عاجل

بيان مصري بعد إعلان الإمارات إحباط مخطط إرهابي
محافظ الجيزة يبحث مع رئيس هيئة سلامة الغذاء سبل تعزيز الرقابة على الأسواق
البحرين واليونان يبحثان تطورات الأوضاع الإقليمية
ترامب: لست تحت ضغط من أي نوع لإبرام اتفاق مع إيران
القاهرة: بحث آليات تشغيل مواقف سيارات السرفيس بالأحياء
التعليم: مصر تلتزم ببناء منظومة تعليمية حديثة شاملة
مدبولي: ميناء العريش بوابة لشرق المتوسط وأحد محاور تنمية سيناء
الطيران النيچيرية تدعو شركات الطيران لاجتماع طارئ لمواجهة أزمة أسعار الوقود
ترامب: إيران أمامها فرصة أخيرة لقبول الاتفاق
الزمالك يستعد لبيراميدز بعد الراحة السلبية
أبو الغيط يؤكد مجددًا دعم الجامعة العربية للحكومة اليمنية
إيران: مضيق هرمز لنا إما بالمفاوضات وإما سننتزعه بالقوة
رويترز: سفن تجارية تتلقى رسائل من البحرية الإيرانية تفيد بإغلاق مضيق هرمز مجددا
متحدث الخارجية الإيرانية: خيار نقل اليورانيوم المخصب إلى الخارج مرفوض
الطيران المدني: إعادة فتح جزء من المجال الجوي الإيراني

# في الأوقات الحرجة .. التعقل أمان الأوطان

بقلم دكتورة / أماني فؤاد

وارد أن ننقسِم فِرَقًا ونتجادل، يُبرز بعضنا أجمل ما في هُوَيتنا، ويصدِّرها ‏لواجهة المشهد، نقطة ضوء، نظرة متفائلة لإمكانية تخطِّي المصائب، ‏والقدرة على تصويبها، وإيجاد حلول واقعية. بعضنا الآخَر ينشب أظافره في ‏قلب الوطن، يقطِّع أوصاله في انعدام ضمير، تزييفًا للحقائق وتوجيهها ‏على المدى الأوسع، إما كراهة ترسبت بأعماقهم، لعدم تحقُّق هؤلاء الأفراد ‏في مواقعهم، أو مدفوعين من دُوَل لا تريد لمصر إلا التفكك، فتطلِق تلك ‏الأبواق العفِنة وتموِّلها. كما يقف بعض المصريين متفرِّجًا، فرِحًا في ‏المصائب واللجاج، واشتعال الحرب الإعلامية على المواقع والقنوات ‏والصفحات الإعلامية.‏
لا تمُر على مصر شهور قليلة دون مواجهات وتحديات كبرى، سواء كانت ‏اقتصادية، أو سياسية، أو أمنية. وسواء كانت داخلية أم خارجية، ‏في هذه ‏الأوقات الحرِجة، تصطف الحناجر المسمومة لتشكِّك في كل شيء، في ‏‏القيادة والحكومة والمؤسسات، في كل شخص أو قيمة أو معنى من حولنا.‏
وهنا لنا أن نتساءل هل باتت الكراهية عنوانا للمرحلة!؟ أين الوطنيون ‏الصادقون العقلاء، غير المتلوِّنين، الذين يتحلَّون بالمصداقية؛ حيث ‏بإمكانهم مواجهة مَن يشيطنون المشهد اليومي بكل تفاصيله في مصر؟ ‏كما يقفز السؤال الآخَر الموضوعي: لماذا يتحول الهجوم على الحكومة ‏إلى حالة صاخبة على هذا النحو؟


‎أحسب أن الضغوط الاقتصادية المتزايدة، أحد أهم المحفزات الرئيسة للنقد. ‏‏فعندما يواجِه المواطن صعوبة في تلبية احتياجاته الأساسية؛ ترتفع حدة ‏السخط الشعبي، ويصبح توجيه ‏اللوم للحكومة أمرًا طبيعيًا. وتحميلها ‏مسئولية الفشل، وغلاء الأسعار، وتدهور قيمة الجنيه، والبطالة‎‏.‏
‎ ‎كما أن الشعور بعدم الشفافية، وغياب التواصل الفعَّال في الأزمات، ‏يؤجج الرفض، حيث يحتاج المواطن إلى الفهم والطمأنة، من خلال ‏خطوات تتخذها الحكومة؛ لمواجهة التحديات. فغياب الشفافية، أو الشعور ‏بأن المعلومات تُحجب؛ يولِّد حالة من عدم الثقة والقلق، فيدفع البعض إلى ‏افتراض الأسوأ، وسيطرة النقد اللاذع‎‏ المتخبِّط.‏
كما أن‎ ‎الخوف على المستقبل هاجس مدمِّر، فشعور المواطنين ‏بالخوف ‏والقلق يمكن أن يتحوَّل إلى غضب، ورفْض للسُّلطة، لعدم قدرتها على ‏توفير الأمان ‏للمستقبل‎‏. ‏
‎ ‎كما أن تراكُم المشكلات المزمنة منذ عقود كثيرة، تلك التي لم يتم ‏معالجتها ‏بشكل جذري، تُعَد سببًا للكثير من الأزمات الراهنة، وحين ‏تتصدَّى لها القيادة الحالية وتواجِهها؛ تتحمل بمفردها مسؤولية هذا الإرث، ‏الذي ترتَّب على ترحيل الحلول؛ مخافة رفْض الجموع وثورتهم وقْتها. ‏
‎كما لا يمكن إغفال دور‎ ‎التأثيرات الخارجية والأيدي الخفية، حيث ‏الأجندات التي ‏تسعى إلى استغلال حالة السخط الداخلي؛ لخدمة أطماعها. ‏ويتم هذا من خلال نشْرهم للشائعات، وقلْب الحقائق، بتأويلها المغالِط، ‏و‏تضخيم المشكلات القائمة لتأجيج السخط الشعبي‎‏. ‏
وتبرُز هنا مشكلة مؤرِّقة وحقيقية، فللهجوم العشوائي على القيادة والحكومة ‏في الأوقات الصعبة تداعيات سلبية خطيرة، أوَّلُها‎ ‎إضعاف الجبهة ‏الداخلية، كما يُحدِث انقسامًا بين فئات المجتمع، مما ‏يقلِّل من قدرة الدولة ‏على مواجهة الأخطار‎‏. ‏
‎كما أن النقد المفرِط، وغير المؤسَّس على المنطق، يمكن أن يقوِّض ثقة ‏المواطنين في ‏المؤسَّسات، وقدرتها على إدارة الأزمات، وهو ما قد يؤدِّي ‏إلى حالة من الإحباط العام والفوضى‎‏. ‏
‎كما أن للضغط الشعبي، والنقد المستمر، تأثير في تردُّد القيادة في اتخاذ ‏‏قرارات حاسمة، خاصة تلك التي قد تكون مؤلِمة على المدى القصير، ‏ولكنها ضرورية على المدى الطويل‎‏. وهو ما يوجِد ساحات لعِب ‏للشياطين؛‎ ‎فيتحالف الأعداء والمتربِّصين، الذين لديهم أهدافهم. ‏
في الأوقات الحَرِجة، تزداد الحاجة إلى نقْد بنَّاء ومسؤول، هدفه الإصلاح ‏‏والتحسين، لا الهدم وإثارة الفوضى، كما أنه من الضروري أن تكون ‏الحكومة أكثر انفتاحًا وشفافية، بتعزيز قنوات التواصل مع المواطنين، ‏والاستماع إلى همومهم ومخاوِفهم بجِدية، والتحلِّي بمرونة المبادرات.‏
‏ الفارق كبير للغاية بين وعي المواطنين الموضوعي، الذي يهدف إلى ‏تصحيح المسار، وبين الهجوم غير ‏المبرَّر؛ الذي قد يعرِّض أمن واستقرار ‏البلاد للخطر‎‏. ‏
إن تجاوُز الأزمات يتطلَّب تضافر جهود الجميع، قيادةً تعمل بجد ‏وإخلاص، وحكومة تتسم بالشفافية ‏والفاعلية، وشعبًا واعيًا، ومتخصِّصًا ‏مسؤولًا في المجالات كافة، يمارس حقَّه في النقد بحكمة، دون شخصنة، ‏مدرِكًا أن مصلحة الوطن فوق كل ‏اعتبار‎.‎
كما أن نقْدَ الحكومةِ البنَّاءَ نقيضُ مهاجمة الوطن، والحفاظ على وطننا ‏‏يلزمنا التعبير ‏عن آرائنا ومخاوفنا، لا الانجراف وراء كل صوت مبتور، ‏يناسل ضغائنه.‏‎‏ ‏
يمكننا ألا نشكِّك في شخص أو مؤسَّسة، لكن بمقدورنا التعبير عن الرأي ‏في سياسات وإجراءات وأداء المسؤولين، على أن يكون النقد مبنيًا على ‏معلوماتٍ وحقائقَ، وموجَّهًا نحو إيجاد حلول، لا مجرد ‏الهجوم والتجريح‎‏. ‏
فالهجوم على الوطن بالجملة يعني المساس بكيان الدولة، بثوابتها، ‏بتاريخها، شعبها، رموزها الوطنية، وتعريض سيادتها بشكل ما للتشكيك. ‏وهو عمل يهدف إلى زعزعة الاستقرار، إثارة الفتنة، أو التشكيك في ‏الانتماء الوطني. ‏
كيف نحافظ على مصر ونمارس النقد البناء؟‎
علينا أن ندرك‎ ‎‏ دائمًا أن الحكومة هي أداة لإدارة شؤون الوطن، ‏وليست ‏الوطن نفسه. إن حُب الوطن يعني الحرص على استقراره وتقدُّمه، وهذا ‏بالطبع يتطلَّب نقدًا بنَّاءً ‏لمَن يتولَّون المسؤولية فيه‎‏.‏
كما يتعين‎ ‎التركيز على طرُق حلول القضايا؛ أي تحديد المشكلات القائمة ‏‏واقتراح الحلول الممكنة، بدلاً من الهجوم الشخصي أو التعميمات السلبية. ‏أتعجَّب ممَّن يصبغون المشهد تمامًا بالأسود، وأتساءل: لصالح مَن، هل ‏بإمكان السواد أن يحِلَّ مشاكلنا، أم يدفع باليأس لدى الجميع، وهل نَعِي ما ‏يُحاك حولنا من كل اتجاه، ننتقد ونشير للحلول ونبادر بها، نشير لنِقاط ‏الضوء والإنجازات، بموضوعية، مستندين إلى الحقائق والمعلومات ‏الموثوقة، لا عن عدم عِلم، ولا بالاستماع لفئة مغرِضة تقلِب نجاحاتِ ‏وإيجابياتِ هذا الوطن لدسائسَ ومصالحَ وفسادٍ ومكاسبَ شخصية، يتعيَّن ‏حين نتحدث، أن نبني آراءنا على معلومات دقيقة وموثوقة، ‏ونتجنب ‏الشائعاتِ والمعلوماتِ المضلِّلةَ، التي قد تُستخدم لإثارة البلبلة وتشويه ‏الحقائق‎‏. ‏
‎فعند وجود خلافات عميقة؛ يتعيَّن أن نحرِص على التعبير عن آرائنا بشكل ‏‏حضاري ومسؤول، يحترم الرأي الآخَر، ويحافظ على النسيج الاجتماعي ‏المتآلف، فالعنف اللفظي أو التحريضي لا يخدِم ‏إلا الأعداء المتربِّصين ‏بمصر‎‏. كما أن على المتخصِّصين الإدلاء برأيهم من خلال قنوات وطنية ‏ومؤسَّساتية، مثل الحوارات ‏المجتمعية، المشارَكة في العمل العام، أو حتى ‏عبْر وسائل التواصل الاجتماعي، بمسؤولية ووعي. الهدف ‏هو المساهَمة ‏في البنْية لا الهدْم‎‏. ‏
في حادثة حريق سنترال رمسيس، شاهَدنا ‏‎المشارَكة الإيجابية من أبناء ‏مصر، الذين بادَر المتخصِّصون منهم في هندسة الاتصالات بالمساعدة ‏في إعادة تشغيل الخطوط، وهو المعهود عن المصريين الأُصلاء، ففي ‏الأوقات الصعبة، نتمسَّك أكثر بقِيَمِنا، حيث‎ ‎التكاتُف، الصبر، الإصرار، ‏والتضحية من أجْل الوطن. هذه القِيَم هي دِرعنا الصَّلد في مواجهة أيِّ ‏تحدٍّ‎‏. ‏
‎كما علينا ألَّا نتخلَّى عن وعي يقِظ، يدرِك أن هناك مَن يتربَّصون بمصر، ‏ويسعَون ‏لاستغلال أيِّ حالة من السخط الشعبي، أو الفوضى؛ لزعزعة ‏استقرارها. فالتفريق بين النقد الوطني البنَّاء وكشْف الأجندات ‏المشبوهة ‏أمرٌ حيوي‎‏. ‏
إن حُبَّ الوطن الحقيقي لا يعني السكوت عن الأخطاء، بل يعني العمل ‏على تصحيحها بكل السُّبُل ‏المشروعة والمسؤولة، مع الحفاظ على وحدة ‏الصَّف، وتماسُك الجبهة الداخلية. مصرنا ‏أساس وجودنا، ونقْد الأداءات ‏السلبية بموضوعية وسيلةٌ لتقوية هذا الوجود لا تقويضه‎.‎

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print
booked.net