عاجل

# لصوص جدد .. عن الذين يكتب لهم الذكاء الاصطناعي
اتفاق أمريكي إيراني على مواصلة المفاوضات عقب جولة “إيجابية” في عُمان
القبض على “البلدوزر” في مطار القاهرة
مسؤول أمريكي : سنبدأ أنشطة الاختبارات النووية أسوة بالدول الأخرى
مصر تستعد لتصدير الغاز القبرصي إلى أوروبا
إجلاء أكثر من 140 ألف شخص بسبب الفيضانات في المغرب
مأساة مصرية.. عريس يلحق بعروسه بعد ساعات من وفاتها في حادث حفل الزفاف
فلسطين التاريخية.. الأرض لأهلها والتاريخ شاهد
طهران ترفض طلب واشنطن وقف تخصيب اليورانيوم خلال محادثات مسقط
بعائد 22%.. أعلى عائد على شهادات البنك الأهلي اليوم
أزمة وقود بمطار القاهرة تؤخر إقلاع عدد من الرحلات.. والبرلمان يسائل الحكومة
# كتاب جديد 📖 تحدث امام الجميع بجاذبية… للمؤلف باتريك كينج✍️
الأوقاف المصرية تعلن استمرار العمل بمحظورات رمضان في المساجد
“نيويورك تايمز”: إيران قامت بترميم سريع لعدة منشآت صواريخ باليستية ومواقع نووية
مصر..دار الإفتاء تعلن موعد استطلاع هلال رمضان ومعهد الفلك يكشف عن غُرة شهر الصيام فلكيا

# لصوص جدد .. عن الذين يكتب لهم الذكاء الاصطناعي

بقلم دكتور / عمار علي حسن

لصوص جدد .. عن الذين يكتب لهم الذكاء الاصطناعي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إن رأيته يتحدث لا ينطق لسانه بعبارة مستقيمة، وكنا حتى وقت قريب نقرأ ما يكتبه على فيسبوك، لنجد فيه الكثير من الركاكة والسطخية، ثم فجأة تجده يكتب مقالات عميقة، بلغة عذبة، ويقدم نفسه للناس بوصفه مفكرا سياسيا، وآخر بوصفه كاتبا أو محللا، ثم يجمع مقالاته في كتبب، لتنشرها دور نشر معتبرة، وينظم لها حفلات توقيع، وفيها يزداد شعره الأبيض اشتعالا أمام الكاميرات، بينما يبتسم وهو يظن أنه قد خدع الجميع، مع أنه مكشوف من أول وهلة، لاسيما لدى أمثالنا ممن يعرفون شيئا عن الأسلوبية، وبصمة الكاتب وتحليل الخطاب الشفاهي والمكتوب.
أتذكر في هذا المقام شخصًا آخر يمضي في ما بعد الخمسين من عمره، عرفناه بعد ثورة يناير مباشرة، وقدم نفسه للجماعة السياسية على أنه محاسب قدير يحمل درجة الماجستير في هذا التخصص، وتعاملنا معه على هذا الأساس، ولم ندقق، وكان كلما تحدث لا يظهر في حديثه أنه يحسن سبك العبارة، وترتيب الأفكار، لكننا عزونا هذا إلى نقص في قدرته على العرض، وليس نقصًا في التحصيل، فهناك من بين العلماء أنفسهم من لا يحسنون الحديث، وقد تدور في رؤوسهم أفكار مهمة وعميقة، لكنهم لا يقدمونها في سلاسة حين ينطقون بها، حتى لو أحسنوا كتابتها. وبعض هذا راجع إلى خجل أو وجل، أو قلة تدريب على مخاطبة الناس.
جاء ذات يوم وقدم لي شيئًا قد كتبه، وكان يخص تصورًا دينيًا، وراح يصفه بأنه فكرة غير مسبوقة، وأن نشره وإيصاله إلى الناس فيه خير كثير. مددت بصري إلى سطوره، فإذا بي أمام كتابة ركيكة، غارقة في أخطاء إملائية ونحوية وصرفية وأسلوبية، بل عاجزة تمامًا عن الإفهام. سألته عما يريد أن يقول فراح يشرح لي بلهجة عامية، بينت أن ما يعتقد أنها فكرة لم يأت بها الأوائل قد قُتلت بحثًا ودرسًا، وليس فيما قدمه أي إضافة على الإطلاق.
الغريب أنه طلب مني أن أساعده في نشر ما قدمه لي، وقال إنه سيطوره ليصبح كتابًا كاملًا، وسألني عن دور النشر التي لديها استعداد لطباعة كتابه بعد أن يكتمل. ووقفت يومها حائرًا، لا أريد أن أتحدث بما يصيبه بخيبة أمل، ولا أرغب في أن ينل مني اعترافًا بما كتب، فحدثته عن ضرورة أن يقرأ في الموضوع أكثر، واقترحت عليه عناوين عدد من الكتب.
يومها شككت في أن هذا قد مر بتعليم جامعي، وصل فيه إلى الحصول على درجة الماجستير في المحاسبة، كما يدعي، وسألت عنه بعض من يعرفونه فأبلغوني أن شهادته الدراسية هي دبلوم التجارة، حاز بها وظيفة بسيطة، فأدركت كثيرًا مما أخفاه، ليس لأنه خريج تعليم فني، فبعض خريجيه ثقفوا أنفسهم وأحسنوا الكتابة وصار بينهم أدباء وصحفيون كبار يشار إليهم بالبنان، ولكن لأنه لم يقرأ كتابًا في حياته، ولا حتى مقالات صحفية تعلم منها شيئًا، سواء في استلهام فكرة، أو صياغة عبارة.
غاب هذا الرجل عني سنوات، ثم فوجئت به يرسل إلي عبر “واتس آب” تحليلًا سياسيًا عميقًا، ويسألني في رسالة لاحقة عليه عن اقتراح منبر لنشره، ومساعدته في هذا. قرأت التحليل على مهل، فإذا به جلي الفكرة، واضح العبارة، كأن صحفيًا قديرًا أو باحثًا في العلوم السياسية قد كتبه.
وجمت دقائق، ثم غمست عيني في التحليل مرة أخرى، وكتبت له سائلًا: هل تلقيت دورات في الكتابة خلال السنوات التي انقطعت فيها عني؟ جاءت إجابته على الفور: نعم. ورحت أكتب إليه وأنتظر ردوده فإذا بها لا تختلف في الركاكة عما عرفته عنه فيما قبل. هنا أدركت أن كاتب التحليل هو الذكاء الاصطناعي. أمسكت عن الكلام، وعزمت على ألا أساعده كي يفلت بسرقته أو انتحاله، وأنا أكتم غضبي حين تصورت كم يمكن لمثله أن يزيح كاتبًا أو محللًا سياسيًا حقيقيًا من المشهد.
لم يعدم الرجل وسيلة في الوصول إلى منابر صحفية جديدة، لا يدقق أصحابها في تاريخ من يرسل إليهم كتابته، ولا يبذلون جهدًا في التحقق منها، أو اختبار أصالتها عبر برامج إلكترونية تكشف المنتحل والمسروق. وذات يوم وجدته قد أرسل لي رابط مقال جديد له، وتوالت المقالات وروابطها، وتعددت منابر النشر، وأنا في غيظ وعجب مما يجري.
وعرفت رجلًا آخر، أصدر عدة كتب وتقارير من قبل حول الشأن العام، وهو سياسي محترف، فكانت كتابته عادية أو “مستورة” حسب وصف صحفي شائع، ثم رحت أتابع له مقالات وكتبًا في الآونة الأخيرة، فإذا بي أمام آراء عميقة، وأسلوب فائق السلاسة والجزالة والإحكام. أفكار متدفقة، وعبارات مسبوكة، تشي أن وراءها عقلًا غير عقله، وذائقة غير ذائقته. وشجعه هذا على أن يقدم نفسه إلى الرأي العام باعتباره مفكرًا كبيرًا، ووجد من يروج له هذه الصفة، فاستملحها وصدقها، وقد بلغ في هذا حدًا جعلني أصك اصطلاح “المفكر الافتراضي” ثم أغرق في قهقهة لا تكاد تنتهي.
إن صاحبي هاتين الحالتين سيهمشان بهذه الجرأة، وذلك الاستمراء في استخدام الذكاء الاصطناعي ليكتب لهم، كتابًا حقيقيين، يعرفون هذه الآلية، لكنهم يقصرون الاستعانة بها على جمع معلومات، لا يسلمون بها، إنما يستعملون أدوات تقليدية، منها الكتب والدراسات، في تدقيقها. وبينما هم يبذلون مثل هذا الجهد المضني تتوالى كتابات هذين الرجلين المنتحلين، ولا يقدرون على مجاراتهما.
يمكن للبعض أن يهضموا هذا الانتحال على مضض شديد، لاعنين زمن يتقدم فيه منتحلو الكتب والمقالات، ويجدون من المنابر والمواقع الصحفية، ودور النشر، ما يرحب بهم، ويفسح لهم الطريق، بل ويروج لهم عبر دفع كتاب متحققين للكتابة عما أخرجوه، وهو ليس من صنع أذهانهم، ولا تدوين بنانهم.
لكن ليس بوسع صاحب عقل نزيه، وقريحة متوقدة، وخيال خصب، أن يقبل دخول هذا الآفة إلى عوالم الكتابة الأدبية بشتى أنواعها (قصة ـ رواية ـ مسرحية ـ ديوان شعر) فيجد مدعو الكتابة، الذين يلهثون وراء الانضمام إلى أهلها، سبيلًا يسيرًا لتحقيق هدفهم هذا، ويظنون أنهم يكتبون أدبًا، بينما الذكاء الاصطناعي قد سطا، في الغالب الأعم، على أعمال غيرهم، وقدمها لهم، فكرة وأسلوبًا.
إن الأدب، كما هي الفلسفة، ذاتي الطبع، يحمل بصمة صاحبه، في الأسلوب، وفي الخيال والتخييل، وفي التفاصيل الصغيرة النابعة من خبرة حياتية أو من التأمل العميق، وهذه أشياء لا يفلح الذكاء الاصطناعي في منحها، فهي لديه مستقطعة من نص ما مكتوب ومبثوث على شبكة الإنترنت، لا تتمع بهذه الذاتية، حتى لو أعاد الحاسوب صياغتها على نحو محكم.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print
booked.net