قبل أربعة عقود، تحوّلت 126 لقطة فوتوغرافية التقطتها المصوّرة الأمريكيّة نان غولدين عن الحب والفقدان والحميمة إلى أحد أكثر كتب التصوير تأثيرًا في التاريخ.

تتبّع كتاب “أنشودة التعلّق الحميمي” (The Ballad of Sexual Dependency) الصادر عن دار النشر الأمريكية “أبرتشر” في العام 1986، غولدين وأصدقاءها بين نوادٍ ليلية معتمة، وغرف نوم تغمرها أشعة النهار، ورحلات سيارات متأخرة ليلًا في حي إيست فيليدج بنيويورك، قبل أن يتحرّك عبر الزمان والمكان إلى شيكاغو ولندن وبرلين ومكسيكو سيتي.

أدخل هذا العمل، شديد الخصوصية والحميمية، القارئ إلى المشاهد، ليتشارك معهم البحث عن الانتماء والرغبة، وعيش لحظات الحب والانكسار.

ورغم أن المجموعة كويرية في غالبيتها وتأثّرت بعمق بأزمة الإيدز، قالت غولدن إن أعمالها كثيرًا ما يُساء فهمها على أنها تتناول أشخاصًا مهمّشين.

وقالت غولدن لمتحف الفن المعاصر في لوس أنجلوس عام 2013: “لم نُهمّش أبدًا لأننا كنا العالم. لم نهتم برأي الأشخاص المغايرين لنا، لم يكن لديهم وجود على رادارنا، لذلك لم نُهمّش من أي شيء”.

تعرض صالة عرض “غاغوسيان” هذا الشهر في لندن جميع الصور الـ126 الواردة في الكتاب، في أول عرض كامل لها في المملكة المتحدة. وقد تجاوز العمل حدود الكتاب بذاته، إذ قُدّم عبر صيغ متعددة على مر السنوات، وضم مئات الصور التي استمرّت في التطوّر مع الزمن.

قبل صدور الكتاب، كانت التجربة عابرة ونادرة. فقد صمّمت غولدين العمل في الأصل على هيئة عرض شرائح بصري متزامن مع أغانٍ لفرقة الروك الأمريكيّة “ذا فلفت أنديرغراوند” والمغنية الأمريكيّة ديون وارويك، عُرض في نوادٍ ليلية مختلفة في أنحاء نيويورك، قبل أن يُقدّم لاحقًا ضمن معرض “بينالي ويتني” الفني، عام 1985.

."صور من زفاف إحدى صديقات المصوّرة بعنوان "زفاف كوكي وفيتوريو، نيويورك سيتي
.”صور من زفاف إحدى صديقات المصوّرة بعنوان “زفاف كوكي وفيتوريو، نيويورك 

تتلاحق الصور في هذه النسخة من العمل كوميض: أصدقاء على رمال الشاطئ، بنظرات مشرقة، أو فاترة، أو مشبعة بالحنين. دخان السجائر معلّق في الهواء. صديقة غولدين المقرّبة، كوكي، تقع في الحب؛ تتزوّج؛ ثم ترحل هي وزوجها

أوضحت كاثرين أ. بوسارد، مديرة قسم التصوير الفوتوغرافي في متحف جامعة برينستون للفنون، الذي اقتنى حديثًا، إحدى نسخ عرض الشرائح: “أعشق هذا العمل لأنه يشغل مساحة هجينة، تجمع بين التصوير الفوتوغرافي والزمن، في آن واحد، لكنه يعمل أيضًا كنوع من السينما الغامرة أو فن التركيبات الفنية. كان عرض الشرائح في الأصل أداءً حيًا بالكامل، حيث كانت الفنانة تقف هناك، وتُسقط الشرائح، وتُدير الموسيقى كمنسقة أغانٍ.. ومن شاهدوا العرض بهذه الطريقة يتحدثون عن الإحساس بالحياة في تلك التجربة”

وأضافت بوسارد أن الكتاب بحد ذاته يشكّل نوعًا خاصًا من الحميمية، وله إيقاعه الداخلي الذي يقود القارئ ذاتيًا من دون أي وساطة. فجاء فهرس المحتويات على هيئة عناوين أغانٍ يمكن لمن يشاء الاستماع إليها بالتوازي مع تصفح الصفحات، كما ظهرت لاحقًا قوائم تشغيل غير رسمية على منصّة “سبوتيفاي” لترافق هذه التجربة الفريدة.

لقطة لأسرّة فارغة في بوسطن من الكتاب.
لقطة لأسرّة فارغة في بوسطن 

وفي حين بات يُتوقّع اليوم من الفن أن يكون شديد الخصوصية ومرتبطًا بالتجربة الشخصية للفنان، أكدت بوسارد أن غولدين كانت تستبق زمنها، في مرحلة كانت فيها صناعة الصورة تشهد تحوّلات جذرية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

 آنذاك، ساد التشكيك في إمكانية إنتاج فن “جدي” انطلاقًا من التجربة الذاتية المعاشة، وكذلك في اعتبار التصوير الملوّن وسيطًا صالحًا لهذا النوع من الفن. لكن هذا الكتاب، بأسلوبه القريب من اللقطات العابرة، ساهم في كسر هذين القالبين وإعادة تعريف حدود الفن الفوتوغرافي.

وأوضحت بوسارد: “هناك طريقة تجعل التكوينات البصرية، والوجوه، وحتى ضبابية الصورة أحيانًا، تستحضر فينا صورًا التقطناها نحن أو التقطتها عائلاتنا لنا، تلك الصور التي أصبحت مستودعًا لذاكرتنا”. 

وأضافت: “لم يصنع الناس ألبومات عائلية عن الانكسار؛ ولم يستخدموا الكاميرات لتوثيق لحظات اليأس أو الشوق أو الألم أو الموت، ومن هنا، فإن هذا العمل، رغم اعتماده على روح اللقطات العابرة، وسّع المعنى وصارت التجربة أكثر عمقًا وشمولًا”.

أما غولدين نفسها، فقد كتبت عن قوة الذاكرة وما تحرّكه من حواس، ووصفتها في أحد نصوصها المنشورة في الكتاب بأنها: “استدعاء للّون والرائحة والصوت والحضور الجسدي، لتصوير عمق الحياة وغناها”.

وهو اقتباس تقول بوسارد إنها تعود إليه كثيرًا، مضيفة: “حين نتذكّر، لا نحيل الذكريات إلى الأبيض والأسود. نحن نتذكّرصوراً بالألوان، وناطقة بأصواتنا”.