بقلم الأستاذة الدكتورة / أماني فؤاد
تهيِّئ المجموعة القصصية “رابونزيل لا تجيد تصفيف شَعرها” – للقاصة والروائية (دينا حمامي)، والصادرة عن دار نشْر “ريشة للنشر والتوزيع” 2025 – لطقْس الوجع، والشعور بالقهر، الذي يتجسَّد عبْر طبقات من الآلام، والعذابات المختلفة، التي تتراكَب إحداها فوق الأخرى؛ حتى تترك شخصياتِ النصوص تختار الموت والخلاصَ، كنهاية أفضل من الحياة. حالات تعاني طبقات من المرض والحزن، من القسوة والإهمال نتيجةَ الافتقار للوعي، من الشذوذ وانعدام حساسية البعض؛ فيتبدَّى الموتُ الهروب الوحيد من الألم الجسدي والنفسي. وتفتقر شخصيات نصوص المجموعة للتواصُل الإنسانيِّ مع الآخَرين بطريقة سوية، وهو ما يتسبب في المزيد من التعاسات.
بنْية الشخصيات هي البطل الرئيس في نصوص هذه المجموعة، والمرض أيضًا، فمن خلال عشَرة نصوص نستطيع أن نرصد غَلبة الألم الناتج من الأمراض النفسية أو الجسدية، فمنذ القصة الأولى: “قُبلة في الهواء من سجينة”، يتبدَّى الموت هدفًا لدى (سيدة)؛ السجينة التي أصابها السرطان، والتي كانت تقاوِمه وترفضه بعد كل جلسة، بهياجها وضرْبها لكل السجينات مِن حولها، فخلافًا عن المعتاد، كانت تواجِه الوجيعة بشراسة وكبرياء، “المسكينة التي أهدتها الحياة مرضَ السرطان كاحتفال ثانوي”. وكما يقولون “المصائب لا تأتي فُرادى”، فبعد أن عولجت “سيدة” بالكيماوي والإشعاعي، تصاب بالفشل الكلوي؛ وراثةً عن أمها، التي قتَلها زوجها “أبو سيدة”؛ خوفًا من تكاليف الأطباء وعمليات غسيل الكُلى. تطلب سيدة من طبيب السجن أن تذهب لأمِّها بعد أن ذبلت، وتورَّمت قدمَاها، وصارت كقدمَي الفيل، وهدَّها المرض تمامًا، فيخلِّصها الطبيب الذي أهدَتْه باقة زهور، وأربع زجاجات من شربات الورد في يوم ميلاده، الذي لم يتذكره أحدٌ سوى سيدة، طبيب السجن الذي فقَد جميع أُسرته واحدًا تلْو الآخَر، في عقْد من الزمن، فأصبح لا يجد الونَس إلا بإقامته في السجن، وبمجرد أن حرَّرها من آلامها؛ يشعر بروحه قد سُجنت في أسْرٍ آخَرَ.
وفي قصتها “روح ما بعدها روح” يستولي الخوف المرَضِيُّ على الأم، التي فقدت سبعةً من أولادها الذكور؛ الخوف على طفلتها الصغيرة، والذي تحوَّل لهوَس وتهويل، وابتسار الحياة في قراءة القرآن والأوردة، دون الالتزام بأيِّ مسئولية تجاه وليدتها وزوجها وبيتها، ينتهي تضخُّم خوفها من الأعمال السفلية والموت بحرْقها للأب والجدة والبيت، فتسافر البنت للعيش في الإمارات مع عمِّها، ثم تُصاب بسرطان الدم الليمفاوي، وهي البنت العاشقة لرائحة البنزين، ليبقى الموت حضورًا قاتمًا لمعظم نهايات النصوص.
تُولِي الكاتبة اهتمامًا بفنيات المشهد وتفاصيله في نصوص المجموعة، ففي نَصها “رابونزل لا تجيد تصفيف شَعرها”، في مفارقة مريرة، بعد سعادة الأم والابنة بعودة الأب، الذي غاب في مطوبس، بمصر، سِت سنوات كاملة، وتركهما وحيدتَين في “فينا” ليعلِن انفصاله التامَّ عنهما، تقول: “.. اكتفت أمي بالدموع وهي تحدِّق بالفراغ، بينما وقفت أنا بظهر مفرود وقامة منتصبة ووجْه ممسوح التعبيرات، انتزعت باروكتي الطويلة بكلتا يدي، وضعتها على السفرة بنسق ممدد طوليا أمام الكرسي الذي يجلس عليه رب البيت، ألقيت بمفاتيح المحل في منتصف الطاولة تماما، وخرجت غير محددة الهدف.” بدا المشهد بتفاصيله مكتنزًا بالدلالات المتعددة، تواجِه فيه رابونزل – ببنْيته وموجوداته – أباها، بكل ما تسبب به من آلام نفسية وأمراض لها ولأمها أوليجا، فقد حرمهما من حدَبه وحُبه، وانشغل بخبيئة وهمية، أنفق عليها معظم ثروته، وتسبب في مرض ابنته النفسي، وشَدِّها لشَعرها وأكْله، ونوبات بكاء وغضب تصيب زوجته، التي لم تجد الاحتواء لديه.


كما يظلِّل الشذوذ أكثر من نَص في المجموعة، وبسببه تعتم أنوار الأرواح، ففي قصة “أربع زيارات ولا حاجة إلى الخامسة” و” قصة عين واحدة لا تبكي” وقصة “بالله عليك لتبتعدي”، وقصة “كما يليق ببراد شاي” تفسد الممارسات الشاذةُ حياةَ الآخَرين، كما تنتهي حياة هؤلاء الأسرَى للسلوك الشاذ نهاياتٍ غرائبيةً ومفجِعة، تصرخ بالآلام والمفارَقات. وكأن الكاتبة تتقصَّد رصْد كل الأرواح الغريبة الشيطانية، وبالرغم من عرْضها لها بأريحية، وكأنه سلوك طبيعي؛ فإنها تجسِّد لهذا السلوك نهاياتٍ مفجِعةً، إلا مَن خاف واتعظ: كطبيب التجميل الذي حلم بمحاكمته وسجْنه وفضيحته؛ فقام للصلاة وقرر ألا يعاود نزوعه الشاذ، في نَص “أربع زيارات ولا حاجة للخامسة”.
هذا وتنوِّع القاصة في تقنية السارد، الذي يحكي النصوص، فتارةً السارد هو برَّاد الشاي، الذي يرصُد السكان، الذين يتغيرون على شقتَي 27، و26 بجوار مستشفى كبير، وما يواجهونه من مرض ورحلات علاج، وشذوذ في الممارسات، في كشْف وتفكيك للمسكوت عنه.
وفي قصة “عين واحدة لا تبكي”، عينَا البطلة هما السارد، يقصان كيف كُفَّ بصرُها، وانتحارهما قفزًا من الدور الثاني والعشرين، ذلك بعد أن عانَتَا من دموع البطلة التي تذرفها بلا نهاية، وما يطالهما من الأذى من أصابعها التي تغرزها فيهما منذ صغرها، ويستفحل الأمر بعد ما عانته من ممارسات جدها الشاذة معها، ثم مرضه الأليم، وموته وهي لا تشعر سوى بالتشفي، كما يرصد الحكيُ قِلة وعي أبيها، وأسلوبه الساخرَ من شكْلها، وقِصر نظرها، وضَبِّها، تقولان: “إلا أنها قد كتبت لصديقتها الطبيبة النفسية في وقت سابق أن شماتتها فيما حدَث له تأتي من كونه شخصًا يتباهى بالستر، ويزايد على الجميع برداء الشرف، الذي يتدثر به، ولم يخلعه في حياته، لم نتفاجأ باعترافها الموثَّق كتابيًّا وصوتًا، للثيرابست مؤخرًا، إن رؤيتها لجدها وهو منتهَك الخصوصية أمام كل العائلة قد أكسبها إحساسًا خفيًّا بالارتياح”.
وتميل القاصة للُّغة الجزْلة، التي تتحرى التفاصيل، والتعبير عن عُقد نفسية، وحالات مرَضية يائسة ومستعصية، كما تبدو اللغة في بعض النصوص مكثَّفةً وسينمائية، تلمِّح دون أن تصرِّح بالكثير، وتميل إلى رسْم المَشاهد بدِقة بصرية عالية؛ لدلالاتِ ورمزيةِ حركةِ الأبطال داخل “الكادر” القصصي، مثل ما يَرِد في نَص “عين واحدة لا تبكي”.
وتميل التراكيب إلى الكشف النفسي العميق من خلال الكِنايات، التي تعبِّر عن لحظات التوتر الحادة، ولذا تأتي اللغة مشدودة وحادة لرصْد التناقُضات النفسية والأُسرية، إلا أن بعض الفقرات تفتقر لبعض السلاسة.
وتستخدم القاصة اللهجات العامية المصرية، وأيضًا اللبنانية والتشادية، وخاصة في قصة “ما يليق ببراد شاي” وذلك بحسب ما يتغيَّر على المكان أو الشقة من سكان. لكن اللهجات تُحيل الحدَث للواقعي، وتضيف السخرية المريرة. كما تفكِّك الكاتبةُ الرموز التراثيةَ أو الأسطورية (مثل رابونزيل)، وتعيد بناءَها؛ لرصْد دراما نفسية حديثة؛ أي أنها تحوِّل الأسطورة لواقع مُعاش، وترصد من خلالها بعض عذابات البشر ومتاعبهم النفسية، التي تنعكس على دمار أجسادهم.
في بعض النصوص تستخدم الكاتبة الحوار بشكل رمزي كنائي؛ لتبعث بدلالات أخرى، مثل قصة “قُبلة في الهواء من سجينة” ، تقول بعد أن يسألها الطبيب عن صحتها: “خرجوني لما قرفوا مني بقى، وحياة حبيبك، أبوس رجلك يا داكتور، انا عاوزة أروح لأمي النهاردة”.
في معظم نصوص المجموعة تتشكل لشخصيات الرجُل بنْيةٌ أنانية، لا يلتفت كثيرًا لِما يسببه من آلام نفسية للمرأة، “الابنة والحفيدة والزوجة”، بنْية تميل لإشباع غرائزه، وأهدافه حتى لو اتسمت بالشذوذ والتوهم، وتسببت في انهيار المحيطين به، ومَن هُم ضمْن مسئولياته.
بعض المجموعات القصصية تترك لدى قارئها بصمةً لروح خاصة، بصمة تبقى، وتلك قدرة فنية عالية، حتى لو جاءت سوداوية.






















































