بقلم / عمار علي حسن
سمعت الكثير جدًا من آراء متناقضة حول ما يسمى نظام “الطيبات” الغذائي، بين مدح وقدح، وأثر من علم وتأثير من خرافة، وأشكال من انفعال وافتعال، ولون من التدين ونوع من التفلت، لم تقتصر بالنسبة لي على وسائل التواصل الاجتماعي الإلكتروني، إنما أنصت إلى أناس، وبعضهم من النخبة يقولون إنهم اتبعوه فأراح أجسادهم بعد تعب، وشفاهم بعد سقم، وآخرون يسخرون منه إلى أبعد حد، ويرونه تعبيرًا عن شقاء مجتمعنا بالتفكير الخراافي، والتدين المغشوش، والاستسهال والارتجال والتحمس لكل غريب وشاذ، والتهرب الدائم من مواجهة الحقيقة، علمية كانت أو واقعية.
ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن صاحب الطيبات لم يخترع معدومًا، إنما جمع نثار آراء متداولة في الشرق والغرب بعضها ورد في كتب تراثية عن الطب أو تصورات جاد بها علماء تغذية محدثون ومعاصرون، وقدمها للناس على أنها ابتكار غير مسبوق، فيرد آخرون بأن أحدًا من قبل لم يقدم الأمر في صيغة متكاملة مثلما فعل د. ضياء العوضي، ولم يشرح علاقة الطعام بالعلاج على هذا النحو البسيط غير المستغلق على أفهام عموم الناس، وأنه قدم أفضل شرح لعمل الخلية في أجسادنا، بل يقول هؤلاء إن ما يحمد للرجل أنه لم يضن بعلمه مثل غيره، إنما خلق منه “صيحة إعلامية” و”صحوة طبية” جعلت الناس تشتبك حوله أخذًا وردًا على هذا المستوى الذي لم يشهده الطب أو الاهتمام بالصحة في مجتمعنا من قبل.
ابتداء، فطوال الوقت هناك تعايش من بعض الناس مع “الطب البديل” و”الطب الشعبي” ويجلب لهم أحيانًا فائدة، وفي أوقات لا يكفي ويورد من يعتمد عليه مورد الهلاك أو على الأقل التوعك، ولم يخل الزمن من أطباء التغذية الذين يصفون مختلف الحمى الغذائية لمرضى كثيرون تحت لافتة “غذاؤك دواؤك”، أو “المعدة هي بيت الداء” أو أولئك الذين يعملون بالقاعدة الذهبية التي تقول “درهم وقاية خير من قنطار علاج” أو ينتبهون إلى المثل الشعبي المتوارث “إن وجعتك بطنك فاحرمها، وإن وجعتك عينك فاكرمها.”
لكن التزام البعض بهذه القاعدة، أو هذا السبيل في التداوي، أو ذلك المثل الذي لا يخلو من معنى طبي، كان يسري دون ضجيج، وينساب دون صناعة “فتنة” أو يفتح الطريق لاشتباك حول “الجدوى”، ويشرع نوافذ لا حصر لها لأناس كي يسردوا على مسامعنا تجاربهم في العلاج، مثلما حدث مع نظام “الطيبات”.
وما زاد من هذا هو صفات من أطلق هذا النظام وقدراته الشخصية، فهو في أساسه ليس بمشعوذ أو هاو في مجال الطب، إنما هو رجل كان يحمل درجة الدكتوراه في هذا التخصص، وكان من أنجب وأذكى التلاميذ والطلاب طوال مراحله التعليمية، ومارس المهنة من خلال عمله فترة طويلة كطبيب مقيم لعلاج الألم بقسم “العناية الفائقة”، وإقدامه على فتح عيادة طبية ظل سنوات يستقبل فيها مرضاه، وسنوات مثلها يشرح رؤيته لتلاميذه كأستاذ جامعي، أو من خلال التواصل المسجل صوتًا مع مرضاه، أو عبر حسابه على “يوتيوب” فضلًا عن اللقاءات التي جرت معه واستضافه فيها إعلاميون بارزون.
وبدا العوضى في كامل إطلالته شخصية محيرة، إذ تقلب بين حالين، هدوء ووضوح وأناة في الشرح خلال إطلالاته الأولى لإفهام من يتابعه، وتركيز تام على الناحية الطبية، ثم طيش وانفعال وغطرسة وخروج على اللياقة فيما ينطقه من ألفاظ أو يبديه من إيماءات وإشارات، وتشتت في الطرح، وتناقض أحيانًا وارتباك، وانزلاق إلى قضايا أخرى وجدها خصومه فرصة لطعنه، مثل تصوره عن المرأة، وإظهاره رغبة في الانتقام من زملائه الأطباء حين قال: “سأجعلهم جميعًا يغلقون عياداتهم.”
وفي هذا رسمت للرجل صورتين، العبقري المنحاز إلى الصالح العام، والملتاث المنحاز إلى نفسه، حتى بلغ الحد ببعض الناس أن يصفوه بالمضطرب نفسيًا، بل هناك من شخصه على أنه مريض “ذهان”، ويوجد من قال إنه مصاب بجنون العظمة (البارانويا)، وهي حالة ينفيها عنه المتحمسون لطرحه، وبعض من طبقوه وقالوا إنه قد أتى إليهم بنتائج جيدة، ويقولون إن فرط عصبيته وطيشه إنما هي راجعة إلى الظلم الشديد الذي وقع عليه، وأن من الضروري ألا نستغل حالته النفسية والعصبية تلك لإهالة التراب على نظام “الطيبات” أو التشكيك فيه، ولا نلتقط بعض العبارات المتسرعة التي نطق بها لنقيم بها كل ما قاله، وبعضه قال به غيره من قبل، وتقبله الناس.
وجاءت “الدراما” التي أحاطت بحياة العوضي لتعطي طرحه ذيوعًا، فهو ابن أستاذ في كلية الزراعة كان يحابي أخاه الأكبر على حسابه لكنه التقط منه بعض ما يجري في الزراعة الحديثة، وهو الطبيب الذي تم رفته من التدريس بكلية الطب، وأسقطت نقابة الأطباء المصريين عضويته، فمنع من ممارسة مهنته، وهو من أحاط غموض بموته، على الأقل في أذهان كثيرين من متابعيه وأتباعه، فبدا في نظرهم الرجل الذي ضحى في سبيل تصوره، بعد أن قام بتطبيقه أو تجريبه على نفسه سنوات، ثم مات في سبيله، في مؤامرة مدبرة للتخلص منه، حاكها ضده أعدائه من أصحاب شركات الأدوية إلى مناهضى المنهج الإلهي في الأرض.
وزاد من الأمر وجودنا في زمن ثورة الاتصالات التي أطلقت العنان للتفكير الشبكي، وما يصنعه من تسارع وتيرة النقاش، وجذب المهتمين كل يوم، وإعطاء فرصة للجميع، على اختلاف تعليمهم وتثقيفهم وخلفياتهم المهنية، وأعمارهم، وتجاربهم الحياتية ليشتبكوا في هذا النقاش، ويمنحونه قوة دفع تنقله من المكان المحلي إلى الإقليم، ومنهما إلى العالم بأسره، بعد أن صار الحديث في الموضوع مغريًا للمؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي في جذب كثير من المتابعين، وجني مزيد من الأرباح المالية، حتى أن بعض هؤلاء جاءوا بشهادات لعلماء وأطباء أجانب يتحدثون عن علاقة الغذاء ببعض الأمراض.
ولست في هذا المقام بصدد تناول حجية نظام “الطيببات” أو تهافته، ولا الرد على الآراء المتناقضة حوله، فالزمن وحدة سيكشف للناس الكثير حول الأمر، إنما اهتمامي ينصب على مسائل سبع أخرى، من واقع ما دار ويدور، يمكن عرضها في النقاط التالية:
1 ـ الافتئات على ثمرة العلم، وهو هنا مزدوج الحضور، فالعوضى لم يقدم دراسة تجريبية نظمئن إليها في جدوى نظام “الطيبات”، مكتفيًا بشهادات بعض من طبقوه وقالوا إنه قد أفلح معهم. ورغم زعمه أن هناك دراسة بالفعل قام بها على مائة من مرضى السرطان قد شفيوا لاتباع نظامه، إلا أن شيئًا من هذا لم يظهر إلى الآن، وفي ذلك خروج على تقاليد طبية مرعية تمنح الثقة لدراسات منشورة في دوريات علمية عالمية، وهي مسألة مطلوبة بالطبع لكل اختراع أو صيحة طبية يمكن الوثوق في نفعها للناس.
ولم يكن العوضى صريحًا من الناحية العلمية مع نفسه والآخرين ليبين لنا أن نجاح نظامه مع البعض لا يعني بالضرورة نجاحه مع الكل، فالحميات الغذائية تنجح بالفعل في شفاء بعض الأمراض، أو التقليل من ضررها، وهذا ثابت في تاريخ الطب، لكنها ليست بالضرورة ترياقًا لكل الأمراض كما يقول العوضى، ويمكنها أن تؤدي إلى العكس مع أمراض مزمنة، مثلما رأينا بعض شكوى من أوقفوا حقن الأنسولين أو الغسيل الكلوي واكتفوا بـ “الطيبات” فتردت أحوالهم، بل هناك من يقول إن بعضهم قد فارق الحياة بالفعل.
ويمكنني أن أضرب هنا مثلًا للتوضيح في تلك التجربة التي قام بها علماء تغذية أمريكيون بتطبيق حمية غذائية على عينة من ألف شاب مصابين بمرض السكري من النوع الثاني، وكيف أنها نجحت في علاج خمسين منهم بشكل تام. معنى هذا، وعطفًا على طرح العوضى، أنه لا يمكن الاحتجاج بشفاء خمسين شخصًا على أن هذه الحمية ناجعة، وتمثل بديلًا للعلاج الدوائي، إنما كان يمكن أن نقول هذا لو أن الحمية نجحت في علاج الأغلبية الكاسحة من هؤلاء المرضى، وهي مسألة ضرورية قبل اقتراح أي وصفة علاجية، بالأغذية، أو الأدوية.
فالواقع أن هناك من تحدثوا عن نجاعة الطيبات معهم، لكن كم حجم هؤلاء مقارنة بمن حدث العكس معهم؟ وهل هؤلاء كانوا لا يعانون من أمراض مزمنة وبالتالي تعاملوا مع “الطيبات” على أنها نوع من الوقاية؟ أم كان بعضهم مرضى بالفعل؟ وما مستوى مرضهم؟ أكانوا فيه على الحافة أو في البداية؟ أم كان المرض قد تمكن من أجسادهم وفق ما أثبتته التحاليل والأشعات وتشخيص الطب البروتوكولي؟
وكيف يمكن للعوضى اختزال أسباب المرض في التغذية السيئة أو الملوثة أو المسمومة بينما هناك أسباب أخرى مستقرة في تاريخ الطب عن كثير من الأمراض منها الوراثة ذات الدور الحاسم في هذا الشأن، مثل السكري وأمراض المناعة وبعض السرطانات وأمراض نفسية مثل الفصام، وكذلك العوامل البيئية؟ وكيف له إنكار أن بعض الاضطرابات غير معروفة أسبابها مثل “التوحد”؟ وكيف له أن ينكر أن الطب الحديث ساهم في زيادة متوسط أعمار الناس في أرجاء المعمورة، ليصل إلى ما يربو على السبعين والثمانين عامًا في بعض الدول، بعد أن كان بين الأربعين والخمسين في القرن التاسع عشر؟ وكيف له أن يستبعد دور الدواء في احتفاظ مصابين بأمراض مزمنة ومنها السكري والتليف الكبدي الجزئي بحياتهم عشرات السنين بفضل انتظامهم في تعاطي الدواء؟ ولماذا لم يتوقف عند تبين عدد من يعالجون بالدواء مقارنة بمن لا يعالجون؟ وكيف له وهو طبيب متخصص في علاج الألم أن ينكر دور العقاقير في التخفيف منه أسرع من أي غذاء مقترح؟
على الجانب الآخر لم يعمل رافضو نظام “الطيبات” ما يطلبه العلم حول أي ادعاء أو خيال طبي جامح، فيحوله إلى أسئلة من الضروري الإجابة عليها، أو افتراضات قابلة للإثبات أو النفي، والاعتماد أو الدحض. فتاريخ العلوم ينبئنا بأن كثيرًا من المزاعم أو التهيؤات قد رسخت حين تم تقديم الدليل عليها، وفيما لم يقدم العوضى هذا الدليل الحاسم، أو شبه الحاسم، اكتفى قادحوه بالتشكيك العارم في طرحه، ولم يأت، على الأقل إلى الآن، من علماء الطب من يضع هذا موضع الفحص والدرس المتأني، ليثبت صوابه أو خطأه، بنسب معقولة ومجدية.
كما لم نجد من علماء التغذية من يعكفون على فحص ما قاله العوضى عن تلوث ما نأكله ونشربه، فيصارحون الناس بأن كثيرًا منه قد فسد أو بات على شفا الفساد لأسباب عدة، أو يعلون من دور الغذاء الفعلي في الوقاية من الأمراض، إن لم يكن في شفاء بعضها.
ولم ينخرط علماء الاجتماع والاقتصاد في النقاش حول علاقة الوضع الطبقي بتناول الأطعمة، وما إذا كان الرخيص الفاسد المعطوب منها يزيد من التأثير السلبي على العدالة الاجتماعية، ويزيد من نفقات الدول على الصحة، ويؤثر سلبًا على الصحة البدنية ومن ثم السواء النفسي للطبقات العريضة من الشعوب؟ وما مدى تأثيير هذا النظام، إن زاد عدد متبعيه على إعادة هندسة الزراعة والصناعة ومن ثم تغيير الهياكل الاقتصادية عمومًا؟
2 ـ مدى الثقة في المنظومة الطبية المعتادة، حيث الشكوى المتكررة لمرضى كثيرين من أنهم صاروا صيدًا ثمينًا لأطباء، لا يحسنون تشخيصهم، أو يرهنونهم إلى شبكة مصالح أو انتفاع، تبدأ بالعيادة ثم معامل التحاليل ومراكز الأشعة فالصيدلية، أو يتخذون من بعضهم فئران تجارب لحساب شركات أدوية، وكيف كانت نتائج تناول العقاقير الطبية مروعة على أجسادهم لأعراضها الجانبية.
لكن هذا لا يبرر في نظر كثيرين استغناء الناس عن بروتوكلات الطب المتعارف عليها، والمختبرة علميًا، والمستقرة تاريخيًا، ويعيبون على العوضى، أنه يعالج أخطاء المنظومة الطبية بخطأ أشد وأنكى، عبر دعوة مرضاه إلى وقف تعاطي الدواء، لأن في هذا مقتلهم. إلا أن المدافعين عن الرجل يقولون إنه لم يطلب وقف الدواء في كل الحالات، إنما التدرج في تجنبه، لاسيما مع الحرجة منها.
3 ـ مدى قدرة الناس في تحصيل التداوي المتعارف عليه، فمع تراجع قدرة الناس في الإنفاق على دفع مقابل الكشف الطبي، والحصول على الدواء إثر الأوضاع الاقتصادية الصعبة، باعتباره من الضروريات مع الغذاء والكساء والإيواء، بدا نظام “الطيبات” مغريًا للفقراء، لاسيما أنه يضغط نفقاتهم على الغذاء نفسه، ويعدهم بشفاء رخيص أو مقدور عليه.
4 ـ التلوث الغذائي القائم، فهذه مشكلة متداولة بغزارة حتى باتت في حكم “العلم العام”، ويختبرها الناس يوميًا في شرائهم لمختلف السلع الغذائية، وهي تبدأ من تلوث التربة، والإفراط في رش المبيدات على المحاصيل الزراعية، واستخدام الهرمونات لزيادة الإنتاج، والتوسع في الهندسة الوراثية التي زادت الكم على حساب الكيف، وغش الغذاء بأشكال متعددة، في ظل ضعف أو غياب رقابة في بعض الدول، يجب أن تحضر وتفتح عيونها على ما يفعله المزارعون والموزعون والتجار.
وهنا يقول المتحمسون لـ “الطيبات” إن العوضى انطلق في رؤيته ليس فقط من إقبال الناس على أنواع من الطعام ليست مناسبة للبشر، ومنها بعض الخضروات، إنما أيضًا من تجنب الأطعمة التي ترهق المعدة، وتجبر طاقة المقاومة داخل كل جسد على التوجه إلى مكان الهضم والامتصاص، ما يبعدها عن أداء دورها الطبيعي في مواجهة ما يدمر الخلايا أو يضعفها من بكتريا ضارة وفيروسات وخلايا ميتة.
5 ـ أنصار نظرية المؤامرة، وقد بدأت المسألة في أذهان هؤلاء بتآمر الطب التقليدي على المرضى ليدفعوا جزءًا ليس باليسير من دخولهم لتصب في جيوب المحتكرين الكبار من أصحاب شركات الأدوية والمعامل والمستشفيات الخاصة، فيزدادون غنى، ومعهم كبار منتجي الغذاء في العالم، لتنتهي إلى حديث عن دور هذا الطب في تحقيق هدف الساعين إلى قتل البشر، إما للتخلص من العجائز والمعاقين لجعل المجتمعات البشرية أكثر شبابا، مثلما ذهبت بعض الأيديولوجيات العنصرية، مثل النازية، أو تحقيق ما يريده رافعو لافتة “المليار الذهبي”، أو تعبير هذا الطب عن رؤية أولئك الذين يقاومون المنهج الإلهي في رؤوس الناس وأفئدتهم. وقد وصل الأمر ببعض هؤلاء إلى الربط بين الطب ورؤية الماسونية، وكيف أنها هي التي ساقت البشر في طريق الطب البروتوكولي.
6 ـ العلاقة لجدلية بين الدين والعلم في مسألة الطب، فربط العوضى جانبًا من رؤيته بتأويلات مبتسرة ومفتعلة لنصوص قرآنية وأحاديث نبوية وإيهامات تاريخية، فتحت الباب أمام منتقديه ممن يرفضون نزوع البعض إلى توظيف الدين في عرقلة العلم، رغم أن لكل مجاله، أو أولئك الذين يستخدمون العلم في خدمة تصوراتهم للدين، مثل أولئك الذين تحدثوا عن إعجاز علمي للنصوص الدينية، بدأه اليهود مع التوراة، وانتقل إلى المسيحيين مع الإنجيل، ثم المسلمين مع القرآن.
وهنا بدا العوضى في نظر هؤلاء أشبه بدجال، يوظف الدين في تبرير رؤيته، وهو أمر يقع خارج المنطق العلمي الذي على دارس مثله أن يمتثل له، فيمتنع عن استعماله دعاية لنظامه، بإيهام الناس بأنه نظام “مقدس”، مستغلًا العلاقة العاطفية للناس بالدين عمومًا، في استعداء أتباعه على رافضي نظامه.
وقد أعطى العوضى نفسه فرصة سانحة واضحة لمهاجميه من هذه الزاوية حين طرح نفسه باعتباره “صاحب رسالة” أو “نذير من السماء” جاء لينبه الناس إلى التمرد على خلق الله بعدم إعطاء أجسادهم فرصة التداوي الذاتي التي وضعها الله في كل جسد، بل وجدنا مقطعًا مصورًا لزوجته تحكي عنه باعتباره وليًا، صاحب كرامة أو معجزة، حين قالت إنه طلب من الله ذات يوم علامة على صدق رؤيته بنزول المطر، فنزل على الفور، وعندها بكى مطمئنًًا إلى صواب ما يدعو إليه.
وينقسم هؤلاء عمومًا إلى فريقين، الأول يأخذ من طرح العوضى تكئة جديدة لهجوم على الدين والتدين، رغم أنه لا يحمل وزر المطروح ولا علاقة له به، مثلما يخبرنا القرآن نفسه في دعوته الدائمة إلى التثبت والتجريب والتدبر بإعمال العقل، لكونه “وكيل الله” كما يقول أبو العلاء المعري. والفريق الثاني يرفض الأثر السلبي الذي يلقيه طرح العوضى على جلال الدين وقدسيته في جانبه الصراطي، أو مقاصده التي تجعل حفظ النفس مقدمًا على حفظ الدين.
7 ـ الشقاء الذي يصنعه الاستقطاب الاجتماعي والفكري الحاد، وهو آفة اجتماعية مزمنة، مستقرة في الأذهان والأفهام، نراها في كل شيء بمجتمعنا، بدءًا من كرة القدم إلى الجدال والصراع حول السلطة السياسية. هذه الخصلة غير الحميدة امتدت سريعًا إلى الأخذ والرد حول “نظام الطيبات”، فرأينا من يقبلونه يدافعون عنه بلا هوادة وفي تسرع وتخرص، ورأينا من يرفضونه ينسفونه تمامًا ساخرين منه، وامتد الاشتباك من الحديث عن هذا النظام إلى تشكيك في القوى العقلية للمشتبكين، أو انحيازهم إلى مصالحهم الضيقة على حساب الصالح العام، دون ورع ولا تحسب.
لقد صنع الاشتباك حول “الطيبات” حالة دالة على اعتلال نفوس واختلال عقول كثيرين منا حين ينخرطون في نقاش حول قضية أو مسألة مطروحة، هي على أي حال مهمة، لأنها تتعلق بصحة أبداننا، فيما ترك أهل الاختصاص الناس يتخبطون في التفكير والتعبير، ويسلمون رؤوسهم للذين من مصلحتهم أن يستمر العراك محتدمًا، وربما وجد العاملون على إلهاء الناس في هذا النقاش فرصة جديدة لإلهائهم.
****





















































