ رُكن فِى فَضَاءِ الكَوْنِ
صْرِتِ تُحَلِّقِينْ؟
فِى أَيْ لُؤْلُؤَةُ سَكَنَتِ.. بأى بَحْرِ تَسْبَحِينْ؟
فِى أَيْ أَرْضٍ..
بَيْنَ أحْداقِ الجَدَاوِلِ تنبتينْ؟
أَيُّ الضُّلوع قَدِ احْتَوتك ِ
وَأَيُّ قَلْبِ بَعْد قَلْبِى تَسكُنِينْ!
◙ ◙ ◙
مَازٍلْتُ أَنْظُرُ فِى عُيونِ الشَّمْسِ
عَلَك فِى ضيِاها تُشَرِّقِينْ
وَأَطِلُّ لِلبَدْرِ الحَزِينِ لَعَلنىِ
أَلْقَاكِ بينَ السٌُحْبِ يَومًا تعُبرِينْ
لَيلٌ مِنَ الشَّكّ الطَّوِيلِ أَحَاطَنِى
حَتَّى أَطَلَّ الفَجْرُ فِى عَينَيْكِ نهرًا مِنْ يَقِينْ
أَهْفُو إِلَى عَينَيْكِ سَاعَاتٍ ..
فَيبدَوُ فِيهِمَا
قيْدُ.. وعَاصِفَةٌ..وعُصْفُورُ سَجيِنْ
أَنَا لَمْ ازَلْ فوَقَ الشَّواطئ
أَرْقُبُ الأَمْواجَ أَحْيانًا
يُراوِدُنِى حَنِينُ العَاشِقينْ…
◙ ◙ ◙
فِى مَوكِبِ الأَحلَامِ المحُ مَا تَبقَّى
مِنْ رَمادِ عُهودِنَا..
فَارَاكِ فِى أَشْلائِهَا تَتَرنَّحِينْ..
لَمْ يبْقَ مِنْكَ
سَوى ارْتعَاشَةِ لَحْظَةٍ
ذَابَتْ عَلَى وَجْهِ السّنِينْ
لَمْ يَبْقَ مِنْ صَمْتِ الحقَائِبِ
والكُئوسِ الفَارغَات سِوَى الأَنِينْ
لَمْ يبقَ مِنْ ضَوْءِ النَّوَافِذِ
غَيرُ أَطْيافٍ تُعَانقُ لهفَتِى
وَتُعِيدُ ذِكرَى الرَّاحِلينْ..
مَازِلتُ أَسْأَلُ : مَا الَّذِى
جَعَلَ الفَرَاشَةَ تُشْعِلُ النِّيرانَ
فِى الغُصْنِ الوَدِيعِ المستْكِينْ؟!
مَازِلتُ أَسْأَلُ: مَا الَّذِى
جَعلَ الطُّيورَ تَفِرُّ مِنْ أَوْكَارِهَا
وَسْطَ الظَّلَامِ..
وَتَرْتَمِى فِى الطِّينِ؟!
◙ ◙ ◙
ما عُدْتُ أَعْرِفُ
أين أَنْتِ الآنَ يَا قَدَرِي
إِلَى أَيَّ المدَائِنِ تَرحَلِينْ؟
أَنَّى أَرَاكِ
عَلَى جَبِينِ الموْجِ..
فِى صَخَبِ النَّوارِس تَلْعَبِينْ..
وَأرَى عَلَى الأُفْقِ البَعِيدِ
جَناحَكِ المنقُوشَ مِنْ عُمرِي
يحلّقُ فَوْقَ أَشْرِعَةِ الحَنِينْ
وَأرَاكِ فِى صَمْتِ الخَرِيفِ
شُجَيْرَةً خَضْراءَ…
فِى صَحْرَاءِ عُمْرِى تَكْبُرِينْ
وَيَظَلُّ شِعْرِي
فِى عُيُونِ النَّاسِ أحْداقًا
وَفِى جَنْبِى سِرًّا ..لَا يَبينْ
لَمْ يبقَ مِنْ صَوْتِ النوارِسِ
غَيرُ أَصْدَاءٍ تُبعْثِرُهَا الرِّيَاحُ فَتنْزَوِي
أَسَفًا عَلَى المَاضِى الحَزِينْ
أَنَا لَمْ أُزِلْ بينَ النوارِسِ
أَرقُبُ اللَّيلَ الطَّويلَ
وأشْتَهَى ضَوءَ السَّفِينْ
مَا زِلتُ أَنْتَظِرُ النوارِسَ
كُلَّمَا عَادَتْ مَوَاكِبُها
وَرَاحَتْ تَنثُرُ الأَفْرَاحَ فَوقَ العَائِدِينْ
◙ ◙ ◙
مَا عُدْتُ أَعْرِفُ..
أين أَنْتِ الآنَ يَا قَدَرِى
وفِى أَيّ الأَمَاكِنِ تَسْهَرِينْ؟!.
العَامُ يَهربُ مِنْ يَدِى
مَا زَالَ يَجْرِى فِى الشَّوَارِعِ..
فِى زِحام النَّاسِ مُنْكَسِرَ الجُبينْ
طِفْلٌ عَلَى الطُّرقَاتِ
مَغْسُولٌ بَلْونِ الحبّ
فِى زَمَنِ ضَنِينْ
قَدْ ظَلَّ يَسْأَلُ عَنْكَ كُلَّ دَقِيقَةٍ
عِنْدَ الوَدَاعِ ، وَأَنْت لَا تَدْرِينْ
بِالأَمْسِ خَبَّأَنِى قَلِيلًا فِى يَدَيْه..
وَقَالَ .. فِى صَوْتٍ حَزِينْ:
لَوْ تَرجِعِينْ
لَوْ تَرجِعِينْ
لَوْ تَرجِعِينْ
————————–
من قصيدة « لو ترجعين »






















































