عاجل

مادونا تقضي عطلة فاخرة في دولة عربية
# من واقع البيوت .. نماذج تُشوِّه معنى الرجولة
مباراة محتملة بين منتخب مصر والسعودية في قطر
التحالف العربي: البحرية السعودية أكملت انتشارها ببحر العرب
الملكة كاميلا تكشف تفاصيل صادمة عن تعرضها للاعتداء
تطورات مفاوضات توتنهام لضم عمر مرموش.. السبيرز يرفض الإستسلام
# صحف القهر و ” عيد ميلاد ” الألم !!!
غادة عبد الرازق تتخذ إجراءات قانونية ضد شركة إنتاج مسلسل “عاليا”
# حين أحبّ القلب فاحتضنه الله
انتصار السيسي تهنئ المصريين برأس السنة
# في مقام مصر !!
الفضة أم الذهب؟ ميلياردير مصري يجيب
نوع شائع من التوابل يقلل الالتهابات ويحسن المزاج لمرضى باركنسون
الاحتجاجات الإيرانية ضد الغلاء تتوسع وتشهد أولى الوفيات المدنية والعسكرية
لوحة “المسيح” رُسمت بعشر دقائق وبيعت بحوالي 3 ملايين دولار.. هكذا استقبل ترامب العام الجديد

# من واقع البيوت .. نماذج تُشوِّه معنى الرجولة

بقلم الأستاذة الدكتورة / أماني فؤاد

تُعد الرجولة في أصلها قِيمة أخلاقية، تقوم على “الاحتواء”؛ بمعنى التفهُّم والاستيعاب؛ ‏أي المشاركة والرعاية والمسؤولية، والحماية لو تطلَّب الأمر. إلا أن المجتمع المعاصِر ‏باتَ يشهد بروزَ نماذجَ “مشوَّهةٍ” من الرجولة، لا تمُت للإنسانية ولا للشهامة بصِلة؛ بل ‏تحوَّلت إلى فؤوس تهدِم أركان البيوت، وتخلُق فجوة عميقة بين الرجُل والمرأة.‏
وظهَرت على السطح مجموعة من النماذج، تسبَّبت في تقويض العلاقة الرئيسة في الحياة ‏بين الرجُل والمرأة؛ أي السكينة العاطفية والأُسرية، نماذج من الرجال حوَّلت الحياة إلى ‏جحيم، واقع تحترق فيه المرأة والرجُل معًا، في معظم الحالات.‏
وحين أتحدَّث عن هذه النماذج المشوَّهة من الرجال، لا أقصد أن أصوِّر المرأة مَلاكًا، أو ‏أنه ليس هناك نماذج مشوَّهة من النساء؛ بل على العكس، سأتناول في المقال القادم ‏نماذجَ محبِطةً من النساء، تتسبَّب هي الأخرى في هدْم الحياة الأُسرية.‏
بعض هذه النماذج المشوَّهة، التي طفَت على السطح، يمكن تسميتها بــ ((الرجُل ‏المتسلِّط))، الذي يعتقد أن الرجولة تُقاس بمدى فرْض السيطرة، وإلغاء شخصية المرأة. ‏وهو الذي يخلِط بين “القوامة” و”الاستبداد”، ولا يعرف الفرق بينهما. صاحب الصوت ‏العالي، والوجْه الصارم، الذي يحيل البيت من سكَنٍ آمِن إلى “ثكنة عسكرية”، يسودها ‏الخوف. هذا النوع يقتل المودَّة والرحمة، ويجعل المرأة تعيش في حالة دفاع دائم عن ‏النفس، أو استسلام مُهين، حين يسبُّها أو يضربها؛ مما يؤدي – في النهاية – إلى ‏انفجار العلاقة، أو موتها إكلينيكيًّا. كما يحدُث في بعض الحالات، أن تتخلَّص المرأة من ‏حياتها انتحارًا؛ لتنجُوَ من هذه القسوة والامتهان، أو يضطرها للتطاوُل عليه، وهنا تنمو ‏الكراهية، وتطغى على الرحمة والمودَّة، وتستبدِل السجونَ الخانقة بالبيوتِ.‏
وهناك أيضا ((الرجُل الاتِّكَالي))، أو ما يُسمَّى بالرجُل الطفل، هذا النموذج يهرُب من ‏مسؤولياته المادية والمعنوية، ويلقيها كاملة على عاتق المرأة. يحضُر بجسده؛ لكنه غائب ‏بقراراته ودعْمه. حياة المرأة مع هذا الرجُل تضطرها للقيام بدور”الأب والأم معًا”، مما ‏يسبِّب لها استهلاكًا، وضغوطًا جَمَّةً واحتراقًا نفسيًّا؛ حيث تشعر المرأة أنها “الرجُل” في ‏العلاقة؛ فتفتقد احترامها له كشريك، والاحترام هو العمود الفقري لأيِّ زواج ناجح.‏
ــ هناك أيضا ((الرجُل النرجسي))، الذي يشعُر أنه محور الكون؛ حيث احتياجاته، ‏وراحته، ورغباته هي الأولوية القصوى، “أنا رَب البيت؛ ومن ثم أرواحكم ومقدراتكم”، بينما ‏يتم تهميش مشاعر الزوجة واحتياجاتها ووجودها. فهو لا يرى في المرأة شريكًا؛ بل “أداة” ‏لخدمة صورته الذاتية، فيمارس التلاعب العاطفي، ويُشعِر المرأة دائمًا بالذنب والتقصير. ‏وينتقد بلا توقُّف كل تصرُّف تأتي به الزوجة، هذا التشويه يجعل العلاقة قائمة على ‏الاستنزاف، وليس التبادُل، مما يؤدِّي إلى انهيار الصحة النفسية للأُسرة ككل.‏
ــ كما أن هناك الرجُل ((المنفصِل عاطفيًّا))، الصامت الذي يشبه الصنَم، وهو الرجُل ‏الذي يرى أن التعبير عن المشاعر، أو الحوار، أو إظهار الضَّعف والاحتياج، نقْصٌ في ‏‏”رجولته”. ويعتمد على الصمت العِقابي، أو الجفَاء كأداة للتعامُل، ويفسِّر سلوكه أحيانًا ‏بالترفُّع، ويتجنَّب المواجهات، في حين أن الجفاء العاطفي هو “السُّم البطيء” للبيوت؛ ‏حيث تحتاج المرأة بطبيعتها إلى الأمان العاطفي، كما يتسبَّب غيابه عن المشاركة ‏والحوار والتفاعل في شعورها بالوحدة داخل بيتها، وفي العالم، وهو ما يدفَع العلاقة نحو ‏الطلاق الصامت أو الفِعلي.‏
وأحسب أننا بحاجة إلى إعادة بناء المفهوم الصحيح للرجولة الحقيقية، فالرجولة ليست في ‏ممارسة القوة “على” المرأة، ولا في التعالي عليها، ولا الانفصال وعدم المشاركة في ‏الحياة، ولا الترفُّع، كما يدَّعي البعض؛ بل في استخدام القوة “من أجْل” حماية واستقرار ‏الأُسرة. بينما تكمُن الرجولة في الإيمان بالمشاركة لخلْق طَعْم وذائقة ورائحة للأيام، ‏فالزواج “شَرَاكة” وليس “تبعيَّة”، واستيعاب أن اللين في التعامُل هو قمة القوة، وليس ‏ضَعْفًا، وإدراكًا لأهمية الوجود في تفاصيل الحياة، وتربية الأبناء، وليس الوجود فقط ‏كمموِّل مادي. واعتبار كرامة الزوجة وعِزة نفسها وسعادتها من كرامته وعِزته الشخصية ‏وسعادته.


ويتطلَّب إصلاحُ العلاقات والبيوت العودةَ إلى مفاهيم الخطابات المحرِّضة، أو التقليدية ‏المشوَّهة، التي أراها “المصنع”، الذي ينتِج هذه النماذجَ. وضرورة تفكيكها ومناقشة ما ‏تتسبَّب فيه من مشكلات؛ لتفادي استفحال وجود هذه النماذج، حيث يجب أن نتصدى ‏للأفكار والمقولات، التي تروِّج لهذه الرجولة المزيَّفة، فحين يكرِّر الرجال والنساء مقولة أو ‏خطاب “الرجُل لا يعيبه إلا جِيبه”؛ يختزلون الرجولة في المال فقط، وأحسب أن هذا ‏الخطابَ من أخطر الأفكار التي تهدِم البيوت؛ لأنه يعطي الضوء الأخضر للرجُل ليكون ‏سيِّئَ الأخلاق، أو جافَّ العاطفة، أو غير مسؤول تربويًّا، طالما أنه يُنفِق. هذا الخطاب ‏يخلُق “صرَّافًا آليًّا” وليس “شريك حياة”، ويجعل الرجُل يشعُر بالاستحقاق الزائد مقابل ‏المال.‏
كما أن خطاب “اكْسر للمرأة ضِلْعًا..” القائم على ثقافة الترهيب، يتسبَّب ضمْن خطابات ‏اجتماعية أخرى موروثة في تحريض الرجُل على استخدام القوة، أو “العين الحمراء”، منذ ‏اليوم الأول في الزواج؛ لفرْض السيطرة، حيث يصوِّر العلاقة الزوجية كأنها “حرب”، ‏يجب أن يكون فيها منتصِر ومهزوم. هذا الخطاب يقتُل الأمان، وبدون أمان لا يمكن ‏للمرأة أن تقدِّم مودَّتَها؛ فتتحول البيوت إلى ساحات للصراع الخَفي أو القمْع.‏
كما أن خطابَ “الرجُل لا يبكي ولا يعبِّر عن مشاعره” مغالِطٌ، وتظَل آثاره مدمِّرة؛ حيث ‏يتم تربية الصِّبْيَة على أن إظهار العاطفة “ضَعْف” أو “تشبُّه بالنساء”؛ فيَنتج عنه رجال ‏مصَابون بـ “الخرس الزوجي” أو الجفاف العاطفي. الرجُل الذي لا يستطيع التعبير عن ‏حُبه أو حُزنه، يلجأ غالبًا للغضب كطريقة وحيدة للتعبير، مما يدمِّر التواصُل مع الزوجة ‏والأبناء.‏
كما أن التفسير الخاطئَ للقوامة خطابٌ يصوِّر الرجُلَ “إلهًا” صغيرًا في بيته، لا يُسأل عمَّا ‏يفعل، والجميع عليه الطاعة دون نقاش، هذا الخطاب يلغي مبدأ “الشورى” و”المشارَكة”. ‏في حين أن القوامة في جوهرها “خدمة” ورعاية، وليست امتيازًا للتسلُّط. فعندما يتبنَّى ‏الرجُل خطاب السيادة المطْلَقة؛ فإنه يهدِم إنسانيةَ الطرف الآخَر.‏
وتظهر آثار خطاب “الرجُل الخارق القوي” مدمِّرةً لنفسية المرأة؛ حيث تبرِّر للرجُل نزواته، ‏بحُجَّة “غريزته”، هذا الخطاب الادعائي يجعل الرجُل يشعر أن الالتزام والوفاء واللين ‏صفاتٌ “ناعمة ومحدودة”، لا تليق ببطولاته وإمكاناته؛ مما يدفعه للبحث عن إثبات ‏رجولته في علاقات متعددة، أو سلوكيات عدوانية خارجة عن إطار الاستقرار الأُسري.‏
وبقليل من العقلانية، لو فنَّدنا هذه الخطاباتِ؛ لوجدناها “تُربة سامة”، تنبِت علاقاتٍ ‏مشوَّهةً. وأحسب أن الحَل يبدأ باستبدال خطاب المسؤولية والمودَّة بمثل هذه المقولات ‏والخطابات، الذي يرى في الرجُل “السنَد”، وفي المرأة “الشريك”، والذي يُعلِي من قيمة ‏الإنسانية، التي أول دعائمها الأخلاق والاحتواء فوق القوة المادية والبدنية.‏

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print
booked.net