كتبت / منى حمدي
تسعى الحكومة المصرية إلى تطوير منطقة نزلة السمان، الملاصقة لهضبة أهرامات الجيزة، ضمن خطة تقول إنها تستهدف تحويلها إلى مقصد سياحي أكثر تنظيمًا وتحسين الخدمات، مع الحفاظ على تواجد سكانها وأنشطتهم الاقتصادية القائمة، بعد عقود من الجدل المرتبط بوضع المنطقة والأنشطة غير المنظمة ومخاوف الإزالة.
وتراهن الحكومة على أن يسهم المشروع في تحسين الصورة البصرية لمحيط الأهرامات، ورفع الطاقة الفندقية، وجذب مزيد من السائحين، بينما يطالب خبراء بإشراك الأهالي في كل خطوات التنفيذ، والحفاظ على الطابع الشعبي والتراثي الذي يميز المنطقة.
وتعد نزلة السمان واحدة من أبرز المناطق المحيطة بأهرامات الجيزة، حيث يعتمد جزء كبير من سكانها على الأنشطة السياحية، مثل تأجير الغرف الفندقية، وتنظيم الرحلات. وخلال السنوات الماضية، توسعت المنطقة بصورة غير مخططة، مع انتشار مبانٍ ومنشآت سياحية غير مرخصة، بالتزامن مع تنامي الإقبال السياحي على الإقامة في وحدات تطل مباشرة على الأهرامات.
وتقول الحكومة إن مشروع التطوير يستهدف تحسين البنية الأساسية، وإعادة تنظيم الشوارع والمباني، ودمج الأنشطة القائمة داخل منظومة رسمية، مع الحفاظ على السكان وعدم نقلهم خارج المنطقة، في وقت يرى فيه متخصصون أن نجاح الخطة يرتبط بقدرتها على تحقيق توازن بين التطوير العمراني والحفاظ على الهوية المحلية التي تجذب السائحين.
وخلال لقائه أهالي نزلة السمان، السبت الماضي، قال رئيس مجلس الوزراء، مصطفى مدبولي، إن الحكومة اتخذت قرار تطوير المنطقة بمشاركة سكانها، لتحويلها إلى منطقة حضارية دون المساس بوجود الأهالي أو الأنشطة القائمة بها، مع إعادة إحياء المنطقة بطابعها الحالي، مع تطوير المرافق وشبكات الطرق والبنية الأساسية، بما يسمح بجذب مزيد من الحركة السياحية.
وأوضح مدبولي أن الحكومة تعمل على إعداد مخطط متكامل يتم التوافق عليه مع الأهالي، مؤكدًا أن أي خطوات تنفيذية لن تتم إلا بعد حوار مجتمعي ومشاركة مباشرة من السكان، كما أن المنطقة تضم حاليًا ما بين 4 إلى 5 آلاف غرفة فندقية، متوقعًا ارتفاع العدد إلى ما بين 15 و20 ألف غرفة بعد اكتمال التطوير.
وقال مدبولي إن الدولة تسعى إلى تسوية أوضاع المباني غير المرخصة بصورة مؤقتة لحين الانتهاء من المخطط النهائي، مع الالتزام باشتراطات السلامة والتشغيل السياحي، موضحاً أن الهدف ليس الإزالة وإنما تنظيم المنطقة وتحسين صورتها العمرانية والخدمية.
من جانبه، قال رئيس الاتحاد المصري للغرف السياحية، حسام الشاعر، إن تطوير نزلة السمان قد يسهم في جذب ما بين 2 إلى 3 ملايين سائح إضافي، خاصة مع توافر آلاف الغرف الفندقية القائمة بالفعل، مشددًا على أهمية الإسراع بإصدار تصاريح مؤقتة للمنشآت الحالية وتحسين الصورة البصرية والشوارع المحيطة لرفع جودة التجربة السياحية.
وقال كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار، مجدي شاكر، إن السياحة في منطقة نزلة السمان تعتمد بشكل أساسي على نشاطين رئيسيين هما ركوب الإبل والخيول، إلى جانب بعض الأنشطة الفندقية، موضحًا أن أغلب هذه المنشآت غير منظمة رسميًا، حيث تعمل في صورة شقق أو بيوت خاصة مطلة على منطقة الأهرامات، ويتم تأجيرها للسياح دون دخول كامل في المنظومة الرسمية للدولة.
وأضاف شاكر، في تصريحات خاصة لـ CNN بالعربية، أن طبيعة العمران في المنطقة يغلب عليها الطابع العائلي والقبلي، مع وجود روابط اجتماعية قوية بين السكان، لافتًا أن محاولات تنظيم المنطقة ليست جديدة، لكنها واجهت صعوبات على مدار سنوات طويلة، نتيجة تمسك بعض السكان بنمطهم الاقتصادي القائم على السياحة المباشرة، باعتبارهم من الفئات التي تعتمد بشكل أساسي على هذا النشاط منذ عقود.
وأشار شاكر إلى أن “رؤية الدولة الحالية لا تقوم على الإزالة أو إبعاد السكان، وإنما على دمجهم داخل مشروع التطوير، من خلال إدخالهم في منظومة رسمية منظمة تتيح لهم الاستفادة من البنية التحتية والخدمات، مثل المياه والكهرباء وشبكات المرافق، مع إلزام المنشآت السياحية غير الرسمية بمعايير السلامة، مثل توفير طفايات الحريق والاشتراطات الخاصة بالنشاط السياحي، بما يحول المنطقة إلى نموذج منظم يمكن التحكم فيه إداريًا وسياحيًا”.
وقال شاكر إن الخطة تستهدف أيضًا توحيد الشكل العمراني للمباني داخل نزلة السمان، بحيث يصبح لها طابع معماري واحد يعكس الهوية التراثية للمنطقة، على غرار نماذج مدن تاريخية أعيد تنظيمها في دول أخرى، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الطابع البيئي والبصري المتصل بمنطقة الأهرامات، ومنع العشوائية في ألوان وتشطيبات المباني.
وتوقع شاكر أن يسهم تنظيم المنطقة “في تحسين الرقابة على حركة السياح، من خلال معرفة بيانات الداخلين والخارجين، خاصة في ظل انتشار الحجوزات الفردية عبر منصات التواصل الاجتماعي دون رقابة واضحة”، قائلا أن “إدخال المنطقة ضمن المنظومة الرسمية سيساعد في ضبط النشاط السياحي وتحصيل العوائد بشكل منظم، إلى جانب رفع جودة الخدمات المقدمة للزائرين”.
وأضاف أن المشروع يتضمن تطويرًا كبيرًا للبنية التحتية، وإعادة تنظيم الشوارع والممرات الضيقة، والتخلص من مظاهر التلوث والعشوائيات، بما ينعكس إيجابًا على الصورة العامة للمنطقة المحيطة بالأهرامات، مؤكدًا أن ذلك سيعزز من مكانة المنطقة كأحد أهم المقاصد السياحية عالميًا.
ولفت شاكر أن الأهمية الأثرية للمشروع لا تقل عن البعد السياحي، وأن أعمال التطوير قد تساهم في كشف أجزاء جديدة من الطريق الصاعد لهرم خوفو ومعبد الوادي، وهي مواقع أثرية محتملة لم يتم الكشف عنها بالكامل بعد، مشيرًا إلى أن الملك خوفو لا يزال من أكثر الشخصيات الفرعونية التي تفتقر إلى مكتشفات أثرية كافية مقارنة بعظمته التاريخية.
وقال إن التطوير يمثل فرصة مهمة لتحقيق توازن بين الحفاظ على السكان وتنظيم النشاط السياحي، مع تعزيز الجذب الاستثماري والسياحي لمحيط الأهرامات، بما يحقق استفادة مشتركة للدولة والسكان والسياح في آن واحد.
في المقابل، قال عضو غرفة شركات السياحة بالاتحاد العام للغرف السياحية، مجدي صادق، لـCNN بالعربية، إن أهالي نزلة السمان لعبوا دورًا كبيرًا في تنشيط الحركة السياحية بالمنطقة على مدار سنوات، موضحًا أن السكان وفروا بأنفسهم نحو 6 آلاف غرفة فندقية مطلة على الأهرامات، إلى جانب تنظيم احتفالات رأس السنة التي يقصدها السائحون سنويًا.
وأضاف أن أي خطة لتطوير نزلة السمان يجب أن تعتمد على إشراك الأهالي بصورة حقيقية، من خلال عرض المخطط عليهم وتقديم تسهيلات تمويلية تساعدهم على تطوير منازلهم والمنشآت السياحية القائمة، بما يسمح بتحسين الخدمات وزيادة العائد السياحي.
وقال الخبير السياحي إن تطوير المنطقة يجب ألا يغير طبيعتها التراثية والشعبية التي تجذب السائحين، حيث يفضل الكثير من الزوار الإقامة داخل نزلة السمان بسبب طابعها المحلي، والتعامل المباشر مع الأنشطة التقليدية مثل الإبل والخيول، معتبرًا أن الحفاظ على الهوية البصرية والعمرانية للمنطقة عنصر أساسي في نجاح أي تطوير.
واعتبر أن المنطقة بحاجة إلى تحسين البنية الأساسية والخدمات، خاصة الصرف الصحي وتنظيم الشوارع والمباني، مع وضع مخطط عمراني موحد يلتزم به السكان، بما يحقق التوازن بين التطوير والحفاظ على الطابع السياحي القائم بالفعل، خاصة أن تطوير نزلة السمان قد يحقق مردودًا قويًا على الاستثمار والسياحة إذا جرى بصورة تحافظ على طبيعة المنطقة وتمنح السكان دورًا رئيسيًا في عملية التطوير، وكذلك تحويلها إلى قرية سياحية بيئية بطابع محلي قد يعزز جاذبيتها لدى الزائرين.























































