بقلم دكتور / عمار علي حسن
لا أنسى ما اتفق عليه بعض الفقهاء من أن شهوة الشهرة أشد سُعارًا من اشتهاء الجنس. وقد رأيت بعيني كيف قدم كثيرون تنازلات فادحة في سبيل الحفاظ على وجودهم الإعلامي. وما يفعله بعض أرباب القلم بغية التخلية بينهم وبين الناس، أو لا تمتد إليهم ظلال العتمة، حيث الإهمال ثم النسيان، له في واقعنا أمثلة كثيرة. وفي الحال المعاكس، رأيت من يترفعون على كل هذا، قابضين على ما يعتقدون فيه، ويؤمنون به، ويعملون له، حتى لو كان الثمن هو الإقصاء المنظم، والإخراج القسري من دائرة الضوء.
فعلى النقيض من أولئك الذين سعوا وراء الضوء، هاربين من الظل بمواصلة الكتابة والتجويد والتجديد فيها أو بالتحايل فيي سبيل الخروج من الهامش، عرفت الحياة الثقافية أولئك الذين اختاروا الظل، واستراحوا له، وفضلوا الصمت على الضجيج، ولم يعنهم التواجد الجسدي بين جماعات المثقفين من أجل إثبات الحضور.
وبعض هؤلاء المنحازين إلى السكينة، كانوا في أول طريقهم، وحققت أعمالهم الأولى نجاحًا لافتًا، وبشرت بميلاد أدباء بارعين، لكنهم تركوا كل هذا وراء ظهورهم، وفضلوا الابتعاد، ومنهم الذين حققوا شهرة واسعة أو متوسطة، وبينما كان هذا يتعزز فإذا بهم ينسحبون في هدوء، مختارين العزلة، وبينهم من واصل العمل في عزلته فلم تنقطع أعماله، ويوجد من اكتفى بما كتب، رغم أنه كان قادرًا على إبداع المزيد الجديد.
تتحدث الأوساط الثقافية المصرية عن عادل كامل، الذي كان يسير مع نجيب محفوظ في شبابهما رأسًا برأس، وقلمًا بقلم، وفازا معا بجائزة قوت القلوب الدمرداشية، لكن كامل توقف عن الكتابة فجأة، واختار المحاماة مهنة حتى آخر أيامه، بينما واصل محفوظ الكتابة، متغلبًا على كل أسباب التعويق والإزاحة.
يقال إن كامل انتبه إلى أن الأدب لا يمكن الاعتماد عليه مصدرًا للعيش المادي، بعد أن نال بضعة جنيهات عن قصة له حولتها الإذاعة إلى دراما، فخرج من هذه الواقعة عازمًا على ترك الكتابة. وفهم المثقفون أن الرجل طلق الكتابة إلى غير رجعة، لكنه عاد واعترف فيما بعد في حوار أجرته معه صحيفة “أخبار الأدب” أنه حاول العودة مرات، فجلس إلى مكتبه، ليشرع في كتابة قصة أو رواية برقت فكرتها في رأسه، لكن قلمه لم يطاوعه. وجده ثقيلًا جدًا على الورق، لا يسيل مثلما كانت حاله في الزمن الأول، فمزق سطوره التي توالت في مشقة، مدركًا أن قلمه قد صدأ، وانتهى الأمر، أن الكتابة قد هجرته كما هجرها.
ظل كامل يلتقي نجيب محفوظ، ولا يشعر بأي غيرة حيال شهرته، إذ كان يدرك أن الكتابة لا تدر على الأديب الكبير سوى النذر اليسير من المال، بينما وفرت المحاماة لكامل حياة كريمة. فكل ما كان يشغل كامل هو العائد المادي، حتى أنه سأل محفوظ حين التقاه يهنئه بالفوز بنوبل: كم قيمة الجائزة؟ فلمَّا أخبره، اتسعت حدقتاه دهشة، وبان في عينيه ندم، حسب رواية بعض من حضروا الواقعة.
ويبدو أن محفوظ قد أدرك خلال لقاءاته المتتابعة حيرة كامل، فاتخذ منها أمثولة وجهها في مسار آخر، لتصبح هي معاناة عمر الحمزاوي بطل روايته “الشحاذ” الذي لم تكن مصادفة أن يمتهن المحاماة أيضًا، وإن كان محفوظ أخذ الشخصية في اتجاه عبقري، حيث جعله يعاني من قلق وجودي، فيترك المحاماة والثراء والنجاح والعيش المستقر، ليبدأ في بحث عن الحقيقة، فيميل إلى العزلة، وتسكنه حين يغرق في أسئلة عميقة عن المادية والروحانية.
ورغم النجاح الواسع الذي حققه محمد المخزنجي ككاتب قصة قصيرة وأعمال سردية لافتة فضلًا عن رحلاته وتأملاته، فإنه مال إلى العزلة نسبيًا، ولم يعد يعنيه مزاحمة أحد في ندوة أو مؤتمر أو حتى على جائزة. ومع أن منجزه يؤهله لنيل جائزة النيل، أرفع الجوائز الأدبية والعلمية في مصر، فإنه لم يحصل حتى الآن، ويا للأسف، على جائزة الدولة التشجيعية، ما جعله أمثولة لفساد ذوق الوسط الثقافي وذمم المتحكمين في جوائزه، والقابضين على أسباب الذيوع الإعلامي.
لا يفضل المخزنجي الظهور المتوالي أمام كاميرات التلفاز، أو ميكرفونات الإذاعة، ويقتصد كثيرًا في تصريحاته الصحفيية، أما الجوائز فهو يرفض التقدم إلى أي منها. هاتفته ذات يوم طالبًا منه أن يسمح لي بأن أطلب من نادي القصة أو اتحاد الأدباء أو أتيليه القاهرة ترشيحه لجائزة النيل، أو على الأقل جائزة الدولة التقديرية، فرفض رفضًا قاطعًا، فقلت له أن يتقدم إلى أي من الجوائز العربية التي تمنح في الآداب، فاستعصم بالرفض، ولمَّا حدثته عن جدارته بكل هذا، حدثني عن عدم قدرته على تحمل قلق انتظار الجوائز، وقال: لا أرفض أن أمنح جائزة دون التقدم إليها، وانتظار نتائج القوائم الطويلة والقصيرة ثم الفوز، في هذه المسافة الزمنية بين ظهور القوائم، سأعاني من قلق شديد لا أطيقه.
يعرف المخزنجي بالطبع أن موقفه هذا حرمه من جوائز يستحقها، تشترط التقدم إليها، بل يفرض بعضها على المتقدم كتابة إقرار بقبول الجائزة حال إعلان فوزه بها، كما يعرف المخزنجي ومن على حاله أن الأوساط الثقافية لا ترحم، وربما لا يقدر أغلبها، فضيلة الترفع والتعفف، وتتجاهل أصحابها، ولولا إصدار هؤلاء لأعمال أدبية بين حين وآخر، فربما أهالوا عليهم أطمارا أكثر من التناسي والغفلة.
واختار الأديب محمد حافظ رجب الابتعاد وهو في ذروة تألقه. كان قد كتب قصصًا مختلفة، ونشر بعضها، وكانت مفرطة في التخيل، متمردة على المنحى الواقعي الذي كان يسيطر على الأدب وقتها، ولذا راح يردد “نحن جيل بلا أساتذة”. وسواء كان هو من اخترع هذه العبارة أو نقلها عن غيره، فإنه قد تصرف وكأنه لا يعتني بالأدباء الكبار المتحققين وقتها، وقيل إنه حديثه هذا أغضب الأستاذ نجيب محفوظ على حلمه وتحمله، وجعل كثيرون ينفرون منه، ومن حديثه الدائم عن نزعته الجديدة في السرد، ولم يكن مبالغًا، وعن عصاميته كرجل بسيط لم يكمل تعليمه، وهذه حقيقية لا تُنكر.
غاب حافظ رجل عن الساحة بعد أن أصدر مجموعتيه اللافتتين “غرباء” و”الكرة ورأس الرجل” عام 1968، ليعود بعد أحد عشر عامًا بمجموعة “مخلوقات براد الشاي المغلي”، ويختفي ثلاثة عشر عامًا، ليعود بمجموعتين جديدتين هما ـ”حماصة وقهقهات الحمير الذكية”، و”اشتعال رأس الميت”.
وسمعنا عن الرجل في أول عهدنا بالأدب، وقرأ جيلنا ما تيسر له من قصصه، لكننا لم نره، وحين سألنا عنه قيل إنه قد اعتزل في بيته بالإسكندرية، وقال البعض أن انسحابه لأسباب نفسية أورثته صدًا عن الناس واكتئابًا، وقيل إن جسده قد خانه وأصاب المرض أعضاءه، ورأينا ثلاث مجموعات له تصدر تباعًا فيما بعد وهي “طارق ليل الظلمات” 1995، و”رقص مرحة لبغال البلدية” 1999، و”عشق كوب عصير الجوافة” 2003، ثم أصدرت دار العين بالقاهرة مجلدين ضما أعماله الكاملة بعد أن يفارق الدنيا.
وفي عام 2012 عقد مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية مؤتمرًا تحت عنوان “محمد حافظ رجب رائد التجديد في القصة العربية”، قدمت فيه عدة دراسات وشهادات عنه، ظهرت في كتاب حمل العنوان نفسه. وقد استطاع هذا المؤتمر أن يخرج الرجل من قوقعته، ليحكى عن مسيرته، ويحاور جمهورًا لأول مرة في حياته.
وحال الكتاب والمفكرين والأدباء الذين اعتزلوا الناس ليست جديدة في حياتنا، فقديما اعتزل الصوفي بشر الحافي، لزهد ورفضه الوجاهة الاجتماعية، واعتزل أبو العلاء المعري، لنفوره من الناس، ونزوعه إلى التشاؤم، وركنه إلى عمى البصر، حتى سمي “رهين المحبسين”، وفعل الفيلسوف عبد الرحمن بدوى الأمر نفسه، إثر إحباطه من الواقع الثقافي والسياسي، لاسيما أنه عاش خارج مصر فترات طويلة من حياته. واعتزل مصطفى محمود القاص والمسرحي والكاتب ومقدم برنامج “العلم والإيمان” الناس في سنواته الأخيرة، بعد أن بلغت شهرته الآفاق.
وهذه الحالة موجودة أيضًا بين الكتاب والأدباء في الغرب، إذ كان الكاتب المسرحي الشهير صمويل بيكيت صاحب مزاج انعزالي، مفضلًا الانهماك في الكتابة على الظهور بين المثقفين والجمهور، وظل طوال حياته ينفر من الإعلام الذي كان يلاحقه. وأدى مرض الربو، وتفضيل العمل ليلًا، واختيار التفرغ التام للكتابة إلى انعزال الأديب مارسيل بروست صاحب الرواية الأطول في تاريخ الأدب العالمي وهي “البحث عن الزمن المفقود”. وكان الأديب الألماني فرانز كافكا، الذي اشتهر بعد وفاته وصار اسمه يتردد في كل مكان على سطح الأرض، يميل إلى العزلة، بسبب اضطراب علاقته بالمجتمع، وسيطرة قلق وجودي دائم على نفسه، وافتقاده إلى الثقة بالنفس، ومعاناته من شعور طاغ بالذنب. وفضل الفيلسوف فريدرش نيتشة صاحب الكتاب الشهير “هكذا تحدث ذرادشت” الذي اختلطت فيه الفلسفة بالشعر، يفضل العزلة الفكرية، والقطيعة مع الوسط الأكاديمي، بسبب إحباطه الدائم من المجتمع، وإخفاقه في تجربة عاطفية أورثته ألمًا عميقًا.
واعتزل إميلي ديكنسون متفرغًا لإبداع الشعر، بسبب معاناته من اضطراب نفسي، أورثه حساسية مفرطة حيال المجتمع. وكان اعتراض المفكر هنري ديفيد ثورو على قيم المجتمع الصناعي حيث النزعة الاستهلاكية والفردانية والاستغلال سببًا في اعتزاله، ومناداته الشهيرة للناس بترك المدن والعيش في الغابة وفق نمط حياة بسيط. وكان جيروم ديفيد سالنجر، الذي نال شهرة مبكرة، قد كره الذيوع، وانتهاك الخصوصية فابتعد عن العيون. ومثله كانه توماس بنشون، الذي رفض الحياة العامة، وفضل أن يحمي حياته الشخصية بعيدًا عن التعقب والتلصص والإزعاج. وكان المفكر الفرنسي بيير بورديو لا يفضل الظهور أمام الكاميرات، وأطلق على التفلزيون اسم “جهاز تشويه المعاني”.
هذه أمثلة محددة لكتاب وأدباء ومفكرين فضلوا العزلة، أما إن تتبعناه في تاريخ الآداب والفكر الإنساني سنجدهم كثيرين. وتقف وراء حال هؤلاء جميعًا أسباب مشتركة، منها النفسي، مثل الاكتئاب الذي يصاحبه الميل إلى الانطواء، والشعور بالقلق من الأغيار الذي يفضي إلى تفضيل تجنبهم، والحساسية المفرطة من النقد، التي يفضل معها أصحابها الابتعاد عن الآخرين.
وهناك من يعتزل لأسباب فلسفية وروحية، زهدًا وترفعًا، أو رفضًا للقيم والممارسات الاجتماعية السائدة، أو ابتعادًا عما يعكر الصفو، ويجرح الذائقة، ويشوش على الذهن. وهناك من يعتزل لأسباب صحية أو مرضية، مثلل السنوات العشر الأخيرة في حياة طه حسين، والسنوات الأخيرة لمجيد طوبيا. وهناك من يفر من الإعلام فرار السليم من الأجرب، كارهًا أن يكون شخصية عامة تتلصص عليها العيون، وتتسقط الآذان أخبارها، فيشعر بأن خصوصيته منتهكة، وأسراره مفتضحة. ويوجد من يعتزل إحباطًا من أوضاع الثقافة وأهلها، أو رفضًا لما آل إليه حال الأكاديمية، والمثل الأبرز في هذا هو جمال حمدان. وهناك من يبتعد خوفًا من أن يؤدي الظهور إلى صدام مع السلطة السياسية، يورثه متاعب يرى أنه في غنى عنها. وهكذا تتعدد الأسباب والفرار من الضوء واحد.






















































