عاجل

تصادم مروع يشعل حافلة في مصر.. 14 بين قتيل ومصاب
الإعلام العبري يرصد مشاركة الجيش المصري في مسيرة استقلال قبرص
سوريا: ارتفاع أسعار الوقود يشعل فتيل الاحتجاجات في عدة محافظات
مصر والإمارات تحذران من اتساع دائرة الصراع وتؤكدان أهمية حرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب
محمد صلاح يترقب.. طرابزون سبور يستقر على المدرب الجديد
الكفن ينهى خصومة ثارية بين عائلتين بسوهاج (صور)
مصر ترفض مقترح الحوثيين للتواصل المباشر
لامين جمال يكشف عن منافسه الوحيد للفوز بالكرة الذهبية لعام 2026
إسرائيل تستهدف خيام وشقق سكنية في غزة.. قتلى وجرحى وقصف مدفعي على خان يونس
السعودية.. بن سلمان يعلن اكتشاف 110 ملايين طن خام بها تركيزات يورانيوم
المجلس الأعلى للإعلام المصري يطالب اتحاد الكرة باتخاذ إجراءات ضد حسام حسن
تل أبيب تحبط محاولة تهريب مخدرات بالمسيرات إلى مصر
أيام اختفت وسنوات تغيّرت.. كيف حسبت الحضارات الزمن؟
# خواطر من الماضي والحاضر
قصة إيران في أقل من 50 سنة

# خواطر من الماضي والحاضر

بقلم / أكمل قرطام

لا تخلو الحياة من شرور، ولا تخلو المجتمعات من أشرار. لكن طبقًا لنظرية الفيلسوفة السياسية حنّة آرندت، فإن أعظم الجرائم وأفظعها في الدول التي تُحكم بنظم مستبدة قد يرتكبها أشخاص عاديون، ليسوا أشرارًا بطبيعتهم، وإنما موظفون مسالمون يبررون لأنفسهم عدم مسؤوليتهم عن نتائج أعمالهم بأنهم يطيعون الأوامر وينفذون التعليمات.

هذه الظاهرة رصدتها حنّة آرندت في نظريتها «تفاهة الشر»، والتي أكدت فيها أن أفظع الجرائم قد يرتكبها أشخاص عاديون، ليس لأنهم وحوش استثنائيون، وإنما لأنهم موظفون بيروقراطيون تخلّوا عن التفكير المستقل والحكم الأخلاقي على الأمور؛ إذ إنهم لا يشعرون بأنهم مسؤولون عن النتائج. حتى إن بعضهم لا يكتفي بطاعة الأوامر المخالفة للمبادئ والقواعد الأخلاقية والقوانين، وإنما ينحون إلى التجويد في تنفيذها من باب التودد إلى رؤسائهم ونيل ثنائهم.

بل إن أكثرهم يفعلون ذلك دون أن يكونوا تحت تهديد مباشر من النظام الظالم.

أما لماذا يعطّلون تفكيرهم، ويتخلّون عن إنسانيتهم، ويبررون عدم مسؤوليتهم، فقد بيّنت آرندت الأسباب في نظريتها، وكيف يستطيع النظام المستبد تغييب المؤسسات وتحويل العاملين فيها إلى مجرد تروس في آلة تعمل لتحقيق مصالحه وأغراضه وعلى هواه. شرحت أسلوبه وخطواته بوضوح كامل، في محاولة رائعة لحل اللغز الأساسي والإجابة عن السؤال المهم: كيف يستطيع نظام ظالم الاستمرار لعقود رغم أن الجميع غير راضين؟ ونعود إلى ذلك في مقال تالٍ، إن شاء الله.

والمهم الآن أن نظريتها جاءت على أثر متابعتها محاكمة أدولف أيخمان في القدس عام 1961. كان أيخمان مسؤولًا نازيًّا اضطلع بدور أساسي في تنظيم عمليات ترحيل اليهود إلى معسكرات الاعتقال والإبادة. وفي دفاعه، قدّم نفسه باعتباره مجرد موظف كان يقوم بعمله وينفذ التكليفات والأوامر.

الرجل كان صادقًا فيما قاله؛ فهو لا يكره اليهود ولا يحبهم، وكان إنسانًا طبيعيًّا لديه زوجة وأولاد وأقارب يحبهم ويرتبط بهم ارتباطًا شديدًا، ولديه قطط منزلية يحنو عليها حنوًّا عظيمًا. لم يكن وحشًا شريرًا بطبعه، ولم تكن تحركه نوازع ظاهرة من الكراهية أو الحقد تجاه من شارك في نقلهم إلى المحارق.

آرندت لم ترَ في «تنفيذ الأوامر» عذرًا يُسقط المسؤولية أو يخفف من الجريمة التي شارك في تنفيذها، وأيّدت إدانته وإعدامه؛ لأن الإنسان، في نظرها، يظل مسؤولًا أخلاقيًّا عن أفعاله، ولا يعفيه من هذه المسؤولية أنه كان يقوم بعمله أو ينفذ الأوامر دون إخضاعها لتفكير نقدي وأخلاقي، وعلى أساس أنه ليس مسؤولًا عن إصدارها أو عن نتائجها، أيًّا كانت.

وترتبط هذه الفكرة أيضًا بتحليل آرندت للأنظمة الديكتاتورية، سواء كانت تقليدية أو شمولية؛ و التي أكدت فيها أن الحاكم، مهما بلغ طغيانه، لا يستطيع وحده السيطرة على ملايين البشر. لا بد من موظفين يكتبون ويختمون الأوراق، وشرطة تنفذ الأوامر، وجنود يطيعون التعليمات، وقضاة يصدرون الأحكام، ونواب يمررون القوانين، وإعلاميين يبررون القرارات ويروجون سردياته… وأفراد يختارون الصمت على الفساد والظلم والطغيان.

اعتبرت آرندت أن هؤلاء يتحملون مسؤولية أخلاقية عن أفعالهم ومشاركتهم في تمكين النظام الظالم من البقاء؛ فلو أنهم أخضعوا أفعالهم لحكمهم الأخلاقي، لرفضوا تنفيذ الأوامر الظالمة التي تجور على الحقوق الأساسية للمواطنين، والتي كفلتها الإنسانية ضميريًّا ودينيًّا وقانونيًّا، ولتعطلت آلة النظام وانعدمت أو تقلصت قدرته على الاستمرار.

واللافت هنا أن مبدأ عدم سقوط المسؤولية عن التابعين والموظفين المنفذين، وهو المبدأ الذي يظهر بوضوح في تحليل آرندت، حاضر بوضوح أيضًا في القرآن الكريم، إذ يقول الله تعالى في سورة غافر:

﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ ۝ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾

فالذين اتبعوا غيرهم لم يُعفهم الله من المسؤولية لمجرد أنهم كانوا أتباعًا ينفذون الأوامر.

ويؤكد ذلك قوله سبحانه وتعالى في سورة القيامة:

﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ۝ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾

وهنا تكتمل الفكرة؛ فللإنسان بصيرة ومسؤولية فردية، أخلاقية وإنسانية، لا يستطيع إسقاطها بإلقاء المعاذير على غيره، تحت أي ظرف أو مبرر. فالإنسان لا يستطيع أن يخدع ضميره أو يعمي بصيرته التي أودعها الله فيه يوم خلقه، وعليها فطره.

فإذا كانت طاعة الرؤساء وتنفيذ الأوامر لا تصلحان عذرًا أمام الله، وكان للإنسان بصيرة تشهد عليه ولا يمكن خداعها، فمن باب أولى ألا تتحول الوظيفة إلى مبرر للمشاركة في الظلم والأعمال المؤذية والجرائم التي ترفضها المبادئ الإنسانية والقواعد الأخلاقية والضمائر الحية والنفوس السوية، والتي نرى صداها في الاتفاقات الدولية والعقود الاجتماعية في كل الدول المدنية المعاصرة.

فالضمير لا يُفوَّض، والمسؤولية الأخلاقية لا تسقط أبدًا عن أفعالنا، أيًّا كانت ظروف تنفيذها، ومهما طال الأمد عليها… لا في الدنيا ولا في الآخرة.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print
booked.net