بقلم / رضا اللبان
الفصل الثالث
أول ضحية
لم أنم تلك الليلة. كان سؤال واحد يطاردني. كيف وصل إليهما؟ كيف استطاع المطرود من الجنة أن يصل إلى من يعيشون فيها؟ جلست أمامه من جديد. كان ينتظرني. كأنه يعلم السؤال قبل أن أنطقه.
قلت: كيف دخلت الجنة؟
ابتسم. وقال: هذا هو السؤال الذي شغل البشر قرونًا. لكن السؤال الأهم ليس كيف دخلت… بل لماذا نجحت؟
صمت قليلًا. ثم أكمل: لأن كل إغواء يبدأ من نقطة ضعف.
ولكل إنسان نقطة ضعف.
قلت: حدثني عن آدم.
قال: آدم لم يكن شريرًا. ولم يكن عاصيًا. ولم يكن متمردًا.
كان فقط إنسانا. وهنا تكمن الحكاية كلها.
أشعلت سيجارة. ثم تذكرت أنني أجلس أمام إبليس نفسه.
فأطفأتها. نظر إليّ وضحك.
وقال: أرأيت؟ حتى الآن ما زلت تخاف مني.
قلت: أكمل.
قال: كان يعيش في نعيم لا يوصف. كل شيء مباح.
كل شيء متاح. إلا شيء واحد. شجرة واحدة فقط.
قلت: ولماذا ركزت عليها؟
هنا ارتسمت ابتسامة خبيثة على وجهه.
وقال: لأن النفس البشرية لا تنشغل غالبًا بما تملك.
بل بما مُنعت منه. هذه واحدة من أقدم الحيل. وأقواها.
قلت: وماذا قلت له؟
قال: لم أقل له اعصِ الله. لو قلتها مباشرة لفشلت.
الإغواء الغبي لا ينجح. الإغواء الذكي هو الذي يجعل الضحية تظن أن الفكرة فكرتها. اقترب مني.
وقال: قلت له… هل أدلك على شجرة الخلد؟ هل أدلك على ملك لا يبلى؟ هل تريد أن تعيش للأبد؟ شعرت قشعريرة. وقلت: إذن استخدمت الحلم؟
قال: دائمًا. أنا لا أبيع المعصية. أنا أبيع الوهم. ثم سكت.
فقلت: وماذا عن حواء؟
قال: البشر يحبون اختصار القصة وتحميلها الذنب كله.
لكن الحقيقة أعقد من ذلك. كانا معًا. واشتركا معًا. وتحملا النتيجة معًا.
قلت: وعندما أكلا؟
أطرق برأسه. وقال: لأول مرة شعرت بالنصر. ظننت أن المعركة انتهت. ظننت أنني ربحت. ظننت أن آدم سيفعل ما فعلته أنا.
قلت: ماذا تقصد؟ رفع رأسه فجأة.
وقال: كنت أتوقع أن يكابر. أن يبرر. أن يلقي اللوم على غيره. أن يفعل ما فعلته أنا. سألته: لكنه لم يفعل؟
قال: لا. وهنا كانت صدمتي الكبرى. ساد الصمت.
ثم قال: آدم بكى. اعترف. ندم. وتاب.
قلت: وماذا فعلت أنت؟
ضحك بمرارة. وقال:كرهته أكثر.
قلت: لأنه عُفي عنه؟
قال: لا. لأنه اكتشف الطريق الذي أضعته أنا. التوبة.
ثم وقف. ومشى ببطء داخل الغرفة.
وقال: أتدري يا رضا… ما الذي أرعبني يومها؟
قلت: ماذا؟
قال: أن الله لم يغلق الباب في وجهه. رغم المعصية.
رغم الخطأ. رغم السقوط.
قلت: ولذلك تحاول أن تمنع الناس من التوبة؟
توقف فجأة. ونظر إليّ.
ثم قال: الآن بدأت تفهم.
قلت: إذن أخطر سلاح عندك ليس الذنب؟
قال: لا. أخطر سلاح عندي هو اليأس. أن أجعل العاصي يظن أن الله لن يغفر له. أن أجعله يصدق أن العودة مستحيلة. أن أجعله يؤجل التوبة حتى يموت. ثم عاد إلى مقعده. وقال: ومنذ ذلك اليوم… بدأت رحلتي الحقيقية.
رحلة مطاردة أبناء آدم. جيلاً بعد جيل. قرنًا بعد قرن.
نبيًا بعد نبي.
قلت: ومن كان أول من واجهك بعد آدم؟
ساد الصمت. واختفت الابتسامة. وتحول وجهه إلى شيء يشبه الغضب. ثم قال: رجل اسمه نوح.
رجل أضاع عليّ ألف سنة من العمل.
قلت: ماذا فعل؟
نظر إليّ. وقال: تلك… حكاية الطوفان.
انتهى الفصل الثالث.
























































