كتب د / حسن اللبان
في يوم رأس السنة، أدى عمدة نيويورك الديمقراطي الاشتراكي الجديد، زهران ممداني، اليمين الدستورية، وكانت زوجته، راما دوجي، إلى جانبه، ولفتت الأنظار بمعطفها البني الرومانسي، المزيّن عند الحافة والأكمام بفرو صناعي بلون الشوكولاتة.
بالنسبة لزوجات السياسيين، يعتبر معطف التنصيب بمثابة تحديد للأجندة، أي أول بيان يتناول كيفية تعامل أمرأة ربما طمحت أو لم تطمح لأن تكون رمزًا عامًا، بواسطة الملابس لتوضيح إدارة زوجها، أو أنها مكمّلة لها
وفي العام 2009، ارتدت ميشيل أوباما معطفًا وفستانًا متناسقين باللون الأصفر المائل للأخضر من تصميم المصممة الكوبية الأمريكية إيزابيل توليدو، وهي ليست اسمًا مألوفًا كما هي الحال مع المصممين المعتادين للسيدة الأولى مثل أوسكار دي لا رنتا أو رالف لورين، ويشير ذلك إلى أن أوباما ستوجّه الانتباه في طلاتها نحو مصممين أمريكيين أقل شهرة، غالبًا من ذوي البشرة الملونة وأصحاب المشاريع الصغيرة.
وفي العام 2017، اختارت ميلانيا ترامب فستانًا من الكشمير الأزرق الباهت من رالف لورين مستوحى من الستينيات، ربما كإيماءة للوحدة من خلال لمسة من أناقة كينيدي.


في حفل تنصيب دونالد ترامب الثاني، مرّرت عبر معطفها المفصّل من تصميم آدم ليبس، وقبعتها ذات الحافة العريضة من تصميم إريك جافيتس، رسالة إلى العالم مفادها أنّ السيدة الأولى هذه المرة لن تسعى إلى ممارسة أيّ “قوة ناعمة”.
وقد أصبحت القبعة، التي ألقت بظلّها على جزء كبير من وجهها، رمزًا دائمًا لمراوغتها، وللتعتيم المستمر لإدارة ترامب.
مع ذلك دوجي هي زوجة عمدة ولاية، لا زوجة رئيس، لكن فوز زوجها استقطب اهتمامًا دوليًا. وللوهلة الأولى، بدت إطلالة دوجي الخارجية وكأنها تلتزم بقواعد “الدبلوماسية عبر الأزياء”، فالمعطف كان نسخة خاصة من تصميم عُرض على منصات الأزياء، وقد طلبته دوجي ودفعت ثمنه بنفسها، وفقًا لمتحدث باسم الإدارة، من ابتكار المصممة اللبنانية لأمّ فلسطينية سينتيا مرهج من دار “Renaissance Renaissance”.


وكما أوضحت منسقة أزياء دوجي، غابرييلا كاريفا-جونسون، المحررة السابقة المساهمة في مجلة “فوغ”، في منشور على منصة “Substack”: “في أول يوم رسمي لها بصفتها السيدة الأولى لمدينة نيويورك، ترتدي راما زيًّا لدرا تصميم مستقلة صغيرة تقودها امرأة من الشرق الأوسط. هذا التمثيل له صداه. إنه يتردّد ويتضاعف”.
هذا النوع من الأزياء الذي تعكس السيرة الذاتية شائع بين النساء في عالم السياسة، أي ارتداء قطعة تُشير إلى الطابع التاريخي لمنصبهن في الحكومة. كما عبّر ممداني عن تراثه بارتدائه ربطة عنق من تصميم المصمم الجنوب آسيوي كارتيك كومرا، مؤسّس علامة “Kartik Kumra”، في حفل أداء اليمين الذي أقيم بعد منتصف الليل بقليل.
في ذلك الحدث، ارتدت دوجي معطفًا قديمًا من “بالنسياغا” مستأجرًا من أرشيف أزياء، كما كتبت كاريفا-جونسون، في إشارة إلى حبها للملابس المستعملة، إلى جانب زوج من الأحذية طويلة الرقبة من العلامة البريطانية “Miista”.
وتعد أحذية “Miista” مشهدًا مألوفًا في خطوط مترو مدينة نيويورك، وهي محبوبة لدى الشابات اللواتي يعجبهن طابعها الغريب والجذاب، لكن من دون تحمّل الأسعار الباهظة لـ”برادا” أو “بالنسياغا”.
ويمكن الحصول على زوج مستعمل منها عبر منصات مثل “Depop” أو “The Real Real” مقابل نحو 200 دولار. وهنا، بدا وكأنها تقول إنها مجرد امرأة شابة عادية من نيويورك، تحب الأحذية القديمة منخفضة الكعب والعملية قليلًا.
وقد انتهزت صحيفة “نيويورك بوست” الفرصة للتركيز على حذاء دوجي، الذي يُباع بسعر 630 دولارًا، باعتباره دليلًا على النفاق. فكيف يمكن لممداني الذي خاض حملته الانتخابية على أساس القدرة على تحمّل التكاليف، أن يقول لسكان نيويورك إنه يتفهم معاناتهم المالية، بينما تظهر زوجته إلى جانبه مرتدية حذاءً يبلغ ثمنه 630 دولارًا؟
(أشارت كاريفا-جونسون في منشورها بعد بضع ساعات إلى أنّ الحذاء كان مُستعارًا).
نظرًا لبراعة ممداني في إدارة صورته، وتألّق دوجي في عالم الموضة قبل التنصيب، يبدو أن حادثة الحذاء كانت أقرب إلى فخٍّ محكم نُصب لمنتقديهما منها إلى زلّة غير محسوبة. ففي أواخر ديسمبر/كانون الأول، ظهرت دوجي على الغلاف الرقمي لمجلة “نيويورك” في صور جريئة ومُصمَّمة بأسلوب لافت التقطها المصوّر سيلفيستر ماكو، لم تكن تلك الصور الصحفية الهادئة والمُنمّقة التي يتوقعها المرء من زوجة سياسي، بل صور أنيقة ذات طابع مرح تستحضر الحركية المتكلّفة لمصوّر الموضة إيرفينغ بن. وقالت دوجي في ذلك الحوار: “أحب الموضة، وأحب الإبداع وجمع الأشياء معًا وتنسيقها”.
من الواضح أن ممداني ودوجي يدركان حجم الانتقادات المحتملة، ومع ذلك فهما مستعدان لخوض التجربة. وقد أشارت بيانات الأزياء المرافقة لقصة دوجي في “نيويورك” إلى أن القطع كانت “مُعارة”، وهو إجراء معتاد في صناعة مجلات الموضة، لكنه على الأرجح أُبرز عمدًا لتفادي أي غضب قد ينشأ عن ظهور السيدة الأولى مرتدية سترة من علامة “Jacquemus” بسعر 1850 دولارًا.
وقد أقدمت على خطوة جريئة بتغيير منسّق الأزياء. فبينما تعاون ممداني ودوجي مع بايلي مون، المنسّقة السابقة لجيل بايدن، في أزياء حفل النصر في نوفمبر/ تشرين الثاني، لجآ يوم الخميس إلى كاريفا-جونسون. وتُعرف كاريفا-جونسون بصراحتها في انتقاد إخفاقات صناعة الموضة ومواقفها من حرب إسرائيل–حماس، فهي في آنٍ واحد من داخل هذا العالم، تحضر أسابيع الموضة في ميلانو وباريس، وناقدة دائمة له. إنها تمشي على حبل مشدود من النوع الذي قد تحتاج دوجي نفسها إلى السير عليه.
وعن قرار العمل مع كاريفا-جونسون، قال متحدث باسم ممداني: “ما يميزها وضوحها الأخلاقي. فهي ترفض فكرة أن تكون الموضة حيادية أو جوفاء أو منفصلة عن العالم الذي تتحرك فيه. عملها يؤكد أن للأزياء قيمًا وتاريخًا وثقافة، ويرفض راحة الوقوف على الحياد”.
وفي شرحها لمنهجها في تنسيق ملابس دوجي، كتبت كاريفا-جونسون أن محادثاتهما كانت “كلها في خدمة تقويضٍ خفيّ لتوقعات كيفية ظهور السيدة الأولى، أو كيف ينبغي لها أن تظهر. وأعتقد أننا وجدنا الإجابة أخيرًا: كيفما تشاء”. إنها ليست امرأة تتجنب النقد بحذر شديد.
تبدو إدارة ممداني وكأنها تطرح وجهة نظر مختلفة بشأن الأزياء عمّا قدمه السياسيون السابقون، سواء من اليمين أو اليسار. وسيكون من الصعب إيصال هذه الفكرة إلى أمريكا، بل وحتى إلى مدينة كاملة، تشكّك في قيمة الملابس الجيدة.
وكما أشار المدافعون من جميع الأطياف السياسية، عندما ترتدي السيدات الأول أو الشخصيات السياسية ملابس باهظة الثمن، ألا ينبغي لهن ذلك؟ ألا يُنفق معظم الأمريكيين مبلغًا إضافيًا لشراء فستان لحضور حفل زفاف أحد أحبائهم، أو حفل تخرج، أو حتى استعارة فستان إن أمكن؟ يبدو أن مدرسة ممداني الفكرية ترى أنه إذا لم تكن أسعار الضروريات الأساسية، كالإيجار والبقالة ورعاية الأطفال، باهظة، فبإمكان المرء اقتناء أشياء جميلة من حين لآخر.

























































