عاجل

أنا… وابن خلدون
عمر حسن يوسف يكشف كواليس عودة شمس البارودي للأضواء
المحكمة العليا الأمريكية ترفض النظر في استئناف ترامب بشأن دعوى تحرش
أول قرار رسمي بعد خروج منتخب تونس من كأس العالم 2026
قتلى وجرحى في قصف إسرائيلي استهدف خيم النازحين في مواصي خان يونس
تعرف على أفضل الفواكه لمرضى الكولسترول المرتفع
بعد تحرك ترامب.. مصر تحسم موقفها من العودة إلى مفاوضات سد النهضة
إسرائيل تصدر تحذيراً عاجلاً من خطورة “نظام الطيبات” الغذائي
مادة طبيعية تحارب السكري والالتهابات في الجسم
هجرة عكسية وانهيار ديموغرافي يهددان إسرائيل
مصر : توافداً كثيفاً من المواطنين لاستقلال “مونوريل شرق النيل”
“لدي ثأر شخصي معهم”.. نجم أستراليا يتوعد منتخب مصر
قرار وزاري يثير موجة جدل واسعة في مصر
الفنانة نورا رحّال تفقد ابنها البكر عن عمر يناهز 24 عامًا
رجل أعمال كبير يعلن إفلاسه وبيع ممتلكاته في مزاد علني

حين تصبح الشتلة مهنة… والوطن بديلاً للهجرة

كتبت / سهام فودة

في قلب محافظة المنوفية، تقف قرية صغيرة المساحة، محدودة العدد، لكنها كبيرة الأثر، لتقدّم نموذجًا مختلفًا للتنمية لا يعتمد على الشعارات ولا ينتظر المعجزات. قرية يقل عدد سكانها عن عشرة آلاف نسمة، لكنها تصدّر شتلات فاكهة وخضروات بعائد سنوي يقترب من عشرين مليون دولار، في وقت تبحث فيه قرى كثيرة عن فرصة نجاة. هنا، في «بتبس»، لم يكن النجاح صدفة، بل نتيجة مسار طويل من العمل المتقن والوعي الجماعي بقيمة التخصص.
العلاقة بين أهل بتبس والزراعة ليست علاقة طارئة، بل شراكة عمرها أكثر من مئة وخمسين عامًا. أجيال تعاقبت وهي تتعامل مع الأرض باعتبارها مهنة وهوية، لا مجرد مصدر رزق مؤقت. الحاج عبدالسلام، أحد أقدم العاملين في المشاتل، يمر بيده على أوراق الشتلات كما لو كان يطمئن على أبنائه، ويؤكد أن سر المهنة ليس في البذرة وحدها، بل في الصبر والدقة واحترام الزمن. يروي كيف تعلّم المهنة عن أبيه، ثم سلّمها لأبنائه، دون أن يفكر يومًا في تركها، لأن الشتلة التي تُزرع بإخلاص تعطي في النهاية.


ما يلفت النظر في بتبس أن التخصص لم يكن عائقًا، بل بوابة للانتشار. فالقرية لم تكتفِ بزراعة الفاكهة، بل ذهبت إلى قلب الصناعة الزراعية، حيث تتحول الشتلة نفسها إلى منتج استراتيجي. خبرات متراكمة في اختيار التقاوي، وأساليب التطعيم، ومعايير الجودة، جعلت شتلات القرية قادرة على دخول أسواق خارجية تنافس فيها بثقة، دون لافتات أو حملات ترويجية صاخبة.
في أحد المشاتل، يعمل شاب في مقتبل العمر، يتحدث عن مستقبله بثبات نادر. يقول إن أصدقاءه في قرى أخرى كانوا يحلمون بالسفر، بينما هو وجد طريقه هنا. لا يرى في العمل الزراعي عبئًا اجتماعيًا، بل مشروعًا يمكن تطويره وتوسيعه. يخطط لامتلاك مشتل خاص يحمل اسم العائلة، مؤمنًا أن الاستمرار في هذه المهنة هو شكل من أشكال النجاح، لا الهروب منها.


اللافت أن منظومة العمل في بتبس لم تُقصِ أحدًا، فالنساء شريكات أساسيات في هذه التجربة. إحدى السيدات، تشارك زوجها في إدارة المشتل، ترى أن الاستقرار الاقتصادي منح الأسرة توازنًا نادرًا. تتحدث عن دور النساء في فرز الشتلات وتجهيزها ومتابعة جودتها، وتؤكد أن العمل الزراعي هنا لا يُقاس بالقوة البدنية فقط، بل بالخبرة والانتباه للتفاصيل، وهو ما برعت فيه نساء القرية.
اقتصاديًا، تحولت بتبس إلى نموذج صامت للاكتفاء والعمل المنتج. أحد الشباب العاملين في التصدير يوضح أن اسم القرية أصبح معروفًا لدى تجار من خارج مصر، وأن الثقة التي بُنيت عبر عشرات السنين هي رأس المال الحقيقي. لا تُصدّر بتبس نباتًا فحسب، بل تُصدّر سمعة، ومعيار جودة غير مكتوب، لكنه حاضر بقوة في السوق.
الأثر الاجتماعي لهذا النجاح لا يقل أهمية عن العائد المادي. البطالة تكاد تكون غائبة، والهجرة فكرة بعيدة، لأن العمل متاح، والمستقبل يمكن بناؤه داخل حدود القرية. رجل خمسيني يختصر الفكرة بقوله إن بتبس لا تنتظر الوظيفة، بل تصنعها، وإن أبناءها لا يقيسون النجاح بالسفر، بل بالقدرة على البقاء والإنتاج والاستمرار.
تجربة بتبس تفتح بابًا للتساؤل حول مفهوم التنمية في الريف المصري. فهنا قرية لم تتخلَّ عن هويتها الزراعية، لكنها أعادت تعريف الزراعة نفسها، وحوّلتها من نشاط تقليدي محدود العائد إلى صناعة تصديرية قادرة على المنافسة. نموذج يؤكد أن التنمية لا تحتاج دائمًا إلى ضجيج، بل إلى رؤية واضحة، وتخصص، وإيمان بأن العمل المتقن يمكن أن يكون وطنًا بديلاً للهجرة… وشتلة تُزرع اليوم قد تصنع اقتصاد الغد.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print
booked.net