عاجل

اليوم الـ38 آخر نبضات المونديال.. اقتراب ليلة الوداع والتتويج
# ‏”الحب ــ بمَن حضَر” بين سُلطة الإشاعة، وكهوف الذوات البشرية ‏
الحكومة المصرية تستعد لعرض خطة تنفيذية جديدة خلال 10 أيام
جماهير بشكتاش توقف حفل تقديم تروسارد بسب محمد صلاح!
غارات أمريكية تستهدف جسورا رئيسية جنوب إيران وتقطع طرقا استراتيجية وسط اتساع رقعة الهجمات
# وهم السند !!
إيران تطلب من الحوثيين إغلاق باب المندب إذا هاجمت أميركا منشآت الطاقة
سارة نتنياهو تحت الحرس “مدى الحياة”
بيع أصول لسداد الديون وتسرب إشعاعي.. أبرز شائعات طالت مصر خلال 6 أشهر
“سلاح مصري ناعم” يزعج إسرائيل منذ عهد عبد الناصر
“حجة يوم القيامة”.. نظرية رياضية مثيرة للجدل تحدد موعد انقراض البشرية
بعد سيناريو مصر القاتل.. ساويرس يعلق على بلوغ الأرجنتين نهائي مونديال 2026
محمد صلاح يضع شرطا صارما يهدد مفاوضات انتقاله إلى بشكتاش
مضيق هرمز: هل تكفي المسارات البديلة لتصدير نفط وغاز الخليج؟
# كتاب جديد : المسار نحو قوة الشخصية لنابليون هيل

# ‏”الحب ــ بمَن حضَر” بين سُلطة الإشاعة، وكهوف الذوات البشرية ‏

بقلم الأستاذة الدكتورة / أماني فؤاد

في المجتمعات التي تقتات بالتلصُّص على حياة الآخَرين، وإصدار ‏الأحكام عليهم، تتداخَل المساحة الشخصية لكل فرْد مع خصوصية ‏الآخَرين، لتصنع نسيجًا ناريًّا من العلاقات المتشابِكة والمدمِّرة، وقتها تبرُز ‏‏”الإشاعة والتقوُّلات” كقوة تدميرية هائلة. فالرواية التي بين أيدينا للكاتب ‏‏(وحيد الطويلة) لا تقدِّم مجرد قصة عن قَمِينة طوب وعجوز ينتظر غريبًا؛ ‏بل تغوص في عُمق المشكلة الحقيقية: كيف يمكن للكلمة المجهولة، ‏والرسالة الملقَاة في عتمة الليل، أن تهدم بيوتًا ومجتمعاتٍ، وتفتِّت أواصِر ‏الثقة في ثوانٍ؛ الثقة في الأشخاص والقِيَم الأُسرية والاجتماعية.‏

تعالِج رواية “الحب – بمَن حضَر” تحوُّل الكلمة مجهولة المصدر إلى ‏سُلطة اجتماعية خانقة، وهو ما يُعرف بـ “سُلطة الرقابة الجماعية”؛ حيث ‏تصبِح العيون هي السجَّان، والألسنة هي القاضي، يقول الراوي: “في هذا ‏المكان، الكلمة لا تموت بمجرد نُطقها؛ بل تكتسي لحمًا ودمًا، وتصير ‏كائنًا يطارِد أصحابه في الشوارع، يسبقهم إلى أبواب بيوتهم، ويغلِق عليهم ‏النوافذَ قبْل أن يفعلوها.” وهو ما يجسِّد مفهوم “آثر الإشاعة”، وقُدرتها على ‏التكاثُر، حتى تطغَى على التعقُّل والموضوعية.‏
هذا النمَط من المجتمعات يبدو كسِجن كبير، يعيش الجميع ويتحركون من ‏وراء قضبانه، فاقدين لحُرياتهم، يشعر الفرد فيه بأنه مراقَب دائمًا، وهو ما ‏يضطره لتقويم سلوكه وفْقًا لتوقُّعات المجتمع، لا وفْقًا لقناعاته، ولا حقيقته، ‏التي يحياها متخفِّيًا. يقول الراوي على لسان والد “بهجة”: “يعرف أن الناس ‏وصلت إلى النقطة الأخيرة، وأن المياه القذرة بدأت تفيض وتسيل من الإناء ‏الوسخ، كان متيقنًا أن الناس وصلوا إلى الجدار، وأخلصوا النِّية في الثأر ‏من بعضهم البعض، ورائحة الزفارة؛ زفارة الانتقام تملأ الجو، لكن لا طريق ‏أمامه ليمنع هذا.‏
مذعور، سيقضي الجميع على الجميع، المجزَرة على مسافة شارع، مسافة ‏صيحة أو كلمة بذئية تخرج من فم واحد، معايَرة أو حتى مزْحة، حتى ‏المزحة لن تكون محتملة.”‏
كما يسلِّط النَّص الضوءَ على أن حياة أغلب البشر لا تستمر إلا وفْق مبدأ ‏الستر، فللجميع أسرارهم وعجائب أقدارهم، وتفضيلاتهم الغرائبية، حيث ‏تتغلب الغرائز والشهوات، وتبرُز الأطماع ورغبة أغلب البشر في الاستحواذ ‏على كل شيء، والخروج على الأقدار، فسِمَة التغيير تحكُم سلوكَ الجميع. ‏
وبالإضافة للتشريح السوسيولوجي للمجتمع، والذي يقدِّمه النَّص، يعرض ‏لنماذجَ مختلِفةٍ من البشر في المجتمع، فالشيخة “صباح” وعلاقتها بحَمِيها ‏الجزَّار، وابنه، وكيفية تلقِّيها السِّحر عنه، حكاية تثير التعجب، كما ‏حكايات “مُسعد”، و”علول”؛ عازف الناي، ومتعهِّد التموين، والشيخ “كزبرة”، ‏ففي رحلة البحث “عمَّن يُلقِي الرسائل؟” تتوالَى تكهُّنات الراوي لتعرِض ‏عجائب النفوس، وما تسكُت عنه المجتمعات، وتتواطَأ على ستْره. يتساءل ‏الراوي وهو بصدد حكْي سلوك متعهِّد التموين مع النساء: “هل كان أهل ‏المكان يمشون بقرون في رؤوسهم! بالطبع لا، هم يعرفون، عِز المعرفة، ‏ما يفعله صاحبنا، مثله مثلهم، كلهم يفعلون، ولم يكن يعنيهم بالطبع ما ‏يفعله، لم يكونوا في حاجة لصراخ امرأة ليتأكَّدوا، كانوا يحبُّون أن يؤذونه ‏حبًّا واستمتاعًا بالأذى ذاته، وليس الانتقام فقط، وهذا مربط الفرَس.”‏


كما تتجسد ذروة المعاناة في سيادة منظور الغلَبة الذكورية وأحكامها الجائرة ‏على المرأة، ففي قصة “صابر”؛ سائق الحنطور، و”سماح”، اللذان تحابَّا، ‏ورفَض والد سماح ارتباطهما، وزوَّجها لأمين الشرطة، الذي لم يرحمها ‏حين وصل إليه لقاؤها بحبيبها السابق، وانتقامًا منها هيَّأ حفلة لانتهاك ‏جسَدِها بواسطة ثلاثة رجال، يتناوَبون عليها، ثم فضَحها ورماها؛ ليقتُلها ‏أبوها، وهي حكاية ليست استثنائية؛ بل هي تكرار مؤلِم لِما تعانيه المرأة في ‏المجتمعات الأبوية. ففي هذا العالَم، لا تستطيع “المرأة” أن تختار أو أن ‏تدافِع عن إرادتها، مقيَّدة؛ فالأب يراقِب، والزوج يتربَّص، والحبيب – إن ‏وُجِد – لا يملك شجاعة الدفاع؛ بل يهرب سريعًا ناجيًا بنفسه.‏
الجميع في هذه المنظومة يرى المرأة ساحةً للمعركة، أو رمزًا للشرف، الذي ‏يجب حمايته، لا من الغرباء فحسب؛ بل من حُرية جسَدها وروحها.‏
في قصة “صابر” و”سماح”، نرى كيف أن المجتمع لا يَرحم؛ فالإشاعة ‏التي تلاحق المرأة تلتصق بها كدمغة لا تُمحَى، وتجعل منها ضحية دائمة ‏لسياط الألسِنة، التي لا تكِل ولا تَمَل، وكأن وجودها في ذاته خطيئة تنتظر ‏العقاب. يربط المجتمع وجود المرأة وكرامتها بمنظومة أخلاقية لصالح ‏الرجُل، والحفاظ على مِلكيته لها، مما يجعلها ضحية دائمة، ومشروع قتيلة ‏أو منبوذة أو معنَّفة. ويوقِعها فيما نسمِّيه الوصْم الاجتماعي، كما نلمِس في ‏النَّص ما أسميتُه “عُنف اللغة”؛ إذ تصبح الكلمة المسيئة والحُكم الجائرُ ‏على النساء بمثابة فِعل ماديٍّ، يؤدِّي إلى التهميش والإقصاء والقتل. يقول ‏الراوي: “جرْجَرها أبوها إلى بيته؛ ليغسل عارَه أو يدفنها حَية، و”صابر” ‏وقَف كنذل أصيل، كأنه يتفرَّج على فيلم لم يكن بَطلَه، رغم أنه يرى نفْسه ‏على الشاشة، لم يفعل لها شيئًا رغم أنها أخبرته أن الصوَر وصلت زوجها، ‏وأنه توعَّدها، وأقسَم أن ينتقم منها، رغم تذلُّلها لزوجها بألَّا يفضحها: لم ‏يحدث مع “صابر” أكثر مما هو بالصور، ولم تكن حتى لحظة شيطان، ‏وأنها لم تخُنه وستعيش خادمة تحت رِجْلَيه لو سامحها‎.‎‏”‏
على النقيض من هذه القسوة، يأتي الجانب الإنساني الخالص في علاقة ‏‏”موعود” و”بهجة”. هذه العلاقة تمثِّل استثناءً نادرًا، طاقة نور وسط ظلام ‏الخوف والتشكيك. إنها تمثِّل البحث عن “الإنسان” في غمرة الانشغال ‏بالغرائز والأطماع، ومحاوَلة حصول معظم البشر على كل شيء، والطمع ‏فيما ليس بأيديهم. “بهجة” و”موعود”، بما يحملانه من براءة وتطلُّع للفن ‏والجَمال، يقدِّمان لنا نموذجًا لِما يمكن أن يكون عليه البشر إذا ما تخلَّصوا ‏من أغلال الأطماع والخوف والنميمة. إنهما يمثِّلان جانبًا إنسانيًّا دافئًا، ‏يذكِّرنا بأن الحب – في أسمى صُوَره – ليس تملُّكًا أو سيطرة؛ بل هو ‏مشارَكة في تشكيل الحياة، كما يشكِّل “موعود” الطين بيده، ليُخرِج لنا – ‏رغم كل شيء – عروسة من طين، تضحك في وجْه الواقع.‏
وتمثِّل علاقة “موعود” و”بهجة” نموذجَ “المقاوَمة الجمالية”؛ حيث يُعد الفن ‏والحُب في المجتمعات المتزمِّتة فِعلًا ثوريًّا؛ وفي النَّص يحاول الأفراد ‏استعادة إنسانيتهم، عبْر الإبداع (تشكيل الطين) والارتباط العاطفي النقي، ‏مما يشكِّل محاوَلة لخلْق “مساحة آمِنة” وسط واقع متهالِك.‏
ويصِف الكاتب هذه الحالةَ من البراءة وسط الجحيم، يقول: “بينما كانت ‏القرية تتآكَل من الداخل برائحة الطين الممزوج بالخوف، كان “موعود” ‏يشكِّل عرائسه من طين الأرض نفسها، كأنه يغسل أدران الحكايات القبيحة ‏بلمسات يدَيه، و”بهجة” تضحك له كأنها لم تسمع يومًا كلمة سوء.”‏
وبينما يغوص السرد في القضايا الاجتماعية، نجد أن “الفكرة” تطغَى أحيانًا ‏على “الشخصية”. فبقدْر ما تقدِّم الرواية للمتلقي أشخاصًا من “لحم ودم” ‏بتفاصيلَ نفسيَّةٍ غرائبية؛ نشعر أيضًا إننا أمام نماذجَ و”رموزٍ”. “موعود” ‏يمثِّل الإرادة والبراءة، والعجوز يمثِّل الخوف والارتباط بالماضي، و”بهجة” ‏تمثِّل التطلُّع والجمال، و”حربية” فيْض الأنوثة واستحضار الغريزة. ‏فالشخصيات هنا أقرب إلى أفكار متجسِّدة، تخدِم الغرض الفلسفيَّ والرمزي ‏للنَّص، مثلما تخدِم تطوُّر الحبْكة الدرامية التقليدية.‏
هذا الانحياز نحو الرمزية والتأمُّل الفلسفي، يجعل “إيقاع” الرواية بطيئًا ‏أحيانًا. كما يتَّسم السرد بالكثير من استرسالات الراوي ووِجهات نظره ‏وتفسيراته، وتعليقاته التي تحمل طبائعَ وخبرة القرويين.‏
هذا ويميل الكاتب إلى “الاستبطان النفسي”، وتناوُل كل معنى أو ظاهرة ‏من مناظيرَ متعدِّدة، تبتعد أحيانًا عن الغوص في الواقع، وتوَالي الأحداث.‏
كما يفضِّل الكاتب أن يضَع يده على نبْض الشخصية، والحركة الموَّارة في ‏المجتمع، ليحلِّله ويرمز إليه، بدلًا من أن يدفَع بنا في دوَّامة من حيوية ‏الأحداث وتفاعُل الخطوط الدرامية، فالأحداث ليست متلاحِقة بالمعنى ‏التقليدي، الذي يبني ذروةً ثم حلًّا.‏
ولذا قد يشعر القارئ ببعض الغموض، خاصةً مع النهاية المفتوحة للنَّص، ‏وهو ما يجبره على استكمال بناء المعنى، بدلًا من الاكتفاء بتلقِّي الأحداث، ‏وهو ما يُعرف باستكمال “فجوات النَّص” التي يملؤها القارئ بتأمُّلاته ‏الخاصة. ‏
ويندرِج هذا التوجُّه في الكتابة تحت “الرمزية التجريدية”، التي يرى فيها ‏البعض منحًى فلسفيًّا في البناء الدرامي، وبناء سرديًّا فنيًّا لتعميق الدلالة ‏الفلسفية للعمل. ‏

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Print
booked.net