بقلم الأستاذة الدكتورة / أماني فؤاد
تتأسَّس رواية “الحُب ــ بمَن حضَر” للكاتب (وحيد الطويلة)، على بنْية دالة، تكاد تكون “أسطورية” في طبيعتها؛ حيث يتبدَّى المكان “قَمِينة الطوب” كمركز ثِقَل، يضبط إيقاع رؤية الكاتب للحياة، فالقَمِينة ليست مجرَّد ورشة لصناعة الطوب؛ بل كائن حي، يمتلك روحًا ونبوءة وعمْرًا مرتبطًا بعمْر القرية ذاتها، ويتقاطع مع مصير الإنسان وصراعاته، مع البَشر كافة، الذين نُحِتوا من طين.
تدور الرواية حول وَرْشة قديمة لصناعة الطوب، يُدِيرها عجوز، ينتظر ”غريبًا” يَرِثها؛ ليحمي البلدة من الفَنَاء، تنتقل هذه المَهمة إلى الشاب (موعود)، الذي يقَع في حُب (بهجة)؛ ابنة القرية، وبينما تضطرب البلدة بفِعلِ رسائلَ مجهولة ومريبة، تُلقَى في البلكونات، تَفضَح خياناتٍ مزعومةً، تتوزَّع الفِتنة والذُّعر في قلوب أهْلِها، في مواجَهةٍ مع أنفسهم وأسرار غرائزهم، في سرْد يمزِج بين الأسطورة والواقع، ويقوده راوٍ على الناي، يتأمل خفايا البَشر والنفوس.
(موعود) و(بهجة) هُما قلْب الحكاية النابض وروحها؛ فهو الوريث الذي يعجن الطين بالنار والمحَبة، وهو أيضًا شخصية محمَّلة بعِبء الحَيرة من طبيعة (مهجة)، التي لا تبوح، وبثِقل المسؤولية تجاه مكانٍ يوشك على الزوَال، وتبدو علاقته بـ(بهجة) محاوَلة للنجاة، وسَط عالَم مشحون بالرسائل المجهولة، التي تزرَع الشكَّ والفِتنة بين أهل البلدة.
وتأتي (بهجة) – في القَص – طاقةَ النور والأُلفة، التي تستقبِل الحُب، وتراه تواصُلًا حانيًا، لتمثِّل علاقتهما محاوَلةَ الإنسانية للتشبُّث بالحياة والجَمال، وسَط أجواء من الخوف واللَّعنات والفِتن المحيطة بالمكان.
ويتبدَّى الراوي على الناي، صوت الشاهد العليم، الذي يربُط خيوط الأسطورة بالواقع، ويعلِّق على الوجود منذ الأزَل، على الأحداث ويحلِّلها، يرى الحرائق، التي تلوح في أفق البلدة، ويحاوِل – عبْر سرْده – أن يجعل القارئ يرى ما لا يراه أبطال الرواية، فهو “العقل” المتابِع، الذي يراقِب كيف يرقُص الناس على حافة الهاوية.
ويتجلَّى في النَّص رصْد وحيد الطويلة الدقيق لسوسيولوجيا القرية وموروثاتها الاجتماعية؛ حيث الإشاعة هي المحرِّك الخفي للأحداث. فيظهر كيف تتحوَّل الإشاعة (المتمثِّلة في الرسائل المجهولة) إلى “قيامة” مصغَّرة، تهزُّ أركان المجتمع، فالرسائل ليست رسائل؛ “بل قذائف متوالية، والكلام محشور، الكلام بالعيون الراعشة المرتعِشة يا ولداه.”
لم تُجسَّد الإشاعة – في النَّص – مجرَّد كذبة؛ بل أداة قهْر اجتماعي، أداة تفتِّش في ما تحت السطح، وتستغل هوَس المجتمع بالخوض في الأعراض. ووقوع المرأة دائمًا تحت مقصلة سُلطة المجتمع؛ فهي دائمًا المتَّهَمة، كما لا ينجو الرجُل؛ بل يعيش في حالة من الرعب، لا من الحقيقة؛ بل من “الفضيحة” التي ستمَس صوْرته. فيكشف الروائي كيف أن هذا المجتمع القروي يعاني من “عقدة مراقَبة الآخَر”، حيث يتحول الجار، والصديق، وحتى “شيخ الجامع” إلى ضحايا لآلة الإشاعة التي لا تَرحم، يقول:” غمة وحطت، لا أحد جاهر علنًا بشئ، لا أحد فتح فمه، انتشر التوتر كأنه وباء وازداد الهرش، صار الصمت دينًا والترقب سنة، كل من وصلته رسالة كمن في بيته”.


ــ آلية السرد في النَّص
اختار الكاتب لسرديته استخدامَ أسلوب الراوي الشعبي، الذي لا يكتفي بحكْيه لإخبار القارئ؛ بل يستدعيه إلى مسرح الأحداث، ليدفعَه أن يشارِك.
ولذا تنغمس لُغة الرواية في روح الحكواتي، الذي يقول: “أنا لا أقول لكم ألغازًا، لا أفشُر عليكم، ولا أسْحبكم في الكلام”، هذا الأسلوب الذي يكسر الحاجز بين النَّص والقارئ، كما يستخدم عبارات مثل “يا كِرَام”، “يا سَادة”، ”أنتم مستعجِلون”؛ وهو ما يجعل المتلقي جزءًا من “الجمهور”، الذي يتحلَّق حول الراوي في ساحة القرية.
هذا التوظيف المسرحي في السرد يَمنح الرواية حيوية؛ حيث يصبح الراوي ”مخرِجًا” للأحداث، يعسكِر على باب القَمِينة، ويصِف الحالاتِ النفسيةَ، كمَن يشاهِد عرضًا أمام عينَيه، مستخدِمًا لُغة حيَّة قريبة من لسان حال أهل الريف، مما يجعل استشهاداتِه جزءًا من نسيج الحكاية: “إنها لعنة الطين، منه أتَيْتُم، وإليه تعودون”. هذا النمط السردي يجعل السردية أشبه بموَّالٍ طويل، يمتد عبْر صفحات الرواية، يرتفع وينخفض حسب إيقاع الخوف أو مقاوَمته بالحُب.
وتعكس لُغة وحيد الطويلة – في “الحُب بمَن حضَر” – وعيَ الكاتب بقُدرة اللغة على صناعة الواقع، لا مجرد وصْفه، الواقع الريفي، وطبيعة تشكيل وعي الجموع فيه. يسعى لخلْق لغة مسموعة، تخرُج من فَم الراوي، وتدخُل إلى الأذن، قبْل أن تصِل إلى العين. هي لغة “سماعية” بامتياز، تُشعرك بوجود نبرة موسيقية خفيَّة في الجُملة. من خلال الاعتماد على صِيَغ النداء، التي تتغيَّا الاتصالية.
كما يخلِّق وحيد الطويلة لُغة التكثيف والرمز، في استغراقه في سيمياء الطين والنار، فاللغة لديه لا تصِف الأشياء؛ بل تَستحضِر جوهرَها. فعندما يتحدَّث عن (القَمِينة)، لا يَصِف بناءً من الطوب؛ بل يستخدم قاموسًا مرتبطًا بالحرارة، الاحتراق، والبَعث، يقول: “القَمِينة جسَدٌ يتنفَّس.. إذا توقَّفَت؛ ماتت القرية معها”، هذا الاستخدام للمجَاز يجعل من “الطين” بطلًا تراجيديًّا، يمتلك مصيرًا موازيًا لأبطال الرواية. فمن خلاله يقبض على جوهر البشرية.
كما تسيطر على النَّص لغة الحَيرة والشك، من خِلال كثْرة صِيَغ وأساليب الاستفهام الإنكاري، وهو ما يعكِس حالة “التِّيه”، التي تعيشها الشخصيات. إن لغة وحيد الطويلة هنا تحاوِل محاكاة “عقلية القرية”، التي لا تصِل إلى حقائق يقينية؛ بل تعيش في منطقة الظِّل، بين ما يُقال وما يُضمَر، كما تجسِّد حالة الحَيرة، التي يحيَاها (موعود) مع مشاعر (بهجة) تجاهه، يقول: “هل كان حقًّا موعودًا؟ أم أنها بهجة كانت وهمًا؟”
ويدمِج الكاتب في السردية بين “الخِفة الشعبية” و”العُمق النفسي”. حين يقطع الحدَث الدراميَّ؛ ليدخُل في مونولوج داخليٍّ، يحلِّل دافِع الشخصية، ثم يعود ثانية إلى حكاية القهوة والقَمِينة. هذه الانتقالات الحادة تسرِّع من إيقاع القَص في العمل، لكنني استشعرت التزيُّد وعدم المناسَبة أحيانًا في بعض التعليقات من الراوي العليم. كما أن لغة الكاتب تصبح مقتضَبة، مبتورة، خاضعة للحذف والاختزال؛ لإدراكه أن المجتمعات المحافظةَ المغلَقة، لا يُقال فيها الكلام الحقيقيُّ صراحةً؛ بل يُلمَّح إليه، وهو يعزِّز جَوَّ خوف الافتضاح، الذي بُنِيَ عليه العمل.
كما يستخدم الكاتب أسلوبًا صداميًّا، تجاه “المسكوت عنه”، في المجتمعات المحافِظة. غير أنه لا يهاجِم السُّلطة – سواء كانت سُلطة مجتمع القرية أو التقاليد – بتقريرية؛ بل بأسلوب “السخرية السوداء”، عندما يصِف الكاتب أفعالًا تعتبَر “مقدَّسة” أو “خطوطًا حمراء”، بلُغة عادية وتهكُّمية؛ لتعرية القِيَم الزائفة.
تتأرجح لُغة وحيد الطويلة في هذا العمل بين لُغة الفصحى الرصينة وبناءات أساليب الأدب الشعبي، ومن خلالها تتجلَّى رؤى البَشر، التي ألِفُوها وراكموها، وطبيعتها السماعية.
وتتبدَّى بنْية الجملة في بعض فقرات السرد، ليس بغرض الإخبار؛ بل لخلْق “حالة طقْسية”، تجعل القارئ يشعر أن ما يقرؤونه هو “سيرة” أزلية ومقدَّسة، وليست مجرد حكاية واقعية، كأن القَمِينة هي حالة انصهار الإنسان المستمرة، وإنها إن نادَت أحدَهم؛ سيلبِّي نداءها مسحورًا، وأنها مقبرته قبْل أن يغادر إلى قبْره.
ومعها يتشكَّل المكان في النَّص، فهو محرَقة الوجود، التي تعكِس صراعاتِ الإنسان، وغلَبَةَ غرائزه، أمام مواجَهة حتميةِ الموت، وبين الرغبة في الحُب كفعل مقاوِم للعدم. القرية في النَّص مسكونة بـلَعنة ما، أو قَدَر لا فكَاك منه، وهو ما يخدِم البنْية الرمزية، التي تقوم على خلْق (زمن ممتَد) منذ حياة البَشر على هذه الأرض، فليس للأحداث زمنٌ محدَّدٌ، وهو ما قصَده الروائي؛ ليكنِّي عن ارتباط حياة البَشر – منذ الخليقة – بالحَيرة والأسرار والإشاعات، ببحْثهم عن الحُب، بتجربة الانصهار مع الحياة، كأنها دورة خالدة.
ويقدِّم الكاتب في نَصه رؤية خاصة لقِيْمَتَي الحُب والحنان، من خلال تأمُّلات بطلة الرواية وبطلها والراوي، فيربُط بين الحُب والاشتعال، يلحِقه بالطين والنار، كأنها الطاقة العارمة، التي قد تدفَع الإنسان للجنون أو الشك، “أن تملأ المَعِدة بكلامه”، و”نار” قد تحرِق بقَدْر ما تنير، ويبدأ في الرواية من القَمِينة وينتهي عندها. لكنه يرى الحنان أسْمَى وأكثر استقرارًا، ويصِفه بقوله: “ألا تشبع من كلامه حتى لو لم يقُل شيئًا”، إنها العلاقة الدافئة التي تبقِي على مسافة أمان، وهي أن “تحِب بغير عنف”، وألَّا تكسِر أصابع حبيبك حين تخاصمه. كما يرى أن الحُب الحقيقيَّ ليس مجرد تملُّك؛ بل هو فِعل إبداع وتضحية، مثل (موعود)، الذي يصنَع الفخَّار والألعاب لـ(بهجة)، ويضَع دَمَه في بعض قوالب الطوب؛ ليَشيع الحُبُّ في البيوت، وتقوَى؛ فلا تتحطم، كما يذكُر أن الحُب لا يورَّث؛ بل “كل واحد يحِب لروحه”، كما يؤكِّد أن “لا سُلطة لنا على قلوبنا، هي تنبض لمَن أرادت”.
ونستكمل في المقال القادم






















































