بقلم الكاتبة الصحفية / سهام فودة
ليس كل وجعٍ سببه الفقد، فهناك ألمٌ أكثر هدوءًا وأشد قسوة، أن يمنحك الزمن ما تمنيت بعد أن يسلب منك القدرة على الفرح به. أن تظل سنواتٍ تنتظر بابًا يُفتح، وحين يُفتح أخيرًا تكتشف أن الشخص الذي وقف يومًا أمامه بكل اللهفة لم يعد هو نفسه. فالزمن لا يؤخر الأشياء فقط، بل يغيّر أصحابها أيضًا.
نظن دائمًا أن تأخر الأمنيات هو المشكلة، بينما الحقيقة أن التأخير يترك في أرواحنا ندوبًا لا يراها أحد. فمع كل انتظار طويل، تتغير أولوياتنا، وتنضج أحلامنا، وتتبدل قلوبنا، حتى تصبح الأمنية التي كانت يومًا قضية العمر مجرد تفصيل عابر في حياة جديدة لم نكن نخطط لها.
كم من إنسان حلم بمنصبٍ سنوات، فلما جاءه كان قد فقد حماسه للعمل. وكم من قلب انتظر اعتذارًا طويلًا، حتى إذا جاء، لم يعد يعني له شيئًا، لأن الجرح تعلم أن يلتئم وحده. وكم من امرأة انتظرت اهتمامًا من شخص أحبته، فلما التفت إليها بعد سنوات، كانت قد تعلمت كيف تكتفي بنفسها، وكيف تبني عالمًا لا يحتاج إلى حضوره.
الأمنيات لا تموت دائمًا لأنها مستحيلة، بل لأنها تُرهقها المواعيد الخاطئة. فهناك فرق كبير بين أن تصل الأشياء في وقتها، وأن تصل بعد أن يستهلك الانتظار أجمل ما فينا. فالوردة التي تُهدى بعد ذبول الربيع لا تحمل الرائحة نفسها، والمطر إذا هطل بعد موسم الجفاف الطويل قد لا يعيد الأرض كما كانت، لأن بعض التشققات لا يصلحها الماء وحده.
وربما لهذا السبب لا تكون الخسارة الحقيقية في ضياع الفرصة، بل في ضياع النسخة التي كانت قادرة على الاستمتاع بها. فالإنسان لا يبقى ثابتًا، بل يعيد الزمن تشكيله بصمت. وما كان يسعده في العشرين قد لا يثير فيه شيئًا في الأربعين، وما كان يراه حلمًا قد يصبح مجرد ذكرى بعيدة، لأن التجارب لا تغيّر ظروف الحياة فقط، بل تعيد صياغة القلب نفسه.
لكن في المقابل، يحمل هذا الألم حكمة خفية. فليس كل حلمٍ تأخر كان عقابًا، بل ربما كان تدريبًا على ألا نربط سعادتنا بشيء واحد. فالانتظار الطويل، رغم قسوته، يعلم الإنسان أن يبني حياته وهو لا يزال يفتقد بعض ما يريد، وأن يخلق لنفسه أسبابًا أخرى للفرح، حتى لا يصبح أسير أمنية واحدة إذا غابت توقف معها كل شيء.
الحياة أيضًا تمنحنا درسًا بالغ العمق؛ فبعض الأمنيات التي لم تتحقق في موعدها كانت سببًا في أن نكتشف أنفسنا. ولو جاءت مبكرًا، ربما كنا سنعيش داخلها دون أن نعرف قدراتنا الأخرى. لذلك قد يكون تأخر بعض الأبواب قد فتح لنا نوافذ لم نكن لنراها ونحن مشغولون بباب واحد.
ومع ذلك، يبقى في القلب سؤال لا يملك أحد إجابته: لماذا تأتي بعض الأشياء بعد أن ينتهي احتياجنا إليها؟ وربما لأن الحياة لا تسير بمنطق الرغبات، بل بمنطق التجربة. فهي لا تمنحنا دائمًا ما نريد عندما نطلبه، لكنها تمنحنا ما يكشف لنا من نكون عندما ننتظر.
لذلك، ليست المأساة أن تتأخر الأحلام، بل أن نؤجل الحياة في انتظارها. فالعمر الذي يضيع في ترقب لحظة واحدة لا يعود، أما الإنسان الذي يتعلم أن يعيش ويحب ويعمل ويبتسم رغم النقص، فهو وحده الذي ينتصر على قسوة الزمن.
تبقى أجمل الأمنيات تلك التي تمنحنا الحياة قبل أن تمنحنا نفسها، أما الأمنية التي تأتي بعد أن يرحل الشغف، فهي لا تشبه الهدية، بل تشبه رسالة وصلت إلى عنوانٍ غادره صاحبه منذ زمن.























































