عاجل

# اللُّغة العربيةُ في ظِلِّ سَطْوةِ التعليم الأجنبيِّ والطبقيَّة
هرمون النوم بين الفوائد والمخاطر: ما الذي يجب معرفته؟
من القاهرة إلى لندن.. توتنهام يعلن ضم عمر مرموش
إهمال خطير في بناء محطة الضبعة النووية المصرية
موعد مباراة الأهلي وبرشلونة اليوم في كأس خوان جامبر .. والقنوات الناقلة
الحوثيون يعلنون استهداف مصفاة نفط تابعة لشركة “أرامكو” جنوبي السعودية
شقيق الأميرة ديانا يروي “الحقيقة” في كتابه الجديد
المبعوث الأمريكي براك يشير إلى رصد تحركات كادت أن تؤدي لاشتباك عسكري تركي إسرائيلي أمس
زلزال عسكري مرتقب بالخليج.. واشنطن تدرس سحب قواتها وإعادة رسم خريطة الانتشار الأمريكي
أقوى جيش في أفريقيا يستعد ليصبح العضو الرابع في تحالف دفاعي مع تركيا والسعودية وباكستان
# حلم لم يكتمل…. ( قصة قصيرة جدآ )
فستان قصير وحذاء عالي الساقين.. هكذا ظهرت هيفاء وهبي في حفل ستوكهولم
ترامب ينفي أي مفاوضات مع إيران ويؤكد استمرار الحصار البحري بكامل قوته
ترامب يهدد مجددًا بقصف سلطنة عُمان.. لماذا صعّد ضد حليفة أمريكا؟
بيان مصري شديد اللهجة ضد إسرائيل بعد غاراتها على مطار أبو الظهور السوري

# اللُّغة العربيةُ في ظِلِّ سَطْوةِ التعليم الأجنبيِّ والطبقيَّة

بقلم الأستاذة الدكتورة / أماني فؤاد

في لقاءٍ مع أحد الأُسر الصدِيقة، منذ أيام، والتي ضمَّت أكثرَ من خمسة أطفال، ‏أعمارهم تبدأ من ثلاث سنواتٍ حتى الثانية عشر، لم أسمع حوارًا واحدًا باللغة العربية ‏بين الآباء والأمهات وأولادهم، وحين تحدَّثتُ إلى أحدهم – الذي تجاوَز العَشرَ سنوات – ‏باللهجة المصرية؛ تحدَّث معي وكأنه أجنبيٌّ يتحدث العربية بصعوبة. ولا تنطبق هذه ‏الظاهرة على أُسرة واحدة؛ بل تتكرر في شرائحَ واسعةٍ، وتُنذر بخطرٍ أبعدَ من مجرَّد ‏التحدث بلُغة عدَا العربية.‏
ــ1ــ ماذا فعلنا بلُغتنا العربية، والأهم بهُوَيتنا؟
تواجِه معظمُ المجتمعاتِ العربية المعاصِرة تحوُّلاتٍ ثقافيةً عميقة، طالت البنْية الجوهريةَ ‏للشخصية العربية، وعلى رأس هذه التحوُّلات أزمةُ تراجُع مكانة اللغة العربية، لصالح ‏اللغات الأجنبية، ولا سيَّما الإنجليزية. ‏
منذ البداية، لستُ ضِد تعليم اللغات الأجنبية، بل أعرف أهميتها، لكن للأسف، لمْ تعُد ‏هذه الظاهرةُ مجرَّد تفضيل شخصيٍّ أو حاجة عمل؛ بل تحولتْ إلى منظومة اجتماعية ‏متكامِلة، تبدأ من جدران المنازل، وتمُر عبْر غُرف الأطفال، مع المُربِّيات الأجنبيات، ‏وصولًا إلى المؤسَّسات التعليمية المتعددة، التي رسَّخت فجوة طَبقيةً غيرَ مسبوقةٍ. ‏
تتأسَّس أزمة اللغة العربية والهُوَية في وقت مبكِّر جدًا من عمْر الطفل، وتحديدًا داخِل ‏الأُسرة. حيث باتت شرائحُ واسعةٌ – لا سيما في الطبقتين العُليا والوسطَى العُليا – تعتمد ‏على التحدث مع أبنائها باللغة الإنجليزية، منذ طفولتهم المبكِّرة. ولا ينبع هذا السلوكُ ‏دائمًا من ضرورة الدراسة؛ بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتباهي الاجتماعي، والنظرة الدونية ‏لِلُّغة الأُم، بوصْفها لغةً “غير مواكِبة للعصر”.‏
وتتضاعَف هذه الإشكاليةُ بوجود الخادمات والمُربِّيات الأجنبيات، اللاتي يُعتمَد عليهن ‏بشكل شبه كُليٍّ في تربية الأطفال ورعايتهم، منذ الولادة. هكذا، يجِد الطفلُ نفْسَه غارقًا ‏في بيئة لُغوية أجنبية بالكامل، لتصبحَ اللغة الإنجليزية هي وعْيه الأول، ووسيلته ‏للتعبير عن مشاعِره، واحتياجاته، وأحلامه، في حين تُمحَى العربيةُ أو تُهمَّش؛ لتقتصِرَ ‏على إشارات يومية بسيطة.‏


ثم نواجَه بالطبقية التعليمية؛ ففي مقابِل جودة محتكَرةٍ في التعليم ومناهجه وكتُبه ‏ومدرِّسيه، والوسائط التي يستخدمها الطلبةُ في العملية التعليمية، في المدارس ‏الإنترناشيونال، تهمَّش العربية في نفْس المدارس؛ حيث يتعيَّن أن يدرُس بها الطلَبَةُ ‏الدراساتِ الاجتماعيةَ والدين واللغة العربية. هذا في مقابِل ظاهرة تسرُّب الطلاب في ‏مدارس التعليم الحكومي، وإهمال واضح في كلِّ أضلاع مثلَّث العملية التعليمية.‏
الواقع يشير إلى الهُوَّة التعليمية العميقة، التي تعاني منها معظم بلدان المنطقة العربية، ‏وأولهم مصر؛ حيث تنقسم المنظومة التعليمية إلى قُطبَين متناقِضَين:‏
المدارس الأجنبية والدولية؛ حيث الملاذ الحصْريُّ للطبقة العُليا والوسطَى العُليا. وتقدِّم ‏هذه المدارسُ تعليمًا فائقَ الجودة، لكنَّه يُبنَى غالبًا على سلْخ الطالب تدريجيًّا من بيئته ‏الثقافية، وتكريس التبعية الفكرية للثقافة الغربية. ورغم أن هذه الفئة تُمثل العدد الأقل ‏مجتمعيًّا؛ فإنها تحتكِر غالبًا مواقعَ التأثير المستقبلي؛ أيْ أنهم الفاعلون في القادم ‏القريب والبعيد. وعلينا هنا أن ندُقَّ جرَس إنذار؛ حيث سيخلو المستقبل من اللغة ‏العربية، ويفرغ من التاريخ، وآداب اللغة العربية، يخلو من السينما العربية، والأغنية، ‏وفي تلك المنظومة التعليمية الثقافية، ليس هناك حضورٌ لأعلام الحضارة العربية، ‏سيخلو المستقبل من الشعور بالخصوصية ومميزات هُوَيتنا، وربما يخلو أيضًا من ‏الانتماء للأوطان.‏
أمَّا المدارس الحكومية – التي يرتادُها السواد الأعظمُ من أبناء الطبقات المتوسطة والدُّنيا ‏‏- فتعاني من تراجُع حادٍّ في جودة التعليم، والبُنَى التحتية، والمناهج التي تعجَز غالبًا ‏عن تقديم العربية بلُغة حَية وجذَّابة، وتفتقر إلى المدرِّس المعَد بعناية، والمتفرِّغ للتدريس ‏في المدرَسة، دون دروس خصوصية، المدرس المثقَّف فائق المعرفة. وهو ما يترُك لنا ‏أجيالًا تُعاني من أُمِّية مزدوَجة؛ فقْر في اللغات الأجنبية، أيْ انفصال عن العالم الخارجي ‏بكل تطوراته، وضَعْف متزايد في القراءة والكتابة بالعربية السليمة.‏
ــ2ــ انعكاسات تراجُع العربية على الهُوَية والوعي التاريخي
اللغة ليست مجرد أداة للتواصل فقط، فنحن نَعِي العالمَ باللغة، نفكِّر ونشعر بها؛ لذا تبقَى ‏الحاملةَ للثقافة والذاكرة التاريخية. وحين يفتقر إليها الجيلُ الذي نشأ وتكوَّن وعْيه ‏بالإنجليزية؛ سيصبح تاريخُنا بالنسبة لمعظمهم مجرَّدَ سرديات مترجَمة، مجرَّدة من روحها ‏وعُمقها العاطفي والثقافي. هذا الانفصال يفرِّغ الهُوَية من محتواها، ويجعل الشاب ‏العربيَّ غريبًا عن تاريخه، متبنِّيًا لوعْي استعلائي، ينظر لثقافته المَحلية بعَين الرِّيبة.‏
ويمتد هذا التراجع للعربية، والقطيعة معها؛ ليصل إلى الآداب المحلية والفنون، التي ‏تُسهِم في تشكيل وِجدان الأُمم، وتبرِز خصوصيةَ مجتمعاتها؛ ومن ثم ترصُد تحولاتِنا، ‏وخصوصيةَ هُوَيتنا، التي ندرك جميعًا ضرورةَ أن تكون متحركة، ثابتة في بعض ‏المَحاور، ومتطوِّرة في الأخرى.‏
ولقد لاحظتُ انفصالَ الطلبة – الذين يدرسون بالإنجليزية – عن السنيما المصرية ‏والعربية، لا يعرفون مبدعيها ولا نماذجها، ولذا تعاني السينما والمسرح الجاد في العالم ‏العربي من أزمات عدة، بداية من التأليف، وصولًا لبقية عناصر الصناعة، وأيضًا ‏الجمهور، ويعود ذلك جزئيًّا – فيما أحسب – إلى أن الطبقاتِ التي تستطيع (المستهلِك ‏الأكبر للثقافة والإنتاج الفني) أصبحت منفصِلة عن الشارع، بلُغته العربية. حيث يفضِّل ‏هؤلاء الإنتاج الغربيَّ، بينما تفقد الأعمال العربية – الفصيحة منها أو حتى العامية ‏الراقية – كُتابها وصُناعها وجمهورَها المستهدَف، مما يُضعِف الصناعة الثقافية.‏
كما شهدت الأغنية العربيةُ تحولاتٍ جذريةً؛ فبينما تحافِظ الأغاني الشعبيةُ على حضورها ‏في الشارع؛ نجِد أن الأجيال الناشئةَ – في الطبقات المثقَّفة، الوسطَى العُليا ‏والأرستقراطية – تسمَع وتعيش ضمْن الإنتاج الموسيقي الغربي، ناظرةً إلى الفنون ‏المَحلية نظرةَ استخفاف أو تجاهُل تام، ممَّا حطَّم الجِسر الواصِلَ بين إيقاع العَصر ‏وجماليات التراث الشِّعري والموسيقيِّ العربي.‏
إن تفَشِّي ظاهرةُ استبدال اللغة الإنجليزية بالعربية في البيوت، وعلى ألْسِنَة النُّخَب، ‏بالتزامن مع تدهوُر التعليم الحكومي، والتسرُّب المدرسي، يُنذر بإنتاج مجتمعات منقسمة ‏ثقافيًّا؛ أقلية معزولة تعيش بلِسان وثقافة غربية، وهي التي ستسيطر على مفاصِل ‏ومؤسَّسات الوطن في القادم، وأغلبية تعاني من التراجع التعليمي والمعرفي؛ ومن ثم من ‏الإنسانية المتطورة.‏
تتشعَّب المشاكل التي نواجِهها في تراجُع اللغة العربية، وتحتاج أن يُفرَد لها مجموعةٌ من ‏المؤتمرات، وأوراق العمل من المختَصين، على أن تقتنع القياداتُ بأن الحِفاظَ على اللغة ‏العربية قضيةُ حِفاظ على الهُوَية، وأنها قِوام الوطنية، وأن تَرعَى بنفْسها مؤتمرًا كبيرًا، ‏يناقِش كل قضايا التعليم واللغة العربية، وتتعهَّد بتنفيذ كل ما يوصِي به المتخصِّصون، ‏من إعادة هندسة المناهج، ووضْع مواد تدريسية، تستطيع جذْب الطالب للعربية، ‏والاهتمام بتوعية الأُسر – من خلال الإعلام والمَواقِع والقنوات الفضائية والبرامج – ‏بأهمية اللغة العربية، وأنها ليست مجرَّدَ مادةٍ دراسية ثقيلة.‏
كما يتعيَّن على الدولة أن تقنِّن بجِدِّية دمْج اللغة العربية بعُمق في المدارس الأجنبية، ‏وجعْلها محبوبة ومفضَّلة لدى هذه النُّخَب؛ بتطبيق بعض الإجراءات العملية، وجعْلها ‏ملزِمة في اشتراطات معايير الاعتماد، وربْط تراخيص المدارس الأجنبية بنِسب نجاح ‏معيَّنة في مواد الهُوَية، ووضْع ساعات معتمَدة للأنشطة الثقافية (مسرح، مناظرات، ‏ومجلات مدرسية بالفصحى) ورفْض التلاعُب بأوقاتها.‏
واشتراط تنظيم مسابقاتٍ كُبرى، وجوائزَ ماليةٍ ومعنوية ضخمة، تحت رعاية ورقابة الدولة، ‏للطلاب المتميِّزين في العربية، واستضافة روَّاد أعمال وصُناع محتوى مؤثِّرين يتحدثون ‏العربية ببراعة؛ للحديث عن قيمتها.‏
‏ وجعْل المهرجانات المسرحية والسينمائية السنوية داخل هذه المدارس باللغة العربية ‏حصرًا؛ لتحويلها إلى منصَّة تباهٍ ثقافيٍّ وفنيٍّ، بدلاً من اللغات الأجنبية.‏
أما فيما يَختص بمدرِّسي اللغة العربية، في المدارس الأجنبية، فهناك ضرورة لكسْر ‏الصورة النمطية لمعلِّم العربية “التقليدي الجامد”، ولتحقيق ذلك؛ يجب التركيز على الثقافة ‏العالية، والشخصية الجذابة، القادرة على تحبيب اللغة العربية للطلاب.‏
وتعيين معلِّمين للعربية يمتلكون مهاراتِ تواصُلٍ حديثةً، ومعرفةً واسعة بالأدب العربي ‏والعالمي، وقُدرةً على النقاش العصري بلُغة بليغة وسلِسة، بعيدًا عن التعقيد والتلقين؛ ‏لقطْع الهُوَّة بين لُغة الطالب الأجنبية وثقافته العربية، بلُغة حِوَار مقنِعة.‏
ومنْحهم رواتبَ ومكانةً أدبية ومؤسَّسية تعادِل أو تفُوق معلِّمي اللغات الأجنبية؛ لضمان ‏استقطاب أفضل الكفاءات، وترْك صورة ذهنية مرموقة للمادة داخل المدرَسة.‏
وإعداد دورات تدريبية متقدِّمة وملزِمة للمعلِّمين؛ لدمْج التكنولوجيا، والتعلُّم التفاعُلي، ‏وسرْد القصص بالعربية الفصحى الميسَّرة؛ لجذْب انتباه عقولٍ نشأَت على الإنجليزية. ‏ونستكمل مَحاور أخرى في المقال القادم.‏

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print
booked.net