عاجل

لا تنخدع بالعائد فقط.. 5 أخطاء يقع فيها المصريون عند شراء شهادات الادخار
علاقة قوية بين السكر والقلق والاكتئاب… هذا ما كشفته الدراسات
لغز الوعي خارج البشر… هل يمكن أن توجد عقول واعية بأجسام لا تشبهنا؟
مصر.. تسجيل هزة أرضية بقوة 5.12 درجة شمال مرسى مطروح
أنا وقطز… الرجل الذي أوقف الطوفان
«حين يكتب الحب» فيلم يجمع إلهام شاهين وأحمد الفيشاوي
صدمة في إسرائيل بعد هجوم فانس.. و”رسالة لنتنياهو”
فيدان يصل إلى القاهرة لحضور الاجتماع الرباعي مع السعودية وباكستان ومصر
بيان من “حزب الله” حول خرق إسرائيل لاتفاق وقف إطلاق النار
«آمون الذهبي» يتصدر قائمة الآثار المصرية المستردة من الخارج
غارة إسرائيلية تقتل 29 شخصا بينهم جنديان بالجيش اللبناني
# شلتوت وعدوى يمثلان مصر فى المؤتمر الدولى {صحة افريقيا }
«صفقة برشلونة الذهبية».. 15 دقيقة ترفع سعر حمزة عبدالكريم إلى 8 ملايين يورو
رونالدينيو يعود إلى الملاعب في مفاجأة تاريخية بعمر 46 عاما
الحقيقة والكذب لنظام الطيبات في مواجهة العلم.. وهل الدجاج والخضراوات أعداء للصحة؟

أنا وقطز… الرجل الذي أوقف الطوفان

بقلم /  رضا اللبان

لم أره أول مرة فوق عرش، ولا بين حاشية، ولا في موكب سلطان. رأيته واقفًا أمام خريطة ممزقة للعالم الإسلامي. كانت بغداد قد سقطت. وكانت الشام تنزف.
وكان اسم التتار يسبق جيوشهم بأشهر من الرعب.
في ذلك الزمن، لم يكن الناس يسألون: هل سينتصر التتار؟ بل كانوا يسألون: من ستكون الضحية التالية؟
اقتربت منه وقلت:  ألهذا الحد أصبح اليأس كبيرًا؟
فأجاب وهو ينظر إلى الخريطة:  اليأس أخطر من التتار أنفسهم.
كان الرجل الذي أمامي هو سيف الدين قطز. سلطان لم يجلس طويلًا على العرش. لكنه جلس طويلًا في ذاكرة التاريخ.
قلت:  ماذا حدث حتى وصل المسلمون إلى هذه الحال؟
فقال:  عندما سقطت بغداد لم تسقط مدينة فقط…
سقطت هيبة أمة كاملة. ثم أضاف:  المشكلة ليست في قوة العدو، بل في اقتناع الناس بأنه لا يُهزم. وفي تلك اللحظة دخل أحد الجنود يحمل رسالة. لم أكن بحاجة لسؤاله عن صاحبها. فهي الرسالة التي كان الجميع ينتظرها. رسالة هولاكو خان. رسالة مليئة بالتهديد والوعيد. رسالة تقول بلغة المنتصر: “استسلموا… أو جاءكم ما جاء غيركم.” ساد الصمت. نظرت إلى قطز.
كان يعلم أن قرارًا واحدًا سيتوقف عليه مصير مصر والشام وربما العالم الإسلامي كله.
قلت:  وماذا ستفعل؟
فأجاب:  ما يفعله الرجال عندما تضيق الطرق كلها.
قلت:  القتال؟
قال:  القتال. ثم نهض فجأة. وكأن القرار كان يسكن داخله منذ زمن. وفي الأيام التالية بدأ شيء غريب يحدث. الناس الذين عاشوا شهورًا في الخوف بدأوا يستعيدون الأمل. العلماء يخطبون. والجنود يتدربون.
والخيول تُجهز. والسيوف تُشحذ. أما قطز فكان يعلم أن الحرب القادمة ليست حرب جيش ضد جيش.
بل حرب إرادة ضد خوف. ثم جاء اليوم الذي لم ينسه التاريخ. أمر بقتل رسل هولاكو. ارتجفت القلوب. ليس لأن الرسل قُتلوا. بل لأن الجميع فهم الرسالة. لقد أُغلقت أبواب التراجع. وأصبح الطريق الوحيد هو التقدم. تحرك الجيش نحو الشام. وكانت الأرض تهتز تحت أقدام الفرسان. في المقدمة كان يسير القادة.
وفي الخلف كانت تسير آمال أمة كاملة. وعندما وصلنا إلى سهل عين جالوت رأيت التتار لأول مرة. آلاف الفرسان. وجوه جامدة. ونظرات اعتادت رؤية الهزيمة في عيون خصومها. وفي الجانب الآخر وقف المسلمون. عدد أقل. عدة أقل. لكن شيئًا مختلفًا كان يشتعل في عيونهم.
قلت لقطز:  هل أنت واثق من النصر؟
فنظر إليّ طويلًا. ثم قال:  لا.
دهشت من إجابته. فابتسم وأكمل:  لكنني واثق أن القتال واجب. وأحيانًا يكون هذا كافيًا. ثم بدأت المعركة. دوت الأبواق. وانطلقت الخيول. وامتلأت السماء بالغبار. واختلط الحديد بالحديد. وصار السهل كله كتلة من الصراخ والنار. في البداية تقدم التتار بقوة. كما اعتادوا دائمًا. ثم بدأ فرسان المماليك يراجعون. صرخت:  لقد انكسروا! لكن قطز هز رأسه.
وقال:  انتظر. وفجأة فهمت. لم يكن انسحابًا. بل فخًا.
كان الظاهر بيبرس يقود التراجع الوهمي. يجذب التتار إلى المكان الذي اختاره المسلمون مسبقًا.
اندفع التتار خلفه. واندفعوا أكثر. ثم أكثر. حتى دخلوا قلب المصيدة. وفجأة خرجت قوات المماليك من خلف التلال. ومن الأجنحة. ومن كل مكان. وتحول الصياد إلى فريسة. لكن المعركة لم تنته. فقد اشتد القتال حتى كادت بعض الصفوف تتراجع. وهنا حدث المشهد الذي عاش أكثر من صاحبه. خلع قطز خوذته.
وألقى بها أرضًا. واندفع نحو الصفوف. ورفع صوته فوق صهيل الخيل وصدام السيوف: “وا إسلاماه!”
كانت صرخة رجل. لكنها أيقظت أمة. عاد الجنود.
واشتعلت الحماسة. وتحول التراجع إلى هجوم. والخوف إلى غضب. والغضب إلى نصر. ومع غروب الشمس… سقط كتبغا. وسقط معه الوهم الأكبر. وهم أن التتار لا يُهزمون. انتهت المعركة. لكن التاريخ لم يكن قد أنهى قصته مع قطز. عاد الجيش منتصرًا.
وعادت معه رايات المجد. وكانت الشام تُفتح مدينة بعد مدينة. وكان الناس ينتظرون السلطان الذي أوقف الطوفان. لكن القدر كان يكتب الفصل الأخير. في طريق العودة إلى مصر… وفي لحظة لم يتوقعها أحد…
قُتل قطز. سقط الرجل الذي هزم التتار. لا في ساحة قتال. ولا أمام جيش عدو. بل وسط رجال من معسكر المنتصرين. من قتله؟ هنا تبدأ الحكايات. وهنا يختلف المؤرخون. فهناك من اتهم بيبرس. وهناك من قال إن مجموعة من الأمراء اشتركت في المؤامرة. وهناك من ربط الأمر بصراع السلطة بعد النصر. لكن الحقيقة الكاملة ضاعت بين الروايات. ولم يترك لنا التاريخ شاهدًا يحسم القضية إلى الأبد. لذلك بقي السؤال معلقًا حتى اليوم: من قتل قطز؟ لا أحد يملك يقينًا كاملًا. وقفت أمام قبره في خيالي بعد سنوات. وسألت نفسي: كم حكم مصر من السلاطين؟ وكم قاد الجيوش من القادة؟ وكم جلس على العروش من الملوك؟ كثيرون. لكن قليلين فقط استطاعوا أن يغيروا مصير أمة في عام واحد. جاء قطز في زمن ظن الناس فيه أن النهاية قد اقتربت. فأثبت أن الأمم لا تموت ما دام فيها من يرفض الاستسلام. رحل سريعًا.
أقصر مما يستحق. وأقصر مما أراد. لكن بعض الرجال لا تُقاس أعمارهم بالسنوات… بل باللحظات التي يغيرون فيها مجرى التاريخ. ولهذا كلما ذُكرت عين جالوت… وكلما ذُكر اليوم الذي انكسر فيه الطوفان المغولي… سيبقى اسم قطز حاضرًا. لا كسلطان حكم عامًا واحدًا… بل كرجل وقف عندما هرب الجميع.
وانتصر عندما ظن الجميع أن الانتصار مستحيل.
رحم الله قطز… الرجل الذي أوقف الطوفان.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print
booked.net