بقلم الكاتبة الصحفية / سهام فودة
قبل أن نحكم على الناس، وقبل أن نمنحهم أو نحجب عنهم التقدير، يجدر بنا أن نسأل أنفسنا سؤالًا بسيطًا: من أي زاوية ننظر؟ فالحياة ليست دائمًا كما تبدو، والوجوه ليست دائمًا كما توحي ملامحها، والمواقف التي نراها بعين واحدة قد تحمل عشرات الحكايات التي لا نعرف عنها شيئًا. لذلك لا يصنع الفرق في حياتنا ما نراه فقط، بل الطريقة التي نختار أن نراه بها.
المصور المحترف لا يغيّر الواقع، لكنه يعرف كيف يبحث عن الزاوية التي تُظهر أجمل ما فيه. لا يختلق الضوء، وإنما ينتظر اللحظة التي يعانق فيها الضوء الأشياء، فيمنحها حياة أخرى. وكذلك الإنسان الحكيم، لا يعيش منكرًا لوجود العيوب، لكنه لا يجعلها العدسة الوحيدة التي يرى بها العالم. إنه يدرك أن لكل إنسان جانبًا مضيئًا يستحق أن يُكتشف، وأن البحث عن الجمال في الآخرين ليس سذاجة، بل رقي في التفكير ونضج في المشاعر.
ولعل أخطر ما أفرزته الحياة الحديثة أن كثيرين أصبحوا أسرى “عدسة العيوب”. يبحثون عن الخطأ قبل الصواب، وعن الزلة قبل الفضيلة، وعن العثرة قبل النجاح. ومع الوقت تتحول هذه النظرة إلى أسلوب حياة، فيغدو النقد عادة، وسوء الظن منهجًا، ويصبح الإنسان محاطًا بضجيج الأحكام السريعة حتى يفقد قدرته على رؤية الخير الكامن في الناس.
إن الجمال الحقيقي ليس ملامح تلفت الأبصار، ولا أناقة تخطف الأنظار، فكل ذلك قد يبهت مع الزمن. أما الأخلاق فهي الجاذبية التي لا تشيخ، والحضور الذي يسبق صاحبه إلى القلوب. قد ينسى الناس شكل الوجه، لكنهم لا ينسون وجهًا بشوشًا، ولا كلمة طيبة، ولا موقفًا كريمًا، ولا يدًا امتدت بالعون في وقت الحاجة. فالأخلاق ليست زينة تُرتدى، بل هوية تُعرف بها النفوس.
ولأن العلاقات الإنسانية لا تُبنى على الانفعال، بل على الحكمة، فقد اختصر القرآن الكريم فلسفة التعامل مع الناس في منهج متكامل يجمع الرحمة والقوة والاتزان، حين قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. ثلاث كلمات صنعت دستورًا أخلاقيًا يصلح لكل زمان؛ فالعفو يحرر القلب من أثقال الكراهية، والأمر بالمعروف يجعل الإنسان مصدرًا للإصلاح لا للهدم، والإعراض عن الجاهلين يحفظ للطاقة الإنسانية قيمتها فلا تُهدر في معارك لا تثمر إلا المزيد من الضجيج.
وليس معنى ذلك أن نتغافل عن الخطأ أو نتنازل عن الحقوق، وإنما أن نختار معاركنا بعقل، وأن ندرك أن بعض الردود أبلغها الصمت، وأن بعض الانتصارات الحقيقية تتحقق حين نرفض الانحدار إلى مستوى الإساءة. فليس كل استفزاز يستحق ردًا، وليس كل جدال يستحق وقتًا، وليس كل رأي عابر يستحق أن نعكر به صفو أيامنا.
المجتمعات أيضًا تشبه الأفراد؛ فهي تكبر حين تنتشر فيها ثقافة التماس الأعذار، والاحتفاء بالنجاحات، وتشجيع المحاولات، لا ثقافة التشهير والتصيد وإسقاط الآخرين. فالكلمة الطيبة قد تعيد إنسانًا إلى الحياة، بينما كلمة جارحة قد تهدم سنوات من الثقة بالنفس. وما أكثر الذين كانوا يحتاجون إلى من يرى فيهم فرصة، لا إلى من يذكرهم بعثراتهم.
إن أجمل ما يمكن أن نمنحه لأنفسنا ولمن حولنا هو أن نبدل عدسة التشاؤم بعدسة الإنصاف، وعدسة القسوة بعدسة الرحمة، وعدسة الإدانة بعدسة الفهم. فليس مطلوبًا أن نرى العالم كاملًا، بل أن نمنحه فرصة ليكشف عن أجمل ما فيه. وكلما صفا القلب، أصبحت الرؤية أكثر نقاءً، وكلما ارتقت الأخلاق، صار الإنسان قادرًا على اكتشاف الجمال حتى في التفاصيل التي يعبرها الآخرون دون أن يلتفتوا إليها.
وفي النهاية، لن يتذكر الناس كم امتلكنا من مظاهر الجمال، ولا كم جمعنا من مكاسب الحياة، لكنهم سيتذكرون كيف جعلناهم يشعرون في حضورنا. فكن كالمصور الذي يبحث عن الضوء وسط العتمة، وكالإنسان الذي يترك في القلوب صورة أجمل من صورته. فالحياة لا تحتاج إلى مزيد من العيون الناقدة، بقدر ما تحتاج إلى قلوب ترى الخير، وعقول تؤمن بأن أجمل الزوايا هي تلك التي تُلتقط بعدسة الأخلاق.























































