بقلم الأستاذة الدكتورة / أماني فؤاد
تعد ظاهرة اختزال المبدع في نص واحد إحدى الظواهر النقدية والثقافية المثيرة للجدل، حيث تشير إلى ميل المتلقين والنقاد والمؤسسات الثقافية إلى ربط شخص المبدع (الكاتب، الشاعر، الفنان) بعمل إبداعي واحد محدد، واعتباره هذا النص الممثّل الأوحد والأبرز لمسيرته وإنجازه الفني أو الأدبي بأكمله، حتى لو كان المبدع قدّم أعمالاً أخرى ذات قيمة.
لماذا نختزل كل شيء، وكل شخص، وكل قضية في صفة أو معيار وحيد، لماذا نختزل المبدع في نص واحد في الغالب؟
هل تقوم هذه الظاهرة على مبدأ التكثيف والتبسيط؟ حيث يتم تجميع التجربة الإبداعية الطويلة والثرية للمبدع، بما فيها من مراحل تطور، وأساليب متعددة، وتجارب فنية متنوعة، في إطار نص واحد يختصر كل هذا التنوع، فيصبح هذا النص بمثابة “الأيقونة” التي تُعرف به، وتُطبع صورته في الوعي الجمعي.
فعندما يُذكر اسم (الطيب صالح) مثلا، يتداعى إلى الذهن مباشرة عنوان رواية ”موسم الهجرة إلى الشمال”، وعندما يذكر اسم (صلاح عبد الصبور) يستحضر الذهن ديوان “الناس في بلادي”، وكثيرا ما يتم الحكم على مسيرة الكاتب بالكامل بناءً على هذا العمل، وقد يُهمل أو يُنسى باقي إنتاجه.
هذه الظاهرة في تصوري لا تنفصل عن “أفعل التفضيل” الشائعة في الثقافة العربية، حيث (يوسف أدريس) أفضل من يكتب القصة القصيرة، و(نجيب محفوظ) أفضل من كتب الرواية، ويركن صاحب هذه الآراء اليقينية الجاهزة ــ في الغالب ــ للدعة والسهولة، حيث لا يبذلون الجهد الكافي للبحث في مميزات مشروع الكاتب مكتملا، كما إبراز التفاصيل وسمات كل عمل على حدة. الاستسهال وتعميم الأحكام هو الملمح الذي امتد من التاريخ الثقافي العربي حتى الآن.
ومن البديهي أن نتساءل: لماذ امتد، لماذا تفتقر ثقافتنا للتقصي الدقيق، والإحاطة؟ ولماذا نحن مغرمون بأفضل وأمهر وأكبر، وكل صيغ المبالغة هذه؟ وأحسب إن الافتقار للفحص الدائم والتقصي يرجع لعدة عوامل، أهمها: التكلس الذي يشمل عادة المناخ السياسي والديني والثقافي، حيث الافتقار للحريات، وشيوع “النقل عن”، وترديد الشائع، والخوف من الخروج عنه، والمواجهة بأراء ورؤى أخرى غير المتوارثة، أو المتواترة.
والمراقب للمشهد الثقافي العالمي أيضا يلحظ أن مجتمعاتنا العربية أكثر تصديرا لتلك الأحكام العامة الشائعة، التي تنزع للاستسهال، وتتضمن قصورا فادحا، لكننا نجد أيضا مثل هذه الظواهر والأحكام في المجتمعات الغربية، لكن ليس بدرجة انتشارها في المشهد الثقافي العربي.
هل يمكننا أن نرجع ظاهرة اختزال الكاتب العربي في نص واحد إلى ضحالة الوعي، وسرعة إطلاق الأحكام، وميلها للسطحية، مثل طرق تناول معظمنا للكثير من القضايا، بمعنى أن الوعي المحدود يقف وراء اختزال الإنسان في صفة واحدة، وتكرار المقولات، وترديد الأحكام العامة الشائعة عن الكتّاب وتأبيدها، دون فحص أو غربلة، هذا الوعي الذي يتشكل كما سلوك البشر التي تلتقط وتجري، يختطفون شعار أو مقولة دون تعمق أي حكم، ودون تقصي ومتابعة مستمرة، ليس هذا فقط، بل يتمادون في تصديق أحكامهم المتسرعة، فيخترعون المسميات العجيبة ليبررون تقصيرهم في دأب البحث والمثابرة عليه، كأن نستمع لمقولة النص المؤسس لمشروع الكاتب، انتاجه الذي يكرره بايقاعات وتيمات مختلفة، أو بيضة الديك!! وتنطوي ظاهرة الاختزال هذه على أبعاد متعددة، نقدية، ثقافية، وسيكولوجية:
فكل تسطيح للتجربة الإبداعية لكاتب يؤدي إلى إفقار فهم تجربة المبدع مكتملة، حيث تُغفل أعماله الأخرى، التي قد تَكشف عن جوانب مختلفة من فنه أو مراحل تطوره الفكري والجمالي.
كما أن هذا النهج قد يؤدي أحيانا إلى تشويه نية المبدع، فقد يُساء فهم العمل المختزَل نفسه لأنه يُفصل عن سياقه العام، ضمن مسيرة المبدع، مما قد يحد من تفسير أبعاده المتعددة.
كما يبرز الاختزال سلطة القارئ والناقد، حين يتخذ الجمهور والنقد دورًا فاعلاً في فرض هذا الاختزال، ويتم إعلاء النص المختار؛ ليصبح معياراً يُقاس عليه كل ما سواه. كما يؤسس الاختزال لأحكام ترسخها الذاكرة الجمعية والثقافة السريعة، ففي عصر السرعة وتدفّق المعلومات، تبحث الذاكرة الجمعية عن مفاتيح سريعة ومختصرة لتعريف المبدعين، ويكون النص الواحد هو الأداة الأسهل للترميز والتدريس والحديث الإعلامي.


كما تلعب أيضا دور النشر والمؤسسات الثقافية والإعلامية دورًا في تثبيت هذا الاختزال لأغراض تسويقية، أو لسهولة الترويج لاسم المبدع، من خلال عمل ”ناجح تجارياً” أو “شائع جماهيرياً”. وهنا تتبدد الكثير من الفرص للمواهب ويتم ترسيخ مجموعة من أسماء مبدعين، حتى لو نضبت عطاءاتهم.
فالثقافة في مشهدها الكلي، بمؤسساتها الرسمية وغير الرسمية تسعى إلى خلق أيقونات أدبية أو فنية راسخة ومقيمة في الأذهان؛ ليصبح النص الواحد هو الرمز الذي يمثل المبدع ويُخلّده، حتى لو كان على حساب النظر لغنى إنتاجه المتعدد.
وتميل التفضيلات ــ عادة ــ للتكريس للمبدعين المتوافقين مع أنواع السلطة المختلفة، هؤلاء الذين لا يجرحون الثوابت، ولا يلقون بالأحجار في المياة الراكدة، وبالطبع يتعين أن تكون نصوصهم من النوعية ذاتها.
وفي شيوع هذا الاختزال يشعر المبدع بأن هذا العمل “المُختزَل” أصبح سقفاً يُقاس عليه، مما يضع قيوداً على حريته في إنتاج أعمال لاحقة تخالف هذا النمط أو تتجاوزه. يحكي (يوسف زيدان) مثلا إنه بذل جهدا مضاعفا في كتابته لرواية ”النبطي” وبالرغم من هذا تظل روايته “عزازيل” هي الأشهر، والتي ترد على الأذهان مباشرة إذا ورد اسم كاتبها.
وقد يشعر المبدع مع هذه الظاهرة بأن ذاته الإبداعية الحقيقية بكل مراحلها لم تُفهم، وأن اسمه بات مرتبطًا بظلال عمل واحد يحجب نور باقي الأعمال.
هذه الظواهر تتسبب في ركود الحراك الثقافي، والحد من حيويته المستمرة، كما أن الاطمئنان لهذه الاحكام المتعجلة تجعل اختيارات البحث الأدبي الأكاديمي والدارسين تركز على هذا الشائع، وتبتعد عن إبراز مشروع الكاتب برمته، وفي جوانبه المختلفة. وأحسب أن ازدهار الحركة النقدية سواء داخل أسوار الجامعات، أو خارجها في المشهد الثقافي العام والأنشطة التي تحدث به، والمتابعات الإعلامية الثقافية، في مجلات الأدب والثقافة، وفي القنوات الفضائية، وليس المتخصصة فقط هي التي بإمكانها أن تبدد تلك المقولات الشائعة السهلة التي لا تملك حقائق متماسكة. حيث بإمكان الدارس المتقصي المنفتح على التعدد تفكيك الكثير من تلك المقولات الشائعة، وإثبات أن لكل نص روائي أو أدبي لكل كاتب جانبا من الجمال والإبداع لا يتوفر إلا في ذاته، فاستسهال الأحكام، ثم ترديدها لدرجة تصديقها يظل العدو الدائم للتقصي والوصول للحقائق.
تظل ظاهرة اختزال المبدع في نص واحد إشكالية معقدة، فبقدر ما تساهم في ترسيخ أسماء المبدعين في الذاكرة الثقافية عبر عمل خالد، فإنها تهدد في الوقت ذاته بـتسطيح مسيرتهم الفنية وتضييع ثراء إنجازهم. إن فهم هذه الأبعاد يمثل خطوة أولى نحو قراءة أكثر شمولية وإنصافًا للإبداع والمبدعين.






















































