عاجل

الزيدي يزور إيران
بعد فيديو سائق الشاحنة والسيارة النقل، ملياردير إماراتي يوجه رسالة للمصريين
فنان مصري يفاجئ ياسر جلال بنومه في الشارع.. وتحرك لإنقاذه
الشبهات تحوم حول محامية مصرية معروفة بارتكاب جريمة مروعة
# الذكاء الاصطناعي… المربي الخفي
# صيف قائظ ..وإحباط عربي !!
ماذا حدث مع الطفل المصري “مكاري يونان”، وهل استبعد بسبب ديانته؟
الحوثيون يعلنون “مهاجمة ناقلتي نفط سعوديتين خرقتا الحصار المفروض في البحر الأحمر”
الجيش الأمريكي يعلن شن ضربات جديدة على إيران لليلة الـ 12 على التوالي
روسيا تمنح اعتمادا مبدئيا لمطارين دوليين جديدين في مصر
اتفاق نووي تاريخي بين واشنطن والرياض.. تعاون مدني يفتح الباب أمام مرحلة جديدة
أوفى بوعده لنادر نور.. تركي آل الشيخ يكتب كلمات أغنيتن من ألبوم عمرو دياب “حبيتِك”
مستشهدا بـ”الحروب الصليبية”.. شيخ الأزهر يرد على ارتباط جماعات متطرفة بالإسلام
عراقجي: أي طرف يشارك في العدوان على إيران أو يدعمه سيُعتبر هدفا مشروعا
مصر.. أول اعتراف رسمي بتأثير نظام “الطيبات” على الأسواق

قراقوش المفترى عليه

كتب / رضا اللبان

أحدثكم اليوم عن رجلٍ راح ضحية الأدب المفتري، كما راح كافور ضحية الشعر الظالم.. هو قراقوش.
وقراقوش المسكين الذي صار على ألسنة الناس في كل زمان وكل بلد المثل المضروب لكل حاكم فاسد الحكم، فكلما أراد الناس أن يصفوا حكمًا بالجور والفساد قالوا: هذا حكم قراقوش.
وقراقوش معناها بالتركية: النسر الأسود (قوش: نسر، قرا: أسود).
إن قراقوش له صورتان: صورة تاريخيَّة صادقة، وصورة روائيَّة صوَّرها عدوٌّ له من منافسيه.
والعجيب أن الصورة التاريخية الحقيقية طُمست ونُسيت، والصورة الخيالية بقيت وخُلِّدت، فلا يذكر قراقوش إلا ذكر الناس هذه الحكايات العجيبة، وهذه الأحكام الغريبة التي نسبت إليه، وافتريت عليه.
فمن هو قراقوش؟
هو أحد قادة بطل الإسلام صلاح الدين الأيوبي، كان من أخلص أعوانه وأقربهم إليه، وكان قائدًا مظفرًا، وكان جنديًّا أمينًا، وكان مهندسًا حربيًّا منقطع النظير.
وكان مثالاً كاملاً للرجل العسكري، إذا تلقى أمرًا أطاع بلا معارضة ولا نظر ولا تأخير، وإن أمر أمرًا لم يرض من جنوده بغير الطاعة الكاملة، بلا اعتراض ولا نظر ولا تأخير.
وكان أعجوبة في أمانته، لما أحس الفاطميون بقرب زوال ملكهم شرعوا يعبثون بنفائس القصر، ويحملون منها ما يخف حمله ويغلو ثمنه، وكان القصر مدينة صغيرة، كدَّس فيها الخلفاء الفاطميون خلال قرون من التحف والكنوز والنفائس ما لا يحصيه العدُّ، ولو أن عشرة لصوص أخذوا منه ما تُخفِي الثياب، لخرج كلٌّ منهم بغنى الدهر ولم يحس به أحد.
فوكل صلاح الدين قراقوش بحفظ القصر، فنظر فإذا أمامه من عقود الجواهر والحلي النادرة والكئوس والثريات والبسط المنسوجة بخيوط الذهب ما لا مثيل له في الدنيا، هذا فضلاً عن العرش الفاطمي الذي كان من أرطال الذهب، ومن نوادر اليواقيت والجواهر، ومن الصنعة العجيبة ما لا يقوّم بثمن.
وكان في القصر فوق ذلك من ألوان الجمال في المئات والمئات من الجواري المنحدرات من كل أمم الأرض، ما يفتن العابد..
فلا فتنه الجمال، ولا أغواه المال، ووفَّى الأمانة حقها، ولم يأخذ لنفسه شيئًا، ولا ترك أحدًا يأخذ منها شيئًا.
وهو الذي أقام أعظم المنشآت الحربية التي تمت في عهد صلاح الدين، وإذا زرتم القلعة المتربعة على المقطم المطلة على المدينة، فاعلموا أن هذه القلعة، بل هذه المدينة العسكرية، أثر من آثار قراقوش.
وإذا رأيتم سور القاهرة الذي بقي من آثاره إلى اليوم ما يدهش الناظر، فاعلموا أن الذي بَنَى السور وأقام فيه الجامع وحفر البئر العجيبة في القلعة هو قراقوش.
ولما وقع الخلاف بين ورثة صلاح الدين وكادت تقع بينهم الحرب، ما كفَّهم ولا أصلح بينهم إلا قراقوش.
ولما مات العزيز الأيوبي وأوصى بالملك لابنه المنصور وكان صبيًّا في التاسعة، جعل الوصي عليه والمدبر لأمره قراقوش، فكان الحاكم العادل، والأمير الحازم، أصلح البلاد، وأرضى العباد.
هذا قراقوش، فمن أين جاءت تلك الوصمة التي وُصم بها؟! ومن الذي شوَّه هذه الصورة السويَّة؟!
إنها جريمة الأدب يا سادة.
لقد أساء المتنبي إلى كافور، فألبسه وجهًا غير وجهه الحقيقي، وأساء ابن مماتي إلى قراقوش، فألبسه وجهًا غير وجهه الحقيقي.
ولم يعرف الناس من الاثنين إلا هذا الوجه المعار كوجوه الورق الذي يلبسها الصبيان أيام العيد.
وابن مماتي هذا كاتب بارع وأديب طويل اللسان، كان موظفًا في ديوان صلاح الدين، وكان الرؤساء يخشونه ويتحامونه، ويتملقونه بالود حينًا وبالعطاء حينًا. ولكن قراقوش وهو الرجل العسكري الذي لا يعرف الملق ولا المداراة لم يعبأ به، ولم يخش شره، ولم يدرِ أن سن القلم أقوى من سنان الرمح، وأن طعنة الرمح تجرح الجرح فيشفى، أو تقتل المجروح فيموت، أما طعنة القلم فتجرح جرحًا لا يشفى ولا يريح من ألمه الموت..
فألَّف ابن مماتي رسالة صغيرة سمَّاها “الفافوش في أحكام قراقوش”، ووضع هذه الحكايات ونسبها إليه.
وصدَّقها الناس، ونسوا التاريخ.
ومات قراقوش الحقيقي وبقي قراقوش الفافوش، كما مات كافور التاريخ وبقي كافور المتنبي، وكما نسي عنترة الواقع وبقي عنترة القصة.
هذا يا سادة سلطان الأدب، فيا أيها الأدباء اتقوا الله في هذا السلطان، ويا أيها الناس لا تنخدعوا بتزييف الأدباء.
المصدر: كتاب (رجال من التاريخ – الجزء الأول) للشيخ علي الطنطاوي.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print
booked.net