بقلم / وليد شحاته
تستيقظ المجتمعات أحيانًا على فواجع لا تتعلق فقط بحوادث فردية، بل تحيلنا إلى سؤال محوري يمس أمن المجتمع الأخلاقي: كيف تسلل العنف إلى أدق تفاصيل حياتنا اليومية حتى وصل إلى عقر دار الأسرة المصرية؟ لم يعد الأمر يقتصر على ظاهرة في الشارع، بل تعداه ليرسم مشهدًا مفجعًا لطبيعة العلاقات الأسرية، حيث نسمع عن عقوق الأبناء، والسيطرة على الأموال بالحجر، ووصل الأمر في أقصى صوره إلى سلب أرواح أقرب الناس، متناسين كل القيم الدينية والإنسانية التي قامت عليها مجتمعاتنا.
إن التساؤل عن مصدر هذا العنف ينقلنا مباشرة إلى تحول المفاهيم وتراجع الدور التربوي والتثقيفي لصالح وسائل إعلامية ودرامية أخذت على عاتقها – في سنواتها الأخيرة – تقديم نماذج مشوهة. لقد أضحت بعض المسلسلات والأفلام بديلًا عن المدرسة والشارع والمسجد والكنيسة، مقدمة للشباب وللأطفال جرعات مكثفة من الإثارة القائمة على حمل السلاح الأبيض، وتبني لغة البلطجة، وترسيخ أفكار الانتقام والقوة الغاشمة. ولم يعد التأثير يقتصر على الصورة الذهنية فقط، بل تعداه إلى سلوكيات يومية ونبرة حوار متدنية وأغانٍ هابطة تسيء للذوق العام وتنزع الحياء من القول والفعل.
لقد اختُزلت الحارة المصرية الأصيلة – التي كانت دائمًا رمزًا للشهامة والتكافل والتضامن – في مشاهد العنف والدماء والتطاول. إبراز هذه النماذج بكونها المشهد السائد لا يكتفي بنقل الواقع بشكل مشوه، بل يعيد إنتاجه وترسيخه في أذهان جيل كامل، في أوقات يسعى فيها الآباء والأمهات ليل نهار لتوفير أسباب الحياة الكريمة لأبنائهم، ليصطدموا بواقع افتراضي يهدم كل ما يبنونه داخل المنزل.
ولمواجهة هذا التحدي المتصاعد، لا بد من التحرك عبر محاور استراتيجية تتكامل فيها مؤسسات الدولة والمجتمع:
تفعيل دور المؤسسات الدينية: صياغة خطاب ديني وإرشادي قاطِع من الأزهر الشريف والكنيسة، ينزل إلى مستوى الشباب ويناقش قضاياهم بوعي متجدد، ويدعم قيم البر والتراحم برؤية حصرية تحاكي لغة العصر.
إصلاح المنظومة التعليمية والتربوية: إدراج مادة أساسية في المدارس والجامعات تعنى بالوعي الفكري، وبناء المهارات، والأخلاقيات العامة، وتصحيح المفاهيم الخاطئة، مع توفير أنشطة تحتضن مواهب الطلاب وتستفرغ طاقاتهم بشكل إيجابي.
الرقابة الواعية وتوجيه الإنتاج الدرامي: إعادة ضبط البوصلة الإعلامية والدرامية بحيث تتم ممارسة رقابة مجتمعية وفنية مسؤولة، تُبرز الجوانب المشرقة والشهامة والحوار العقلاني، بدلاً من التركيز على نماذج الجريمة والبلطجة.
تفعيل دور الأسرة والمجتمع المدني: فتح قنوات حوار داخل الأسرة وتكثيف مبادرات الجمعيات الأهلية لتقديم أنشطة ثقافيه وفنية وإعادة الاعتبار للذوق العام.
إن معالجة العنف تتطلب استعادة الدور التنويري للمؤسسات التربوية والإعلامية؛ فالشباب هم القوة الضاربة للأمة، وتوجيه وعيهم نحو البناء والاستقرار هو الضمان الحقيقي لاستعادة تماسك الأسرة والمجتمع.
























































