بقلم الكاتب الكبير / صلاح سالم
في الحضور التاريخي للمثقف الحديث
في مجتمع زراعي يسوده الإقطاع، لم تتبلور فيه بعد الحاجة إلى التخصص وتقسيم العمل الإنساني، ولم يتشكل فيه بناء طبقي حديث، لم يكن ثمة حواضن واسعة تسمح للمثقف بأن يوجد، ناهيك عن أن يكون أمنا من بطش السلطة، فثمة ثنائية الشاعر والأمير، أو رجل الدين وصاحب السلطان، بكل ما يترتب عليها من ثنائيات فرعية تخص العلاقة بينهما من قبيل: العصا والجزرة، المديح والهجاء، المناصب والمقاصل، سواء التحق رجل الدين بالسلطة كما كان الأمر في حال المجتمع الإسلامي، أو تمكن من الهيمنة عليها كما جرت وقائع العصور الوسطى الأوروبية.
في المجتمع الحديث فقط، صار ممكنا للمثقف أن يوجد وأن يزدهر، باعتباره الصورة المعلمنة لرجل الدين: الحبر، القسيس، الفقيه. أن يجد مظلات اجتماعية وتنظيمية توفر له الاستقلال عن السلطة، فالشاعر صار أكاديميا وصحفيا ومعلما وربما قاضيا أو محاميا، كاتبا أو مفكرا، تحميه القوانين المدنية في المجتمعات العلمانية، سواء الديمقراطية، أو حتى شبه الديمقراطية. وعلى هذا لم يعد مضطرا للالتحاق بالسلطة ناهيك عن أن يتوحد معها، وإلا فقد دوره، وعاد فقيها أو قسا، يلعب دوره في غير أوانه. ومن ثم يبدو مفهوم المثقف متناقضا مع أساس وجوده عندما يلتزم السلطة، يردد صوتها، خصوصا في إدانة التطرف والإرهاب، والمطالبة بإصلاح الدين وكأنه فقيه مسئول عن الشريعة، فيما يعجز عن مطالبة الدولة ذاتها بإصلاح نفسها، لسد النوافذ التي تهب منها رياح التطرف، رغم كونه مثقفا، منوط به إصلاح النظام السياسي الأبوي، قبل نظام التدين الكهنوتي.
ليس مطلوبا بالضرورة أن يشغل المثقف نفسه بمقارعة السلطان، لكن ليس مطلوبا أيضا أن يكتب أو يرسم أو يغني وعينه على السلطان، أن ينتج نصوصا ورسوما وأفلاما تبرر معاناة الناس وكأنه المتحدث الرسمي باسم السلطة. وليس مطلوبا كذلك أن يصير راقصا على إيقاع السياسي، ينتظر أي مناسبة كي يفرغ طاقاته المقززة ويمارس مواهبه المؤذية، كذلك الكاتب السياسي الذي يجيد ربط نفسه بكل العصور، قبل أن يهجوها جميعا بغروب شمس حكامها، ليس لديه عصر جيد سوى الراهن، ولا حاكم جيد سوى القابض على الصولجان. المطلوب حقا أن يمارس المثقف دوره وعينه على الناس، أن يحاول رفع معاناتهم إلى مستوى الأسئلة الوجودية، طارحا إياها على السلطة مطالبا بالإجابة، حبذا لو شارك في وضع الحلول. يفضي عطب المثقف إلى عطب الدولة، بقدر ما أن عطب المثقف نفسه هو نتاج لعطب الدولة، فكليهما طرف في صفقة شائنة، حيث التبرير والتأييد اللا مشروطين، في مقابل الرعاية والاحتضان غير المستحقين. وهنا يُفتح الباب على أعطاب شتى كالإرهاب والفقر.
لقد خاضت مصر الملكية ثم الجمهورية، معارك الإرهاب ضد جماعة الإخوان المسلمين منذ أربعينيات القرن المنصرم، ومع انشقاقاتها الأكثر تطرفا في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، قبل أن تتمكن بعد جهد جهيد من حصاره مطلع القرن الحادي والعشرين، ليعود قاسيا متوحشا في العقد الثاني من القرن نفسه، وكأننا على موعد متكرر معه، يدق فيه أبوابنا ويطرح علينا تحدياته، فنستجيب له باستنفار جهودنا، التي تُستهلك دوما في الدفاع عن واقعنا وليس في تطوير وجودنا، كوننا نحارب مشروع الاستبداد الديني بمشروع آخر للاستبداد السياسي، وكلاهما خطر حتى لو اختلفا في درجة الخطورة. إنها حرب متكررة، لأنها فاشلة، وهي فاشلة لأن الفكرة السيئة لا يمكن هزيمتها بفكرة من نفس مستواها، بل من خلال فكرة أرقى منها، تقدم إجابات أعمق وأصدق على تحديات الواقع المعيش، تستطيع أن تقلل من قبحه وأن تحسن من صورته إن لم تستطع تغيير وجهه.
كما واجهت مصر ولا تزال، تحديات الإصلاح الاقتصادي في كل عقد تقريبا، نخضع لبرنامج لم نضع مكوناته، ونستسلم لإجراءات لا تتفق بالضرورة مع ظروفنا، وبعد جهد جهيد، وسياسات تقشف يفرضها الصندوق والبنك الدوليين ترهق أغلبية الناس، تتحقق نتائج إيجابية، نتجاوز من خلالها أزمتنا الخانقة، ونرفع بالكاد حد السيف عن أعناقنا، لكن ما إن نتجاوز عتبة الإصلاح المالي حتى نتوقف بعدها، لنحتفي بالقليل الذي حققناه، قبل أن يبلغ الإصلاح البنيوي مداه، فلا تتغير هياكل إنتاجنا، ولا تتحقق لنا تنمية حقيقية، ومن ثم تعود الأزمة من جديد، أشد وطأة من سابقاتها. في الحالين نحن أمام منهج واحد، فما أن نرد الموجة الإرهابية حتى نعود لنسلك كل الطرق التي أفضت بنا إليها، وما إن نتجاوز عتبة الأزمة المالية حتى نعود للسير في شتى الدروب التي قادتنا نحوها. في الأولى يستمر غياب الحرية لصالح القمع، وفي الثانية تغيب الرشادة لصالح الفهلوة، فلا العقلانية بكل تجلياتها المعرفية أخذت تدير دولاب حياتنا، ولا الحرية بما تنطوي عليه من شفافية ومحاسبة اقتربت من واقعنا.
يتصور المثقف السلطوي أن الاستبداد العلماني أفضل من الاستبداد الديني، فيبذل قصارى جهده في محاربة الأول ومهادنة الثاني. وربما كان ذلك صحيحا نسبيا، لكن ليس بالمطلق، فاستعباد الناس باسم حاكم متسلط وعبر مؤسسات باطشة لا يقل ضررا عن استعبادهم باسم الله وعبر مؤسسة كهنوتية متغطرسة. واعتقال مثقف حر أو إهانة مواطن شريف في قسم شرطة، لا يقل قبحا عن اغتيال الإرهاب لهما، فإهدار كرامة البشر وقتلهم معنويا بيد الاستبداد هو المدخل لقتلهم جسديا بيد الإرهاب. ناهيك عن أن كليهما يفضى إلى الآخر، فالاستبداد الديني إذ يقمع الضمير يفضى إلى متدين منافق، والاستبداد السياسي إذ يعطل الإرادة يفضى إلى مواطن سلبي، والضمير والإرادة ليسا إلا الجوهرين الخالدين للروح الإنسانية، التي تمارس الإيمان والإبداع بإلهام الحرية، ويحاصرها النفاق والتقليد بدافع القهر.






















































