بقلم الأستاذة الدكتورة / أماني فؤاد
انطلاقًا من رؤية وطنية واقعية، تؤمِن بأن قوة مصر الحقيقية تكمُن في أبنائها، الذين هُم بالفعل ثروتها الحقيقية، تبرُز الحاجة الملِحة اليوم، وأكثر من أيِّ وقت مضَى، لقرار تاريخيٍّ شجاع وحاسم، يقتلِع أزماتِ منظومة التعليم من جذورها، ويواجِه – بعزْم وإصرار - مشاكلَ منظومة التعليم المصري، واختيار المستقبَل؛ لا تمرير الأوضاع فقط.
إن مواجَهة أباطرة التعليم – المستفيدين من بقاء الحال كما هو عليه في مصر – ليست مستحيلة، كما يصوِّرها البعض، نعم نعلم أنها مواجَهة شديدة الصعوبة، لكنَّها مواجَهة ممكِنة للحفاظ على هُوَية ومستقبل أعرق شعوب العالم، كما يمكن للباحثين تفكيك فزَّاعة الموازنات الهائلة، التي يتطلَّبها إصلاح التعليم بطُرُق متعددة.
ويثِق المتجرِّدون من الانتماءات أن القيادة السياسيةَ لديها القُدرة على مواجَهة المصاعب، وحلِّها بحِكمة وتعقُّل، مع تذليل المعوِّقات واحدًا تلْو الآخَر.
فترحيل أزمات التعليم – في مصر، عامًا بعد آخَر – لن يفيد، كما أن الخوف من مواجَهة ملَفِّ التعليم سيُفقِدنا موقعًا مميَّزًا في المستقبَل، فالمبرِّرات المبالَغ فيها، التي تُساق للقيادات والمسئولين، لإقناعهم بأن إصلاحَ التعليم في مصر صعبٌ؛ لأنه يتطلَّب أرقامًا فلكية وعشرات المليارات من الدولارات، التي تعجَز عنها موازنةُ الدولة، يقِف من خلْفها المنتفِعون من نظام التعليم الحالي، كما يساعدهم تيار المرتعِشون دائمًا من أيِّ تغيير.
وغالبًا ما يُحاصَر ملَفُّ إصلاح التعليم بتقاريرَ مخيفة، ومقترَحات تقليدية، تُصوِّر الأزمة على أنها “ثقبٌ أسودُ” يبتلِع الموازناتِ دون جدوى. لكنَّ الحقيقة المجرَّدة التي يجب أن تُقال بجرأة: أزمة التعليم في مصر ليست أزمة أموال فقط؛ بل أزمة إدارة، وأولويات، وتقارير إداريه صُنِعت عمْدًا؛ لإبقاء الوضع على ما هو عليه.
فإذا ما تتبَّعنا ما يُطرَح في اللجان، التي تُعقَد لوضْع تصوُّر وتوصيات لمواجَهة هذا المَلَف أمام متخِذ القرار؛ سنجد خِطابًا مرعبًا يتكرر بصيَغ مختلِفة، من قِبل بعض الخبراء البيروقراطيين:


يقولون: إننا أمام أعداد مرعِبة، تتجاوَز 25 مليون طالب، وكل بِناء لمدرسة جديدة بالموَاصفات الحديثة يكلِّف عشرات الملايين، وتطوير المناهج وتحويلها إلى رقمية لكل هذه الأعداد سيكلِّف مليارات الدولارات، التي لا تملكها الدولة، وسط تحديات الديون وفوائدها.
مع ملاحظة أن خبراء التعليم في العالم يعاوِدون الآن النظر في هذه المناهج الرقمية، والرجوع ثانية للكتُب والأوراق والأقلام؛ أيْ للتفكير والابتكار والتخيُّل، والمزاوَجة بين النظامَين.
يقولون: نحن أمام “بنْية تحتية منهارة تمامًا، وتأهيل المدارس القائمة يحتاج إلى موازَنة دولة أخرى” يُقال للقيادة السياسية إن آلاف المدارس تعاني من تكدُّس الفصول (أكثر من 80 طالبًا أحيانًا)، وإن توصيل الإنترنت، وبِناء المَعامِل، وصيانة دورات المياه، وتوفير التدفئة أو التهوية في ربوع مصر كافة، سيتطلب أرقامًا فلَكية، تُقدَّر بمئات المليارات من الجنيهات، التي ستعصِف بالتوازُن المالي والنقدي للبلاد. ويضيفون أن الإصلاح الشامل يحتاج لــ 250 مليار جنيه سنويًّا، في حين أن الهيكل التعليميَّ الحقيقي لا يتطلَّب كلَّ هذا الحشْد من الاحتياجات، ويمكن البدء من الأساسي فيه.
يقولون: معلِّمو مصر بالملايين، وأيُّ تحسين حقيقيٍّ لأجورهم؛ يعني انهيار الموازَنة العامة للدولة. كما يُحذِّرون من أن إحداث نقْلة نوعية في رواتب المعلِّم – بما يجعله يتفرَّغ تمامًا، ويترك الدروس الخصوصية – سيكلِّف الخزانة العامة أرقامًا طائلة، لا تتحمَّلها الدولة، وأنَّ أيَّ زيادة في رواتبهم ستخلُق تضخمًا هائلًا في قطاع الأجور.
يقولون أيضًا: إن “الاستثمار الأجنبيَّ في التعليم والمدارس الدولية خطٌّ أحمرُ للطبقة المتوسطة والعُليا، والمسَاس به قد يثير غضب النُّخَب”، كما أن تحجيم المدارس الأجنبية أو فرْض شروط قاسية عليها لتدريس اللغة العربية، والحفاظ على الهُوَية؛ سيؤدِّي إلى هروب رؤوس الأموال، وانسحاب المستثمِرين الأجانب، واحتجاج الطبَقات المؤثِّرة، التي تعتمد على هذا النوع من التعليم.
هذه “الفزَّاعة المالية” أدَّت تاريخيًّا، وعلى مَرِّ عقود، إلى تراكُم التخوُّفات، ومن ثم الإحجام عن التطوير؛ حين فضَّل صُنَّاع القرار الاكتفاء بـ “المسكِّنات” والتطوير الشَّكْلي (والاكتفاء ببعض الترميم للمباني، أو توريد أجهزة تابلت دون منظومة محتوى تفاعُلي حقيقية، أو تغييرات طفيفة في المناهج) هروبًا من الدخول في دوَّامة المليارات المزعومة.
- كيف يمكن إصلاح التعليم بلا موازَنات فلكية؟
يكمُن الخطأ الأكبر في الاعتقاد بأن إصلاحَ التعليم يبدأ من “الخرسانة والطوب”، أو ضَخِّ أموال في منظومة متهاوية.
وأحسب أن الإصلاح الحقيقيَّ يعتمِد على محورَين أساسيَّين: إعادة تأهيل المدرِّس المصري، والإصلاح “الإداري والهيكلي”، الذي يعتمد على إعادة توجيه الموارِد الموجودة بالفِعل، بواقعية وعدالة.
حيث تخصِّص الدولة المصريةُ بالفِعل أموالًا طائلة على التعليم، لكنَّ النسبة الأكبر تذهب إلى أجور موظَّفين لا علاقة لهم بالفصل الدراسي، بينما يُترك المعلِّم – الذي هو أهم أضلاع المثلث التعليمي – بلا دخْل يكفي متطلِّبات الحياة، ودون إعداد لائق ولا دورات تأهيل حقيقية.
وأحسب أنه لو تم تطهير الهياكل الإدارية من كل الوظائف الطفيلية، وتوجيه الدعم المالي مباشَرة إلى المعلم داخل الفصل؛ لوَفَّرنا الكثيرَ من المغامرات، التي عِشنا فصولها تباعًا في السنوات الماضية، لنجد أعلى نِسَب تسرُّب الطلاب من المدارس.
لا يعني ما أقوله إننا لسنا بحاجة لزيادة مقدِّرات التعليم في الموازَنة العامة للدولة؛ بل نحن في أمَسِّ الحاجة إليها، لكن يمكننا الانفتاح على مقوِّمات أخرى خارج موازنة الدولة، مثل الاستفادة من الأوقاف، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص الوطني، وأيضًا الإعداد والتخطيط لشراكات ذكية بين الدولة ورجال الأعمال الوطنيين الشرفاء، (وليس المستثمرين الجشعين)، تحت مِظَلة “المسؤولية المجتمعية”؛ لتمويل صيانة المدارس الحكومية في القُرى والنجوع، مقابل إعفاءات ضريبية محدَّدة.
يذكُر التاريخ أن المصريين بنَوا جامعة القاهرة بالتبرعات من طبَقات المجتمع كافة، كما أنهم أذكياء بما يجعلهم يميِّزون الصالح لمستقبَل أولادهم ووطنهم. وهو ما يجعلنا نعاوِد النظر في اقتصاديات التعليم، إذ لابد من دراسة نظام التعليم النصف مجاني، وإعادة النظر في التضامن التعليمي، فالأُسر القادرة، التي تنفِق آلافَ الجنيهات على الدروس الخصوصية، قادرة على دفْع مصروفات حقيقية لتعليم أبنائها في المدارس الحكومية المطوَّرة، بشرط أن تذهب هذه الأموال مباشَرة لصندوق المدرسة؛ لتحسين أجور معلِّميها ومبانيها. وهو ما يساعِد على رفْع جُزء من العِبء التمويلي عن كاهل الدولة، وهو أيضًا ما يمكِّن الدولة من توجيه الدعم الحكومي الكامل للمستحِقين من الأُسر الفقيرة.


إن تصدُّع منظومة التعليم، وترحيل المواجَهات، وتهميش اللغة العربية لصالح اللغات الأجنبية بين النخب، سيؤدِّي خلال عقْد من الزمان إلى انقسام وطنی خطير، وهو ما بدأ يظهَر من حولنا؛ جيل غربيُّ اللسان والتفكير، يعيش فوق أرض مصر؛ لكنه لا ينتمي لثقافتها، ولا يقرأ تاريخَها، ولا يفهم هُوَيتها الخاصةَ؛ “إيجيبت”، وجيل آخَر مهمَّش تعليميًّا، يعاني من أُمِّية مزدوَجة، وضعْف معرفيٍّ حاد. في حين لا تُبنَى الأوطانُ إلا بالوعي الوطني المشترَك، واللغة الواحدة، التي تُشكِّل هُوَية الأُمة وذاكرتَها التاريخيةَ.
47 مليار دولار هي قيمة تحويلات المصريين من أموال من الخارج في عام 2025، هذا الرقم الضخم يعكس جدارة المواطن المصري حين يُمنَح تعليمًا سليمًا، وتأهيلًا حقيقيًّا؛ وحاجة مصر لأولادها الذين تلَقَّوا تعليمًا حقيقيًّا للداخل والخارج معًا، وذلك لنهضتها ورِفْعة شأنها.
القادة الذين تجرَّؤوا على كسْر التابوهات، هم وحدهم مَن يخلَّدون، القادرون على مواجَهة الصعاب وتذليلها، والصبر على المنتقِدين.
يحتاج إصلاح التعليم في مصر إلى إرادة سياسية فولاذية، تُدرِك أن بناء الإنسان المصريِّ هو الاستثمار الوحيد الذي لا يخبُو، وأن حمايةَ اللغة العربية حمايةٌ للأمن القومي بمعناه الأعمق والأبقى. وإلى المقال القادم.























































