عاجل

هواجس إسرائيلية من تنامي الجيش المصري
مصر.. شخص يمزق جسد شاب بالسيف وفتاة توثق الحادثة من سيارتها
بعد القصب.. مادة التيتانيوم تصل عصير المانجا والتمر هندي
برشلونة يوجه رسالة إلى حمزة عبد الكريم بعد ظهوره المونديالي الأول
أنا والحاكم بأمر الله
قادة دول السبع والعالم ينتظرون وضوحًا أكبر بشأن اتفاق أمريكا وإيران
بعد أن أشاد به في حديث مع محمد صلاح.. مدافع مصر ينشر صورة مع أسطورة ألمانيا
فيلم “أسد” يتراجع مرة أخري في شباك التذاكر السينمائي
دراسة تكشف فائدة جديدة لفيتامين “سي” لكبار السن
بعد تأجيل الطعن على قانون الإيجار القديم.. ما السيناريوهات المنتظرة؟
علاج ارتفاع حمض اليوريك طبيعيًا- 5 فواكه صفراء قد تساعدك
زيندايا وتوم هولاند في ظهور نادر على السجادة الحمراء في مدريد
رفضت كلمة “تابت”.. آثار الحكيم تتحدث عن اعتزالها وتنتقد فيلم “برشامة”
كأس العالم.. هذا ما فعله محمد صلاح مع حسام حسن لحظة انفعال المدرب على الحكم
أمير سعودي يعلق على تعادل مصر مع بلجيكا في كأس العالم

أنا والحاكم بأمر الله

بقلم / رضا.اللبان

استيقظت ذات ليلة على صوت طرقات خفيفة على باب غرفتي. نظرت إلى الساعة. كانت الثالثة بعد منتصف الليل.
قلت لنفسي: “خير. من الذي يزور الناس في هذا الوقت؟” ترددت قليلًا ثم فتحت الباب. فلم أجد أحدًا. لكنني وجدت ورقة صغيرة ملقاة على الأرض. انحنيت التقطتها. كان مكتوبًا عليها: “إن أردت أن تعرف الحقيقة… تعال إلى المقطم.” لا توقيع. لا اسم. لا شيء. ولا أدري لماذا ارتديت ملابسي وخرجت. ربما لأن الفضول أقوى من العقل أحيانا. وصلت إلى المقطم. وكان الليل ساكنًا بصورة مخيفة. لا صوت إلا صوت الريح. ثم رأيته. رجل طويل يرتدي ثوبًا أسود.يقف وحيدًا فوق صخرة مرتفعة. كأنه ينتظرني منذ ألف سنة. اقتربت منه. فالتفت نحوي. وعندما رأيت وجهه شعرت أنني أعرفه. ليس من صورة. ولا من كتاب. بل من التاريخ نفسه. قال: تأخرت. قلت: أعرفك؟ وقال: أكثر مما تتخيل. ثم أضاف: أنا الحاكم بأمر الله. كدت أختنق من المفاجأة. الحاكم بأمر الله؟ الخليفة الفاطمي الذي اختلف عليه الناس أكثر مما اتفقوا؟ الرجل الذي وصفه البعض بالعبقري؟ ووصفه آخرون بالمجنون؟ والذي اختفى فجأة دون أن يترك خلفه إلا الأسئلة؟
قلت: بصراحة يا مولاي… عندي قائمة طويلة من الأسئلة.
قال. ابدأ بالملوخية حتى ننتهي منها.
ضحكت. وقلت: كنت ستقولها بنفسك؟
قال: أعرف المصريين. بعد ألف عام ما زالوا يسامحون الغزاة…لكنهم لا يسامحون من اقترب من الملوخية.
قلت: لماذا حرمتها أصلًا؟ تنهد. وقال: لأن التاريخ يحب القصص الطريفة أكثر من الحقائق. بنيت المكتبات.
شجعت العلماء. أنشأت دور العلم. لكنهم تذكروا الملوخية.
قلت: الحقيقة أن القرار غريب.
قال: وهل تظن أن هذا أغرب ما فعلت؟ ثم بدأ يمشي.
وأنا أسير خلفه. وقال: هل تعلم أن الناس كانوا يستيقظون كل يوم خائفين من قرار جديد؟
قلت: نعم.
قال. وأنا أيضًا.
نظرت إليه بدهشة. فقال: السلطة مرض غريب. كلما زادت في يدك، زاد خوفك من فقدانها.
قلت: هل صحيح أنك منعت بعض أنواع السمك؟
قال: نعم.
قلت: ولماذا؟
قال: لأن الحاكم عندما يقتنع بشيء يتحول اقتناعه إلى قانون. وهذه أخطر مصيبة يمكن أن تحدث للبشر.
قلت: ويقال إنك منعت النساء من الخروج.
قال: ويقال أشياء كثيرة. بعضها صحيح.وبعضها كذب.
وبعضها أصبح أكبر من الحقيقة نفسها.
قلت: وهل صحيح أنك جعلت الناس يسهرون ليلًا؟
ضحك. وقال: كنت أحب الليل. في الليل تسقط الأقنعة.
أما النهار فمليء بالممثلين. سكت قليلًا. ثم قلت: هناك من يراك عبقريًا.
قال: نعم.
قلت: وهناك من يراك مجنونًا.
قال: نعم.
قلت: فأيهما كنت؟
ابتسم. وقال: وهل رأيت عبقريًا لم يتهموه بالجنون؟
أو مجنونًا لم يظنه بعض الناس عبقريًا؟ واصلنا السير.
وكانت القاهرة القديمة تبدو تحتنا كبحر من الأضواء البعيدة.
ثم قلت: أكثر ما يحيرني أنك كنت تخرج وحدك. حاكم دولة كاملة. بلا حرس. بلا جيش. بلا خوف.
قال: كنت أخاف ممن حولي أكثر من خوفي ممن أمامي.
الخنجر الذي تراه أهون من الخنجر الذي لا تراه. ثم جلس فوق صخرة كبيرة. وأشار إليّ أن أجلس.
وقال: أخبرني. كيف يصفني الناس في زمانكم؟
قلت: بعضهم يقول إنك كنت طاغية وبعضهم يقول إنك كنت مصلحًا. وبعضهم يقول إنك كنت لغزًا.
ابتسم. وقال: الأخيرة هي الأقرب.
قلت: لكن هناك شيء لا أفهمه. كيف يخرج رجل مثلك في ليلة عادية… ثم يختفي؟ هنا تغير وجهه. ولأول مرة رأيت الحزن في عينيه.
قال: لأن النهاية أحيانًا تكون أغرب من الحياة نفسها.
قلت: هل قتلوك؟ صمت.
قلت: هل كانت مؤامرة؟ صمت.
قلت: هل خانك المقربون؟ صمت.
قلت: هل أرسلت أختك من يغتالك كما تقول بعض الروايات؟ صمت. ثم نهض فجأة.
وقال: وهل ستغير الإجابة شيئًا؟
قلت: لا.
قال: إذن دع اللغز حيًا.
قلت: لكن الناس تريد الحقيقة. فضحك.
وقال: الناس لا تريد الحقيقة. الناس تريد قصة جيدة.
ولو أعطيتها الحقيقة لاستبدلتها بأسطورة بعد أسبوع. ثم أشار إلى القاهرة.
وقال: انظر. كل هؤلاء ماتوا. الوزراء ماتوا. القادة ماتوا.
الأعداء ماتوا. الأصدقاء ماتوا. لكن السؤال بقي حيًا.
قلت: أي سؤال؟
قال: هل كنت مجنونًا؟ أم كنت سابقًا لعصرك؟
صمتُّ. لأنني لم أجد جوابًا. ثم سألته: ما أغرب شيء تعلمته من الحكم؟
قال: أن البشر يخافون الحرية أكثر مما يخافون القيود.
ويشتكون من الحاكم القوى. ثم يبحثون عن حاكم أقوى.
قلت: وما أغرب شيء تعلمته من الحياة؟
قال: أن التاريخ لا يكتبه الصالحون دائمًا. ولا يكتبه الأشرار دائمًا. بل يكتبه الناجون. ثم بدأت الرياح تشتد.
وشعرت أن الضباب يحيط بنا من كل جانب.
قال: حان وقت الرحيل.
قلت: إلى أين؟ ابتسم.
وقال: إلى المكان الذي ذهبت إليه منذ ألف عام.
قلت بسرعة: انتظر. سؤال أخير. هل مت فعلًا؟ نظر إليّ طويلًا. طويلًا جدًا. حتى شعرت أن الليل كله ينظر من خلال عينيه. ثم قال: أخبرني أنت. هل يموت الرجل عندما يتوقف قلبه… أم عندما يتوقف الناس عن ذكره؟
ولم أنتظر الإجابة. لأنني في تلك اللحظة رأيته يتلاشى أمامي. ببطء. كما يتلاشى الضباب. حتى اختفى تمامًا.
وقفت وحدي فوق المقطم. أنظر إلى القاهرة. وأفكر. في الرجل الذي حرم الملوخية. وأرعب وزراءه. وأثار حيرة المؤرخين. وشجع العلم. وأصدر أغرب القرارات. ثم خرج ذات ليلة ولم يعد. وبعد ألف عام ما زال السؤال معلقًا في الهواء: من كان الحاكم بأمر الله حقًا؟ طاغية؟ مصلحًا؟
مجنونًا؟ عبقريًا؟ أم مجرد إنسان ابتلعه التاريخ… ثم حوله إلى أسطورة؟

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print
booked.net