بقلم / رضا اللبان
وصلت إلى روما في ليلة خانقة. كانت المدينة نائمة.
لكن اسمًا واحدًا كان مستيقظًا منذ ألفي عام. نيرون.
الإمبراطور الذي يتهمه الناس بإحراق روما. الرجل الذي قيل إنه قتل أمه. وقتل زوجته. وعزف الموسيقى بينما كانت المدينة تلتهمها النيران. كلما قرأت عنه وجدته أقرب إلى شخصية أسطورية منه إلى إنسان حقيقي. لذلك قررت أن أبحث عنه بنفسي. وبعد رحلة طويلة بين أروقة التاريخ وجدته جالسًا وحده. لم يكن يحمل قيثارة. ولم تكن خلفه ألسنة لهب. بل كان رجلًا هادئًا ينظر إلى الأفق. اقتربت منه.
وقلت: أأنت نيرون؟
ابتسم وقال: وهل ما زالت روما تحترق في زمنكم؟
قلت: لا. لكن اسمك ما زال يحترق.
فضحك. وقال: إذن اجلس. فلعل التاريخ أعطاك نسخة واحدة فقط من القصة. جلست أمامه.
وقلت: لنبدأ من البداية. هل ولدت أميرًا؟
قال: لا. لكنني ولدت قريبًا من العرش. كانت أمي أجريبينا من أقوى نساء روما. وحفيدة الأسرة الحاكمة.
وكانت تؤمن أن ابنها خُلق ليحكم.
قلت: وهي التي أوصلتك إلى العرش؟
قال: نعم. تزوجت الإمبراطور كلوديوس. وأقنعته بتبنيّ. ثم وجدت نفسي وريثًا لإمبراطورية تمتد عبر العالم المعروف.
قلت: وهناك من يتهم أمك بتسميم كلوديوس.
ابتسم. وقال: وهناك من يتهمني بإحراق روما. في السياسة تختلط الحقيقة بالشائعات حتى يصعب التفريق بينهما.
قلت: لكنك أصبحت إمبراطورًا وعمرُك سبعة عشر عامًا فقط.
قال: وكان الجميع يتوقع أن أكون دمية في يد أمي.
لكنني رفضت.
قلت: وانتهى الأمر بقتلها. ساد الصمت.
ثم قال: نعم. وهذه جريمة لا أملك تبريرها. مهما اختلف المؤرخون حولي. لن أجادلهم في هذه.
قلت: جيد. دعنا ننتقل إلى التهمة الأشهر. هل أحرقت روما؟ نظر إليّ مباشرة.
ثم قال: هل رأيتني أشعل النار؟
قلت: لا.
قال: هل رأى المؤرخون ذلك؟
قلت: لا.
قال: إذن لماذا أصبحت مذنبًا قبل أن تبدأ المحاكمة؟
سكتُ. فأكمل: عندما اندلع الحريق سنة 64 ميلادية كنت خارج روما. وعندما عدت فتحت الحدائق والمباني العامة لإيواء المشردين. هذه حقائق. أما الباقي فاتهامات.
قلت: لكن الناس تقول إنك كنت تعزف الموسيقى بينما المدينة تحترق. ضحك.
وقال: يبدو أن هذه القصة أجمل من الحقيقة. لذلك صدقها الجميع.
قلت: إذن أنت تنكرها؟
قال: أنا أنكر أن أحدًا يملك دليلاً عليها. وهنا بدأت أشعر أنني أمام متهم بارع في الدفاع عن نفسه.
فسألته: لكن لماذا كرهك الرومان؟
قال: لأنني كنت مختلفًا. أحببت الشعر. والمسرح.
والغناء. وظهرت أمام الجماهير كمغنٍ وممثل.
قلت: وما المشكلة؟
قال: في زمنكم ربما لا توجد مشكلة. أما في روما فالإمبراطور يجب أن يكون قائدًا عسكريا. لا فنانًا على المسرح. لقد رأوا فيّ فضيحة تمشي على قدمين.
قلت: ومع ذلك اتهمك كثيرون بالاستبداد.
قال: وهل كان هناك إمبراطور روماني بلا استبداد؟
ضحكت. فابتسم هو أيضًا. ثم أكمل: الحقيقة أنني كنت إمبراطورًا له أخطاء كثيرة. لكنني أيضًا ورثت أعداء كثيرين. والمنتصرون عادة هم من يكتبون الكتب.
قلت: وكيف انتهت قصتك؟
قال: كما تنتهي قصص الحكام دائمًا. عندما يبتعد الحظ. ويقترب الطامعون. بدأت الثورات. وتخلى عني الجيش. وأعلن مجلس الشيوخ أنني عدو للدولة.
فأصبحت فجأة الرجل الذي كان يحكم العالم… ولا يجد مكانًا يختبئ فيه.
قلت: وهل خفت؟ نظر بعيدًا.
وقال: كل إنسان يخاف عندما يسمع خطوات نهايته تقترب. ثم أضاف: وعندما أدركت أن القبض عليّ أصبح مسألة وقت… اخترت أن أموت بيدي.
قلت: ويقال إن آخر كلماتك كانت:
“يا له من فنان عظيم يموت فيّ.” ابتسم.
وقال: ربما قلتها. وربما أضافها أحد المؤرخين ليجعل النهاية أكثر درامية. فحتى موتي لم يسلم من الروايات.
وقفت استعدادًا للرحيل. ثم التفت إليه وسألته السؤال الأخير: بعد ألفي عام من أنت حقًا؟الطاغية؟أم الفنان؟أم الضحية؟ ابتسم نيرون.وقال: لو عرفت الإجابة لانتهى الجدل. ولما بقي اسمي حيًا حتى اليوم. اختفى الرجل. وبقي السؤال. ربما قتل أمه. وربما ظلم خصومه. وربما ارتكب أخطاءً لا تُغتفر.لكن المؤكد أن التاريخ حاكمه قبل أن يسمع دفاعه. ومهما كانت الحقيقة… فإن حريق روما انتهى منذ ألفي سنة. أما حريق اسم نيرون…فما زال مشتعلاً حتى الآن.وأظن أنه لو عاد اليوم ورأى ملايين الناس ما زالوا يتجادلون حوله…لابتسم ساخرًا ويقول:”العجيب أن روما نفسها أعيد بناؤها منذ قرون…أما قضيتي فما زالت في المحكمة!”























































