بقلم / أسماء كامل
في مجتمعاتنا، ما زال الاعتداء يُقاس بما تراه العين وتلتقطه العدسة..
“جرح نازف، كدمة زرقاء، أو أثر ضربة يمكن الإشارة إليها”
لكن هناك نوعًا آخر من الألم، لا يُرى ولا يُوثَّق بسهولة، ومع ذلك يترك أثرًا أبقى وأقسى… إنه العنف النفسي.
ذلك العنف الصامت الذي لا يُسيل دمًا، لكنه يستنزف الروح قطرةً قطرة.
لا يُحدث ضجيجًا، لكنه يترك داخل الإنسان صخبًا لا يهدأ.
العنف الجسدي، رغم قسوته، له نهاية واضحة.
يُعالَج، يلتئم، وتبقى آثاره في نطاق يمكن فهمه والتعامل معه.
أما العنف النفسي، فلا يُغلق جرحه بسهولة، لأنه لا يصيب الجسد… بل يُصيب المعنى ذاته.. معنى الذات، وقيمة الإنسان في عيني نفسه.
كلمة واحدة قاسية قد لا تُنسى أبدًا.
نظرة استهانة، سخرية عابرة، تجاهل متكرر، أو نقد جارح… كلها أفعال تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها قد تهدم داخليًا ما بُني عبر سنوات.
قد تُسقط ثقة، أو تُربك هوية، أو تزرع شكًا دائمًا في النفس.
المؤلم حقًا، أن هذا النوع من الأذى غالبًا ما يُمرَّر بلا حساب.
دائما ما نسمع المبررات: “دي كلمة وعدّت”، أو “ انت مكبر الموضوع ليه؟”
بينما الحقيقة أن بعض الكلمات لا تمر… بل تستقر؛ تسكن الذاكرة، وتُعاد بصوتٍ أعلى كلما حاول صاحبها النسيان.
هناك أشخاص لا يحتاجون إلى كثير من الألم… تكفيهم كلمة واحدة.
كلمة قد ترفعهم إلى أقصى درجات النور، أو تُسقطهم في عتمةٍ طويلة.
وهنا تكمن خطورة العنف النفسي.. أنه لا يُقاس بحجمه، بل بعمقه ومدى تأثيره.
لم يعد الأذى النفسي مجرد حالة فردية، بل أصبح قضية مجتمع.
في البيوت، قد يتخفّى في صورة “تربية” قاسية أو مقارنة ظالمة.
في العمل، قد يأتي في شكل ضغط مستمر أو تقليل من الجهد.
وعلى مواقع التواصل، أصبح التنمر سلاحًا سهلًا، يطلقه البعض دون أدنى إحساس بالمسؤولية.
الأخطر من ذلك، أن بعض الكلمات لا تُقال بجهل… بل تُقال بقصد.
بمعرفة مسبقة بمواطن الضعف، وبرغبة في الإيذاء.
وهنا لا يعود الأمر مجرد خطأ عابر، بل يتحول إلى عنف حقيقي، يستحق التوقف أمامه ومحاسبة مرتكبه.
نحن بحاجة إلى مراجعة حقيقية لثقافة الكلمة..
أن ندرك أن التعبير ليس مبررًا للإيذاء، وأن الصراحة لا تعني القسوة، وأن القوة الحقيقية ليست في كسر الآخرين… بل في احتوائهم.
كما أننا بحاجة لأن نُعيد الاعتبار لمن يتألمون في صمت،
أن نُصدق مشاعرهم، لا أن نقلل منها،
وأن نُشجعهم على الكلام، لا أن ندفعهم إلى مزيد من الصمت.
في النهاية، هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها:
الجسد قد يشفى… أما الكلمة، فقد تعيش داخل الإنسان عمرًا كاملًا.
وبين ألمٍ يزول مع الوقت، وأثرٍ يتجدد كل يوم،
يبقى السؤال الأهم:
كم من الكلمات التي نقولها نظنها عابرة… بينما هي في قلب غيرنا جرح لا يلتئم؟!





















































