بقلم / رضا اللبان
لم أكن أعلم كيف وصلت إلى ذلك المكان. سماء صافية، وسكون عجيب، وهواء يحمل رائحة لا تشبه رائحة الأرض.
وبينما أنا أتلفت حولي، رأيت رجلًا مهيبًا يجلس في هدوء، كأن الزمان كله مرّ عليه ثم استقر بين عينيه. اقتربت منه بخطوات مترددة. قلت:
أنا: السلام عليك يا أبانا آدم.
فابتسم وقال:
آدم: وعليك السلام يا بني.
أنا: أحقًا أنت أول البشر؟
آدم: نعم. أنا آدم الذي خلقه الله من طين، ثم نفخ فيه الروح، فكان أول إنسان على هذه الأرض.
جلست أمامه وأنا أشعر أنني أجلس أمام بداية التاريخ كله.
أنا: حدثني عن أول لحظة في وجودك.
آدم: لم أشهد خلق نفسي، لكن ربي أخبر ملائكته أنه جاعل في الأرض خليفة. ثم خلقني من طين، وسواني، ونفخ فيّ الروح. فكانت أول نعمة عرفتها هي نعمة الحياة.
أنا: وهل صحيح أن الله علّمك الأسماء كلها؟
آدم: نعم. علمني من العلم ما شاء سبحانه أن يعلمني. ثم عرض ما علمني على الملائكة، فسألهم عنه، فقالوا: “سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا”.
أنا: إذن أول تكريم للإنسان لم يكن المال ولا القوة؟
آدم: بل كان العلم.
سكت قليلًا ثم أكمل:
آدم: ولهذا يؤلمني أن أرى بعض أبنائي يحتقرون العلم أو يستهينون به.
أنا: ومتى بدأ عداء إبليس لك؟
تنهد آدم طويلًا.
آدم: عندما أمر الله الملائكة بالسجود لي سجود تكريم. أطاع الجميع إلا إبليس.
أنا: لماذا؟
آدم: لأنه نظر إلى أصله ولم ينظر إلى أمر ربه. قال إنه خُلق من نار وأنا خُلقت من طين. فكان أول متكبر في التاريخ.
أنا: هل كنت تعلم وقتها أنه سيصبح عدوك وعدو ذريتك؟
آدم: لا. لكني علمت ذلك حين أقسم أن يغوي بني آدم إلى يوم القيامة.
أنا: إذن أول معركة خاضها الإنسان كانت مع الشيطان؟
آدم: وما زالت مستمرة حتى يومكم هذا.
صمتُّ لحظة ثم سألت:
أنا: حدثني عن الجنة.
ابتسم ابتسامة حزينة.
آدم: كيف أصف لكم مكانًا لا تعب فيه ولا مرض ولا شيخوخة ولا خوف؟ كانت نعمة فوق ما تتصورون.
أنا: وهل كنت وحدك فيها؟
آدم: فترة من الزمن.
أنا: وهل شعرت بالوحدة؟
آدم: الإنسان خُلق ليأنس بغيره. لذلك خلق الله حواء.
أنا: وكيف كان أول لقاء بينكما؟
ضحك آدم وقال:
آدم: كان لقاء سكينة ورحمة. جعل الله بيننا المودة منذ اللحظة الأولى.
أنا: هناك من يحمّل أمنا حواء وحدها مسؤولية الخروج من الجنة.
فهز رأسه قائلًا:
آدم: هذا ظلم لها. القرآن لم يقل ذلك. الشيطان وسوس لنا معًا، وأخطأنا معًا، وتبنا معًا.
أنا: إذن لم تكن هي السبب وحدها؟
آدم: لا.
أنا: وكيف أغواكما إبليس؟
آدم: جاءنا من باب لم نتوقعه. أقسم بالله كاذبًا، ووعدنا بالخلود والملك الذي لا يبلى.
أنا: وهل صدقتموه؟
آدم: نعم. وكانت تلك زلتنا.
أنا: وماذا شعرت عندما أكلت من الشجرة؟
أطرق آدم رأسه.
آدم: شعرت بثقل الذنب لأول مرة. وعلمت أن الإنسان قد يضعف مهما بلغ من التكريم.
أنا: وهل كان الخوف شديدًا؟
آدم: بل كان الندم أشد.
أنا: ثم هبطتم إلى الأرض؟
آدم: نعم.
أنا: كيف كانت أول لحظة على الأرض؟
تنهد طويلًا.
آدم: تخيل إنسانًا خرج من النعيم الكامل إلى عالم التعب والكدح. لم يكن الألم في الأرض نفسها، بل في فراق الجنة.
أنا: هل بكيت؟
آدم: كثيرًا.
أنا: وماذا فعلت؟
آدم: لجأت إلى ربي.
أنا: وكيف قَبِل الله توبتك؟
ابتسم آدم وقال:
آدم: علمني كلمات أتوب بها، فتاب عليّ. ومن يومها علمت أن رحمة الله أعظم من ذنوب عباده.
أنا: ما أعظم درس تعلمته من تلك التجربة؟
آدم: أن الخطأ لا يهلك صاحبه إذا تاب، لكن الكبر يهلك صاحبه ولو عبد الله عمرًا طويلًا.
قلت له:
أنا: لهذا كان الفرق بينك وبين إبليس؟
آدم: نعم. أنا عصيت ثم ندمت. وهو عصى ثم تكبر.
مرّ صمت طويل.
ثم سألته:
أنا: كيف كانت الحياة الأولى على الأرض؟
آدم: عمل وكفاح. علمت أبنائي الزراعة والعبادة والسعي في طلب الرزق.
أنا: وهل كنت ترى البشرية تكبر أمامك؟
آدم: نعم. كنت أرى أبنائي وأحفادي يزدادون عددًا عامًا بعد عام.
أنا: وماذا شعرت؟
آدم: شعرت بالفرح والمسؤولية معًا.
ثم سألت السؤال الأصعب:
أنا: حدثني عن هابيل وقابيل.
فانطفأت الابتسامة من وجهه.
وساد صمت ثقيل.
حتى ظننت أنه لن يجيب.
ثم قال بصوت منخفض:
آدم: لا يوجد حزن أشد على الأب من أن يرى أبناءه يتخاصمون.
أنا: كيف بدأ الأمر؟
آدم: بدأ بالحسد.
أنا: الحسد فقط؟
آدم: نعم. كثير من الكوارث الكبرى تبدأ بشيء يظنه الناس صغيرًا.
أنا: وهل توقعت أن يصل الأمر إلى القتل؟
آدم: لم أتخيل أن يقتل أخ أخاه.
أنا: ماذا شعرت عندما علمت بمقتل هابيل؟
أغمض آدم عينيه.
وقال:
آدم: شعرت أن جزءًا من قلبي قد دُفن معه.
أنا: وهل غضبت من قابيل؟
آدم: حزنت عليه كما حزنت على أخيه. أحدهما مات جسدًا، والآخر ماتت روحه بالمعصية.
أنا: وهل بكيته؟
آدم: وما من أب يفقد ابنه إلا ويبكيه.
ساد الصمت من جديد.
ثم قلت:
أنا: الناس تختلف حتى اليوم. يقتتلون على المال والسلطة والدين والأرض.
آدم: لأن مرض الحسد لم يمت.
أنا: لو عاد هابيل اليوم ورأى ما يحدث، ماذا سيقول؟
آدم: سيعرف أن أول جريمة لم تكن الأخيرة.
أنا: وبأي لغة كنت تتحدث؟
ابتسم وقال:
آدم: هذا مما لم يأت فيه نص صحيح نقطع به. العلم عند الله.
أنا: ومتى أدركت أن أجلك اقترب؟
آدم: حين اكتمل ما أراده الله من عمري.
أنا: هل خفت الموت؟
آدم: من عرف ربه حق المعرفة لا يخاف لقاءه.
أنا: وما آخر ما أوصيت به أبناءك؟
آدم: أن يعبدوا الله وحده، وأن يحذروا الشيطان، وأن يعلموا أن الدنيا دار عبور لا دار قرار.
ثم نظرت إليه طويلًا وقلت:
أنا: يا أبانا آدم… بعد آلاف السنين، ما أكثر شيء يحزنك في أحفادك؟
فقال:
آدم: أن بعضهم ما زال يقع في الفخاخ نفسها: الكبر، والحسد، والطمع، والغفلة.
أنا: وما أكثر شيء يسعدك؟
آدم: أن في ذريتي من إذا أخطأ تاب، وإذا ظلم رجع، وإذا ضل اهتدى.
أنا: ولو أردت أن تترك كلمة أخيرة للبشر جميعًا، فماذا تقول؟
رفع بصره إلى السماء وقال:
آدم: يا أبنائي… لا تيأسوا من رحمة الله. لقد أخرجني الذنب من الجنة، لكن التوبة أعادتني إلى طريقها. فإياكم والقنوط، وإياكم والكبر، وإياكم والحسد. واعلموا أن الإنسان ليس معصومًا من الخطأ، لكنه مسؤول عن العودة إلى ربه.
نهضت من مكاني. وشعرت أن الحوار قد انتهى.
لكن قبل أن يختفي المشهد سمعت صوته للمرة الأخيرة:
“لا تجعلوا قصة آدم قصة ذنب… بل اجعلوها قصة توبة.”
واختفى كل شيء. وبقيت الكلمات وحدها.

























































