بقلم د / حسن اللبان
مسألتش نفسك: إيه اللى يخلى ناس أصحاب سلطة ومال وجاه ونفوذ زي ترامب وبيل جيتس وكل المشاهير اللى شفنا فضايحهم فى تسريبات إبستين، ايه اللي يخليهم يعملوا علاقة مقرفة مع طفلة بشكل ممكن يضر صورتهم ومستقبلهم كده؟؟؟؟؟!!
علاقة مفيهاش اي اشباع لشخص سوى، في حين انهم لو شاورا بس على أجمل جميلات العالم هتجرى عليهم فورا؟؟
قضية جيفري إبستين مش مجرد فضيحة سياسية ولا قصة انحراف فردي، دي لحظة كاشفة. لحظة بتورينا وشّ الإنسان لما يمتلك المال بلا حدود، وسلطة بلا حساب، وحماية تخليه حاسس إنه فوق القانون وفوق البشر.
اللي حصل هناك مش استثناء، ده نموذج بيتكرر كل مرة السلطة تتفلت من أي رقابة، وساعتها مش القانون بس اللي بيقع، الإنسان نفسه اللي بيقع.
والفكرة دي مش جديدة، ولا وليدة عصرنا. من أكتر من قرنين، الأرستقراطي الفرنسي سيئ السمعة الماركيز دي ساد ( وده اللي اشتقت مصطلح السادية من اسمه )…كتب رواية صادمة اسمها “أيام سدوم المائة والعشرون”.
الرواية بتحكي عن أربع شخصيات بتمثل قمة الهرم الاجتماعي: سلطة، دين، قانون، ومال. الأربعة قرروا يعزلوا نفسهم في قلعة بعيدة عن أعين الناس، .ومعاهم مجموعة من المراهقات ….ومع العزلة سقطت كل حاجة: الحضارة، الأخلاق، والرحمة. اللي حصل جوه القلعة كان بشع، …انحرافات من كل نوع ….لكن الرسالة كانت أوضح وأخطر: لما الإنسان يتحط في مكان مفيهوش محاسبة، الوحش اللي جواه بيصحى.
علم النفس الحديث أكد نفس المعنى. وعالم النفس الشهير فيليب زيمباردو شرح ده في كتابه تأثير لوسيفر بعد تجربته المعروفة باسم تجربة سجن ستانفورد.
التجربة دي انهم جابوا ناس عاديين وقسموهم مجموعتين …حراس ومساجين ….وادوا الحراس سلطة مطلقة ….بدون حساب …. التجربة أثبتت إن الشر مش دايمًا صفة متأصلة في الشخص، لكن أحيانًا بيكون نتيجة بيئة بتدي سلطة مطلقة، وتنزع أي خوف من العقاب. مع الوقت، التعاطف بيختفي، والضمير بيخفت، والسلوك الوحشي يبقى عادي.
لكن فيه بعد تاني أخطر، وده متعلق بالدماغ نفسه.
ففي علم النفس العصبي، الدماغ بيعتاد أي متعة مهما كانت قوية. العربية الجديدة تبقى عادية، النفوذ يبقى ممل، والملذات الطبيعية تموت. النخبة اللي وصلت للتخمة الكاملة بتدخل مرحلة اسمها “ملل القمة”. ساعتها الدوبامين ما بقاش يشتغل بالحلال والعادي، فيبدأ العقل يدور على نشوة أقوى، مش في الجنس، لكن في كسر التابوهات. هنا المتعة مش في الفعل نفسه، لكن في الإحساس إن “مفيش حد يقدر يمنعني”.
فيه كتاب مهم يحكي لك عن سيكولوجية هؤلاء القوم .. لنفهم كيف يتحول “الإنسان” إلى “مسخ” هذا الكتاب هو “تأثير لوسيفر” لعالم النفس الشهير فيليب زيمباردو، صاحب تجربة سجن ستانفورد الشهيرة … زيمباردو في هذا الكتاب يطرح نظرية مخيفة تقول: الشر ليس دائمًا “صفة أصيلة” في الشخص.. الشر هو نتاج البيئة والسلطة، فعندما تضع إنسانًا في بيئة تمنحه سلطة مطلقة (مثل جزيرة إبستين أو قلعة دي ساد)، وتنزع عنه المحاسبة، وتوفر له سرية تامة.. فإن الدوائر العصبية المسؤولة عن التعاطف في مخه تنطفئ تدريجيًا، ويستيقظ الجانب المظلم.


لكن هذا ليس كل شيء ياعزيزي .. فهناك فصل آخر في كتاب النفس البشرية يفسر هذا السعار الجنسي والوحشي، وهو يعتمد على ميكانيزمات عصبية دقيقة يسميها العلماء:
لعنة “تسامح الدوبامين” أو ملل الآلهة
في علم النفس العصبي، هناك قانون يحكمنا جميعًا: “الدماغ يعتاد المحفزات، أنت حين تشتري سيارة جديدة، تطير فرحًا.. بعد شهر، تصبح عادية.
هؤلاء القوم يا صديقي (المليارديرات والنخبة) وصلوا لمرحلة التشبع التام.. أكلوا أفخر طعام، ركبوا أغلى طائرات، امتلكوا كل ما يمكن شراؤه.. فماتت عندهم “المتعة الطبيعية”. أصابهم ما يسميه العلماء “ملل السلطة”
والدوبامين لم يعد يُفرز بالأشياء المباحة.. وهنا تبدأ الكارثة: البحث عن النشوة القصوى .
العقل المريض يبدأ يبحث عن كسر التابو.. عن المستحيل.. عن المحرم دولياً وأخلاقيًا
لكن ياعزيزي … لماذا الأطفال؟ ولماذا العنف؟
لأن هذا ببساطة هو “الخط الأحمر” الوحيد الباقي.. وكسره يعطيهم دفقًا شعوريًا بأنهم فوق البشر، وأن قوانين القطيع (نحن) لا تسري عليهم. هم لا يبحثون عن الجنس.. هم يبحثون عن “نشوة انتهاك القانون الإلهي.
علشان كده دايمًا الضحية بتكون الأضعف. الطفل، المستضعف، اللي ملوش حماية. مش لأنهم بيدوروا على شهوة، لكن لأن كسر آخر خط أحمر بيديهم إحساس زائف إنهم فوق البشر.
التاريخ بيكرر نفسه بنفس القذارة. في عصور انحطاط روما، نبلاء الإمبراطورية كانوا يقعدوا على موائد مليانة بما لذ وطاب، ياكلوا لحد ما بطونهم تتملي، وبعدين يتعمدوا التقيؤ علشان يرجعوا ياكلوا تاني. مش علشان جوعانين، لكن لأن الرغبة ملهاش نهاية. المعدة ليها حد، لكن الشهوة لا. وده نفس اللي بيحصل عند النخب المنحرفة: تقيؤ للإنسانية علشان استمرار الاستهلاك.
الدين بقى كان أسبق وأوضح من علماء النفس:
– القرآن لخّص المأساة دي كلها في آية قصيرة لكنها شديدة البلاغة:
﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ﴾.
الطغيان مش بييجي من الفقر، لكنه بييجي من لحظة الاستغناء، وعلشان كده قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾.
– والإنجيل قال نفس المعنى تقريبًا، بنفس التحذير الحاد: «الشرير في كبريائه لا يطلب الله… لأن طرقه دائمًا مزدهرة في عينيه»
(مزمور 10:4–5)
الكبرياء هنا ناتج عن شعور زائف بالقوة والاستغناء.
الخلاصة…
إحنا مش بنتكلم عن شوية منحرفين، ولا عن حادثة معزولة. إحنا بنتكلم عن طبيعة بشرية لو تُركت بلا حدود، تتحول لوحش.
وخلى بالك، الدين، والقانون، والحدود مش قيود بتخنق الإنسان، دي حواجز أمان بتحميه من نفسه. لأن الإنسان، لما يحس إنه إله صغير، مش عبد… بيحترق، ويحرق اللي حواليه، ويقع لمستوى تترفع عنه البهائم.






















































