بقلم / رضا اللبان
وقف الخديوي إسماعيل في قاعةٍ واسعة تشبه قاعات المحاكم القديمة… لا قضاة فيها إلا التاريخ… ولا شهود إلا الشعب. أما أنا… فكنتُ المدعي. اقتربتُ منه ببطء وقلت:
يا إسماعيل… يقولون إنك باني مصر الحديثة. لكنني جئت اليوم لأسألك: هل كنتَ تبني مصر أم تبني مجدك الشخصي؟ رفع رأسه بكبرياء وقال: كنتُ أحلم بدولةٍ عظيمة. فقلت فورًا: بل حلمتَ فوق قدرة البلاد يا مولاي! ورأيتَ مصر بعين أوروبا لا بعين الفلاح المصري البسيط. ساد الصمت ثم بدأت المحاكمة. قلت له: دعنا نبدأ من حفل افتتاح قناة السويس… ذلك الحفل الذي أرادت له أوروبا أن يكون أسطورة، فأردته أنت مهرجانًا للملوك والملكات والأمراء. أليست الحقيقة أنك أنفقت أموالًا طائلة على الولائم والقصور والزينة والألعاب النارية؟
أليست الحقيقة أنك أغرقت ضيوف أوروبا بالهدايا والتحف بينما كان الفلاح المصري يئن من الضرائب؟
ابتسم إسماعيل وقال: كنتُ أقدم مصر للعالم. أردتُ أن يرى الجميع أن القاهرة تضاهي باريس، وأن مصر ليست ولاية متأخرة. فقاطعته بعنف: ولكن بأي ثمن؟! هل كانت كرامة مصر تُشترى بالذهب؟ وهل كانت هيبة الدولة تحتاج كل هذا البذخ؟ لقد تحولت الاحتفالات إلى استعراضٍ مرعب للترف، حتى ظن الناس أن خزائن مصر لا تنفد! ثم اقتربتُ منه أكثر وقلت: ألم تُرسل الأموال والهدايا إلى السلطان العثماني لتنال لقب “الخديوي” وتوسّع سلطاتك؟ ألم تُغرق رجال الدولة العثمانية بالعطايا والرشاوى السياسية؟ وماذا عن فؤاد باشا وغيره ممن فُتحت لهم خزائن مصر ليقفوا إلى جانبك؟ تنهد إسماعيل وقال: السياسة يا صديقي ليست خطبًا أخلاقية الدول تُدار بالمصالح. فقلت ساخرًا: والمصالح كانت دائمًا تُدفع من جيب الشعب المصري! ثم رفعت صوتي: دعنا نذهب إلى الحبشة… إلى تلك الحروب التي سالت فيها دماء المصريين بلا طائل. لماذا دفعتَ الجيش إلى جبالٍ لا يعرفها؟ ولماذا أردتَ التوسع هناك بينما مصر نفسها مثقلة بالديون؟ تغير وجهه قليلًا وقال: كنتُ أريد تأمين منابع النيل… وأردتُ أن تكون لمصر قوة إفريقية كبرى.
فقلت: لكنك عدتَ بالهزائم! هُزم الجيش المصري في معارك قاسية، وضاعت الأموال والرجال بينما كانت أوروبا تراقبك كذئبٍ ينتظر سقوط الفريسة. ثم صمتُّ لحظة… ونظرت إليه طويلًا قبل أن أقول: يا إسماعيل مشكلتك لم تكن في الحلم… بل في الثمن الذي دفعته مصر لأجل حلمك. لقد استدنتَ من البنوك الأوروبية حتى أصبحت مصر رهينة. وكلما غرقتَ أكثر… بعتَ أكثر. بعتَ أسهم مصر في قناة السويس… ذلك الشريان الذي كان يفترض أن يكون تاج البلاد. خفض إسماعيل عينيه للحظة. فقلت بقسوة: أتدري ماذا فعلت ديونك؟ لقد فتحت الباب للأوروبيين ليتدخلوا في حكم مصر. ثم جاءت الرقابة الثنائية… ثم جاء الاحتلال البريطاني بعد سنوات قليلة.
ألم تكن تلك النتيجة الطبيعية؟ رفع رأسه فجأة وقال بصوتٍ قوي: لكنني صنعتُ نهضة! أنشأتُ المدارس والطرق والكباري والسكك الحديدية! جعلتُ القاهرة مدينة حديثة! هل تريدون محاكمتي لأنني حلمتُ لمصر بالكبرياء؟ فقلت بهدوء هذه المرة: لا يا إسماعيل نحن لا نحاكم الحلم بل نحاكم الطريقة. جدك محمد علي باشا بنى دولةً بالإنتاج والزراعة والصناعة والجيش. أما أنت فأردتَ بناء إمبراطورية بالدَّين. والدَّين يا مولاي لا يبني وطنًا حرًا. ساد الصمت داخل القاعة ثم وقفتُ أمامه للمرة الأخيرة وقلت: سيذكرك البعض باعتبارك صانع مصر الحديثة. وسيذكرك آخرون باعتبارك الرجل الذي أرهق مصر بالترف والديون حتى سقطت في قبضة الاحتلال.
أما أنا… فأراك رجلًا أحب مصر فعلًا لكنه أراد أن يجعلها “أوروبية” بسرعةٍ أكبر من قدرتها على الاحتمال. وحين انتهت الأحلام… كان الشعب وحده هو من دفع الحساب.























































