كتب د / حسن اللبان
كان كُتّاب القرية هو أول مرحلة فى تعليم الصغار قواعد وجماليات اللغة العربية فى الفترة أواخر القرن التاسع عشر؛ لذلك كانت بدايات التعليم لفنان مصر الكبير المثّال محمود مختار فى ذلك الكُتّاب حيث تلقّى تعليمه الأول، حتى إذا عاد إلى منزله بدأ يستجيب لشغفه وحبه فى تشكيل الطين على شاطئ الترعة التى تسير على شاطئها الفلّاحات يتمايلن والجرار على رءوسهن فى مشهد بدا من أوائل ما التقت عيناه وارتبط بها وجدانه ؛ ليستمر ولعه بحركاتهن فى الذهاب والإياب ينشدن ما يخفف عنهن عناء العمل المتواصل .. إنهن فلاحات قرية «نشا» بمحافظة الدقهلية التى وُلد فيها فى العاشر من مايو عام 1891، ذلك الكتّاب الذى اعتاد أهل الريف إلحاق أولادهم الصغار به حتى يتعلّموا اللغة العربية نطقاً وكتابة، ولم يكتف بالنظر إليهن لكنه بدأ يشكّلهن بقطع الطين فى تماثيل تنم عن موهبة وإدراك مبكر بالتشكيل بهذه الخامة البسيطة، وهداه تفكيره ليصطحب هذه التماثيل إلى المنزل ويدعها داخل الفرن، لتشكّل بعد خروجها من الفرن عالمه الأثيري؛ يحكى معها ويمنحها مجالا لتبادل الحوار فيما بينه وبينها تماما كلُعب الأطفال التى كانت نادرة فى ذلك الوقت !
استقرت والدته عند أقاربها بالقاهرة بعد عودتها من رحلة الحج فيما خاف أخوها صحبة أبنائها لها خوفا عليهم ، وقد قام بتهريبه إليها واحد من شيوخ القرية ليستقر معها فى حوش الشرقاوى بميدان باب الخلق ، ورغم أنه تعلّم القراءة والكتابة إلا أنه أحسّ بأنه خسر «الطين» الذى كان يشكّل به منحوتاته، لكنه ظل يرسم ويطالع الكتب التراثية ويحضر موالد القاهرة العتيقة . لقد كانت موهبته تدفعه للاستقلال بنفسه فى الوقت الذى أعلن فيه الأمير يوسف كمال افتتاح مدرسة الفنون الجميلة بدرب الجماميز عام 1908 ، وتحديدا فى 13 مايو، وقد اعتبر المؤرخون أن ذلك العام شهد إرهاصات ثورة 1919 واعتبروه أيضا عام التنوير حيث دعا الزعيم مصطفى كامل لتأسيس جامعة القاهرة، ورضخ أهله للاستجابة لميوله للالتحاق بالمدرسة التى بدأت مع ذلك العصر.
وعندما بلغ السابعة عشرة من عمره كان لديه إصرار وعزيمة لا تلين فى التحاقه بها، ما أدى لرضوخ أهله لرغبته الجامحة، بعد أن التحق بها دون علمهم وكانت موهبته الواضحة سببا فى اختياره للالتحاق بها، وقد فتحت له المدرسة أبوابها بناء على رغبته فى المزيد من الإنتاج وظل يعمل ليل نهار، وفى هذه الفترة نحت مختار تمثالين للزعيمين مصطفى كامل ومحمد فريد.


لقد كان محمود مختار نموذجا وطنيا من الطراز الأول؛ فقد قُبض عليه بعدما دفع حكمدار القاهرة ليقع من فوق حصانه على الأرض، وأفرج عنه بعدما قال زملاؤه إن سقوط الحكمدار، تم بسبب ثورة الحصان، بعدما تم فصلهم وطالت مدة الفصل؛ انتهزوها فرصة لعرض أعمالهم ورسومهم ومنحوتاتهم فى محل فى نفس شارع المدرسة، وهو ما حثّ ناظر المدرسة على إعادتهم لها مرة أخرى .
شهد عام 1910 قرار الأمير يوسف كمال بسفر مختار إلى باريس لإتمام دراسته بعد تميّزه فى أول معرض أقيم لأعمال طلاب مدرسة الفنون فى شارع المدابغ بنادى محمد على، وقد أقامه مع زملائه وعرض فيه تمثالا لزميله محمد حسن، وكان هذا القرار والسفر بمثابة الضوء الذى سطع لينير له الطريق، حيث التقى هناك الفنان الفرنسى «كوثان»، أما الطلبة فقد حملوه بعدما ألبسوه تاجا ورقيا كُتب عليه «رمسيس الثاني» مرددين الهتافات والأغانى وبدأ بالتعرّف على الحى اللاتينى ليشهد مناخ الحرية الفنية .
«إننى أرى مستقبلى أمامى زاهرا كالشمس، وماهى إلا خطوات وأصل إليه مع الصبر والاستمرار فى العمل الصحيح» تلك كانت كلمات مختار التى سطرّها لأسرته مصحوبة بالأمل فى التوفيق. وكما التقى مختار بالجمال النضر وتعلّق وجدانه فى مصر – من بعيد – بإحدى قريبات أستاذه «فورشيلا» التقى فى باريس بالجميلة «جرمين» لكنها تخلّت عنه عندما علمت أنه يريدها له وحده ! وتعرّف على سمات المجتمع الباريسى الذى يتسم بالحب والصداقة والمتعة والحرية.
شارك مختار فى المعرض السنوى للفنانين الفرنسيين بتمثال «عايدة» الذى استوحاه من أوبرا عايدة لـ”فيردي» وقد لاقى استحسانا كبيرا من النقاد والزوار، وعاد إلى باريس مرة أخرى بعد أن جاء إلى القاهرة، رافضا عرضا بتعيينه مديرا لمدرسة الفنون الجميلة!
وبدأت الحرب العالمية الأولى، وقد تحمّل أثناءها خطورة العمل فى أحد مصانع الذخيرة الحربية هناك بحثا عن لقمة العيش وليستطيع أن ينحت تماثيله بالخامات التى يشتريها من مقابل ذلك العمل ، وبعد أن بدأت غيوم الحرب تنقشع؛ وافق مختار على اختياره مديرا لمتحف «جريفان» ليبدع مجموعة من «البورتريهات» للقادة والمشاهير فى ذلك الوقت بالإضافة إلى تماثيل الموضوعات مثل «تدمير كاتدرائية ريمس» و«عودة الجنود الفرنسيين إلى باريس بعد النصر».


وتعلّم مختار من مثال فرنسا العظيم «رودان» وتردد على مرسمه كثيرا؛ ونحت تماثيل لخالد بن الوليد وعلى بن أبى طالب وطارق بن زياد، وكذلك أحمد شوقى وحافظ إبراهيم وسيد درويش؛ إلا أن أشهر أعماله على الإطلاق هو «نهضة مصر» الذى استقر أمام حديقة الحيوان بالجيزة مواجها لجامعة القاهرة، وقد أسهم الشعب المصرى بكل فئاته وطوائفه بالاكتتاب فى هذا العمل الوطنى والتحمّس لإقامته، وقد شارك مختار بنسخة مُصغّرة منه بخامة الرخام فى المعرض الدولى مع مشاهير المثالين والمصورين العالميين ولاقى استحسانا كبيرا، وكُتب عن هذا العمل العبقرى وأشادت به كبريات الصحف الفرنسية، والمفاجأة أنه فاز بالميدالية الذهبية متفوقا على أقرانه من مختلف دول العالم!


واختار مختار خامة الجرانيت المصرية الأصيلة لتنفيذه بها بعد العديد من المقترحات جاءت على لسان لجنة ضمت العديد من الباشوات والبكوات ، وكذلك بعد العديد من المداولات والبيروقراطية التى صدرت من موظفى وزارة الأشغال؛ استطاع الشعب المصرى أن يؤازر الفنان الكبير، وهذه الأحداث جعلت مختار يبدع الكثير من التماثيل الصغيرة مثل «كاتمة الأسرار» و«لقية فى وادى الملوك» ليسافر بهما إلى باريس وقد لاقى هذان التمثالان نجاحا باهرا وذاعت شهرته فى صحف مصر وباريس ، ورُشّح لوسام جوقة الشرف.


أزاح الملك فؤاد الأول الستار عن تمثال «نهضة مصر» فى العشرين من مايو عام 1928 وألقى رئيس الوزراء الخطاب الرسمى، كما ألقى أحمد شوقى قصيدة خاصة بالمناسبة، فقد كان حدثا جليلا اندمج بعده مختار فى تنظيم مدرسة الفنون الجميلة العليا وتدريس النحت بها ، وانضم بعدها لجماعة الخيال عام 1923 وتعد أول جماعة فنية فى تاريخ الحركة الفنية المصرية تدعو إلى إحياء الفن المصرى فى الداخل والخارج وأقامت أول معرض لها منقطع النظير فى مرسم «روجيه بريفال» وسط القاهرة، أما المعرض الثانى فقد أقيم فى ديسمبر عام 1927 شارك فيه مع مختار الفنانون: راغب عياد ومحمود سعيد ومحمد حسن و«بريفال» و«بوجلان» و«هاردى» و»بيبى مارتان».


فى أوائل الثلاثينيات من القرن الماضى دعته مصر لينحت تمثالا للزعيم سعد زغلول وسطع نجمه، ولم يفكر فى عمل تمثال واحد بل آخر للإسكندرية، ولأنه مبدع لا يركن إلى نسخ التمثال ؛ فقد قدّم فى القاهرة ما يعبّر عن هذه المدينة المتميزة بمناخها الحار، فجعله يلقى بـ «جاكيت» البذلة على ظهر المقعد، ويشير بيده اليمنى إلى هذه المدينة العريقة، أما تمثال الإسكندرية فقد ألبسه البالطو مُهمّا بالسير معبّرا من خلال ذلك عن برودة المناخ فى عروس البحر المتوسط.


بدأ جسد الفنان محمود مختار يذبل فقد تسلل إليه المرض الخبيث عام 1931 وعاد إلى مصر ليتم إجراء جراحة استئصال هذا المرض، إلا أنه هاجم جسده بقوة متخطيا كل وسائل العلاج، وقام بزيارته بعض أصدقائه وعلى رأسهم السيدة هدى شعراوى وقد كانت تزوره يوميا، وقد سعت بجدية لجمع أعماله الفنية التى كانت موزّعة بين مصر وبعض بلاد أوروبا وعلى رأسها فرنسا، ونجحت فى إعادة معظم أعماله بوطنيتها المعهودة، كما قامت برئاسة أول جماعة لأصدقاء مختار ضمت مجموعة كبيرة من علماء وأدباء مصر وفنانيها، ولم تكتفِ بذلك؛ بل نجحت فى جمع معظم أعماله وناشدت الدولة بإنشاء متحف، وتمت الاستجابة لدعوتها بإعادة أعماله ليضمها هذا المتحف الشهير بحديقة الحرية أمام كوبرى الجلاء بوسط القاهرة، ليظل شاهدا على العبقرية المصرية وتواصلها عبر التاريخ القديم والحديث.























































