كتب د / حسن اللبان
يمثل مشروع الدلتا الجديدة الذى افتتحه أمس السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى، أحد أكبر مشروعات التوسع الزراعى فى العالم، وأحد أكبر المشروعات القومية التنموية التى تنفذها الدولة المصرية على مساحة تصل إلى 2.2 مليون فدان، فى إطار رؤية شاملة تستهدف زيادة الرقعة الزراعية لتحقيق الأمن الغذائي، وإقامة مجتمعات عمرانية وإنتاجية متكاملة، بما يدعم بناء اقتصاد إنتاجى مستدام قائم على تعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية ورفع كفاءة إدارة الأصول.
يأتى المشروع ضمن إستراتيجية جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة الهادفة إلى تنفيذ مشروعات قومية متكاملة تعتمد على أحدث النظم العلمية والتكنولوجية، وتحقق التكامل بين الزراعة، والتصنيع، والخدمات اللوجستية، والتنمية العمرانية والتحول الرقمى بما يعزز قدرة الدولة المصرية على مواجهة التحديات المستقبلية وتحقيق التنمية المستدامة.


نموذج للتوسع الزراعى
خلال سنوات قليلة، تحول المشروع من فكرة طموحة إلى واقع تنموى ضخم يجسد قدرة الدولة المصرية على تنفيذ مشروعات عملاقة وفق معدلات إنجاز غير مسبوقة.
ويقود جهاز مستقبل مصر منظومة متكاملة من المشروعات القومية، من خلال شراكات إستراتيجية فعالة مع القطاعين العام والخاص داخل مصر وخارجها، إلى جانب التعاون مع المؤسسات المالية الدولية والمحلية فى مجالات التمويل والدعم الفنى والاستثمار المشترك، وتتمثل المهمة الأساسية للجهاز فى الاستثمار التنموى باعتباره أداة فاعلة لدعم الناتج المحلى والمساهمة المباشرة فى نمو الاقتصاد المصرى عبر مشروعات قائمة على الإنتاج الحقيقى والتكامل بين القطاعات والإدارة الرشيدة للأصول.
ويتبنى الجهاز مفهوم التنمية الشاملة بمختلف أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، مع الالتزام بتطبيق مبادئ الاستدامة فى جميع أنشطته، بما يضمن الحفاظ على الموارد الطبيعية وصون حقوق الأجيال القادمة، إلى جانب الإسهام فى خلق فرص عمل مستدامة وتعزيز التوازن التنموى على مستوى الجمهورية.
نموذج للتنمية المستدامة
يرتكز نموذج العمل داخل جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة على تطوير وتنفيذ نموذج وطنى متكامل للتنمية المستدامة يعتمد على تعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة.
ويعمل جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة على تنفيذ مشروعات متكاملة تشمل الزراعة الحديثة والتوسع الزراعى والتصنيع الزراعى والصناعات الغذائية و الطاقة المتجددة والبنية التحتية والثروة الحيوانية والداجنة والسمكية والمجتمعات الذكية والتطوير العقارى والتنمية العمرانية والاستثمار اللوجستى وسلاسل الإمداد والتحول الرقمى وتكنولوجيا الخدمات وتوفير السلع الإستراتيجية وتعزيز الأمن الغذائى والتعدين والسياحة، ويستهدف الجهاز من خلال هذه المشروعات دعم الاقتصاد الوطني، وزيادة الصادرات، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، ورفع تنافسية مصر إقليميًا ودوليًا.
ويمثل مشروع الدلتا الجديدة أكبر مشروع زراعى وتنموى متكامل فى تاريخ مصر الحديث، ويقع غرب الدلتا القديمة بامتداد محور الشيخ زايد، ليربط بين محافظات مطروح والبحيرة والجيزة والفيوم، ويستهدف إنشاء قاعدة إنتاجية زراعية وصناعية وعمرانية متكاملة، بما يحقق الأمن الغذائي، ويزيد الرقعة الزراعية، ويدعم الاقتصاد الوطنى.
تحقيق الأمن الغذائي
يرتكز المشروع على مجموعة من الأهداف الاستراتيجية فى مقدمتها تحقيق الاكتفاء الذاتى من المحاصيل الإستراتيجية وتقليل الفجوة الاستيرادية وزيادة الرقعة الزراعية فى مصر و دعم منظومة التصنيع الزراعى وتعظيم القيمة المضافة للإنتاج الزراعى وإنشاء مجتمعات عمرانية وإنتاجية جديدة وتوفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة وتعزيز تنافسية الصادرات الزراعية المصرية ورفع كفاءة استخدام المياه والطاقة.
ويعتمد المشروع على منظومة مائية متكاملة تُعد من الأكبر والأكثر تطورًا فى المنطقة، حيث يتم توفير المياه من خلال ثلاثة مصادر رئيسية تشمل المياه السطحية، ومياه الصرف الزراعى المعالج، والمياه الجوفية وفق ضوابط الاستدامة والحفاظ على الخزانات الطبيعية. ويهدف المشروع إلى تحقيق أعلى معدلات الكفاءة الإنتاجية مع ترشيد استهلاك المياه والطاقة وتقليل الفاقد.
دعم الصناعة
يولى جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة اهتمامًا محوريًا بتوسيع الرقعة الزراعية وتنوع التركيب المحصولى داخل مشروعاته القومية، بما يعزز منظومة الأمن الغذائى الوطنى ويقلل من الاعتماد على الاستيراد، إلى جانب دعم الصناعات الغذائية وتحقيق قيمة مضافة حقيقية للإنتاج الزراعي.
وتشمل الخطة الزراعية داخل مشروعات الجهاز التركيز على المحاصيل الاستراتيجية ذات الأولوية، وفى مقدمتها القمح باعتباره أحد أهم المحاصيل الأساسية التى تستهدف الدولة من خلالها تحقيق الاكتفاء الذاتى وتوفير الاحتياجات المحلية من الغذاء بما يضمن استقرار منظومة الأمن الغذائى للمواطن المصري.
كما يولى الجهاز اهتمامًا خاصًا بالمحاصيل السكرية، وعلى رأسها بنجر السكر، فى إطار توجه استراتيجى يستهدف تقليل الفجوة الاستيرادية فى السكر، والعمل على تحقيق الاكتفاء المحلي، مع فتح آفاق مستقبلية لتصدير الفائض إلى الأسواق الخارجية بما يسهم فى دعم موارد الدولة من النقد الأجنبي.
وفى سياق تنويع الأنشطة الزراعية وتعظيم الاستفادة الاقتصادية من المحاصيل، يتوسع الجهاز فى زراعة الكتان باعتباره محصولًا ثنائى الغرض، حيث يدخل فى العديد من الصناعات الغذائية من خلال إنتاج زيت الكتان، إلى جانب الاستفادة من مخلفاته الزراعية كمصدر مهم للأعلاف الحيوانية، بما يدعم قطاع الثروة الحيوانية ويسهم فى معالجة أحد التحديات المرتبطة بتوفير الأعلاف.
ويشارك فى تنفيذ هذه المنظومة الزراعية المتكاملة أكثر من 250 شركة زراعية واستثمارية، تعمل جنبًا إلى جنب مع جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة فى زراعة وإدارة وتشغيل مساحات واسعة من الأراضي.
شريان رئيسى للمشروع
وتُعد محطة الرفع الرئيسية رقم (3) والمعروفة باسم محطة «نبع» إحدى الركائز الأساسية فى منظومة البنية المائية لمشروع الدلتا الجديدة، وتمثل نقطة محورية فى بداية منظومة نقل وتوزيع المياه داخل المشروع، حيث تقوم برفع تصرف مائى يصل إلى نحو 9.75 مليون متر مكعب يوميًا بما يضمن استمرارية الإمداد المائى بالكميات المطلوبة لدعم مختلف الاستخدامات الزراعية والتنموية.
وتكتسب محطة «نبع» أهمية استراتيجية كبرى، كونها تسهم فى تغذية ما يقرب من 80% من مشروع الـ300 ألف فدان، إلى جانب تغذية 100% من مشروع الـ400 ألف فدان، وهو ما يعكس دورها الحيوى فى دعم التوسع الزراعى وتحقيق مستهدفات الدولة فى استصلاح الأراضى وتعزيز الأمن الغذائي.
وتخدم المحطة زمامًا زراعيًا يُقدر بحوالى 470 ألف فدان، كما تعمل على رفع المياه بارتفاع ضاغط يصل إلى نحو 22 مترًا، بما يضمن وصول المياه بكفاءة إلى مختلف مراحل الشبكة المائية، وتقع محطة «نبع» على مسافة تبلغ نحو 56 كيلومترًا من مأخذ المصدر الشرقي، وتُعد إحدى المحطات الرئيسية داخل نطاق الدلتا الجديدة، حيث تمثل أحد أهم عناصر نقل مياه الرى إلى المناطق المستهدفة بالمشروع.
وتضم المحطة منظومة تشغيل متكاملة تم تصميمها وفق أحدث الأسس الهندسية والعلمية لضمان استمرارية التشغيل حتى فى حالات الطوارئ، حيث تعتمد على نظام تشغيل ومراقبة وتحكم كامل Fully Controlled System ، يتيح المراقبة والتحكم الكامل فى أداء المحطة وربطها بمنظومة SCADA الرئيسية للمشروع، بما يسمح بالإدارة اللحظية عن بُعد لكافة العمليات التشغيلية.
وتضم محطة «نبع» مجموعة متكاملة من المكونات الفنية تشمل 11 مضخة بتصرف يبلغ 12.5 متر مكعب فى الثانية للمضخة الواحدة، بإجمالى تصرف مائى يصل إلى نحو 9.7 مليون متر مكعب يوميًا، حيث تتكون المنظومة من 9 مضخات رئيسية و2 مضخة احتياطية لضمان استمرارية التشغيل دون انقطاع.
كما تحتوى المحطة على 11 محركًا كهربائيًا بقدرة 3500 كيلووات لكل محرك، إلى جانب منظومة متكاملة للتحكم والتشغيل، ومحولات كهربائية ومحطات جهد متوسط، وأنظمة تهوية وتكييف وإنذار ومكافحة حريق، فضلًا عن أنظمة رقمية متقدمة لقياس التصرفات والضغوط والمناسيب، بما يضمن أعلى مستويات الدقة والكفاءة التشغيلية.
تعظيم القيمة المضافة
فى إطار تعظيم القيمة المضافة للإنتاج الزراعي، تم إنشاء مدينة مستقبل مصر الصناعية لتحويل المحاصيل إلى منتجات مصنعة جاهزة للتداول والتصدير.
ويمثل التصنيع الزراعى أحد المحاور الرئيسية داخل مشروع الدلتا الجديدة، حيث يعمل الجهاز على تحويل الإنتاج الزراعى الخام إلى منتجات نهائية عالية القيمة، بما يدعم الأمن الغذائى ويزيد الصادرات المصرية وتضم المدينة بنية تحتية متطورة .























































