بقلم / راندا بدر
صحف القهر و ” عيد ميلاد ” الألم !!!
كنت أقرأ الأهرام قبل أن يعرف كثيرون معنى كلمة صحيفة ،
كانت ” ديوان الحياة المعاصرة ” كما وصفها عميد الأدب طه حسين ، كان لها تاريخ حافل ، و كان لها وجهة تسعد البصيرة قبل البصر ، كانت تحمل رسالة ، و تتحرى الدقة ، و تأنف الطعن العابر في الأشخاص ، و الهيئات ، تلك كانت أيام مضت ، و غابت عنها أيام ” عيد ميلاد ” الوهم ، الذي جعل الناشط ” حسام بهجت ” يسأل :-
في أي عالم تعيش صحيفة الأهرام ؟؟؟
، سؤال موجع … صحيح أن الأهرام اليوم تملك الحكومة الحصة المسيطرة فيها و تعين محرريها ، صحيح أيضا أن دورها – مع احترامي لبعض كتابها الكبار – قد تحول عن مساره التاريخي ، لكنها ، و منذ أن تأسست على يد الشقيقين سليم و بشارة تقلا عام 1875 ، ما أهانت نفسها و لا قراءها بهذا الشكل المخل الذي يروج لـ ” أول عيد ميلاد سعيد في الأراضي الفلسطينية ” ، ذاك وصف يليق بصحف لا تحمل إلا الصور ، و تزيف الألوان ، لا بصحيفة تأسس مقرها في شارع الجلاء ليكون أحد أجمل ، و أحدث المباني المخصصة للصحافة ،
“عيد ميلاد” الرماد …
الرجل يتأمل صورة الصفحة الأولى ، فيتأكد من تاريخها ، ثم يجيب على حيرة صديقه بما هو أشد حيرة :-
انها بدون شك سعادة الإبادة المستمرة ، كلمات صادقة كالمرارة ،
ما يحدث في الأراضي الفلسطينية ليس عيد ميلاد و لا سعادة ، إنه حزن عميق ، و نكبة متجددة ، و عويل يتجاوز كل ما كتبه الأسلاف على جدران التاريخ ،
أن تسمي صحيفة أهوال الحرب ، و دمار البيوت ، و قتل الأبرياء ” عيد ميلاد ” فهذا انحدار أخلاقي إلى الحضيض ، إنه يعكس عالما موازيا لا علاقة له بواقع الدم ، و الدموع ، عالم منفصل تماما عن صرخات الأمهات الثكلي ، و آنين آلاف المصابين و المرضي ، صمت و حزن عشرات الآلاف من الأطفال اليتامى الذين حرموا من أي ” عيد ميلاد ” حقيقي ،
مؤسسة صحفية عريقة مثل الأهرام ، تصدر بعدة لغات و لها طبعة دولية كانت تطبع في لندن ، و نيويورك ، و فرانكفورت ، ليس من الحكمة أن تسقط في هذا الفخ اللفظي البائس ، لقد أغضبت الرأي العام العربي و العالمي بكلمة ، وساهمت – ربما عن غير قصد – في تطييف المأساة ، هذا ليس رأيا سياسيا ، بل هو مسألة إنسانية أولا ، و أخرا ،
لم يكن كاتب هذه العبارة يحتسي قهوته في إحدى صالات الاستقبال الفاخرة في مبنى الأهرام ذي الاثني عشر طابقا حين كتبها ، لو كان جالسا في تلك الصالة التي صممت لتبث الإحساس بالراحة ، و الترحيب ،
و الآن … أين نذهب من هنا ؟
كان باب ” صدق أو لا تصدق ” في الأهرام من أشهر أبوابها ، و كان القراء ينتظرون يوم الجمعة لشراء الجريدة ، اليوم ، لست بحاجة إلى هذا الباب. يكفيك أن تنظر إلى عنوان كهذا لتقول :-
” لا أصدق ” ، الأدهى أن هذا ليس ” غرائب ” علمية أو قصصا عجيبة ، بل هو قلب لواقع الدم إلى ” تهنئة ” فارغة ،
· للقارئ العادي :-
علم أبناءك الفرق بين الحقيقة ، و الزيف ، لا تثق بكل ما تقرأه ، حتى لو كان منبعه ” عرين ” الصحافة العريقة ،
· لصحيفة الأهرام نفسها :-
تذكر تاريخك الذي ” يزيدك أصالة ” ، تذكر أن المهندس المعماري نعوم شبيب بنى لك مبنى ليحمل رسالة ، لا ليصبح قصرا للعزل عن آلام الناس ،
· لكتابها الشرفاء :-
ارفعوا أصواتكم ، ففي الماضي ، قدمت الأهرام للناس ” النخبة من الأدباء و المفكرين ” مثل طه حسين ، و توفيق الحكيم ، و بنت الشاطئ ، فمن أنتم اليوم لتسمحوا بمرور مثل هذه العبارات تحت أسمائكم ؟؟؟
في النهاية ، يا سادة في الأهرام ، العالم لا يعيش في ” عيد ميلاد ” مزيف … العالم يعيش في كفاح من أجل البقاء ، و الصحافة ليست حروفا جوفاء تطبع في مطابع دوارة متطورة ، بل هي ضمير يطبع على صفحة الوجدان الإنساني ، افتحوا نوافذ القاعة الزجاجية الكبيرة في مبناكم الفخم ، لعل نسمة من هواء الحقيقة تدخل ، و تعيد لكم شيئا من الروح التي جعلت منكم ” ديوان الحياة ” يوما ما ، قبل أن تتحولوا إلى سجل لموت الضمير ،
اللهم إنا نشهدك أن القلم لم يخن ، وإنما خانه حاملوه
# راندا بدر ،،























































