بقلم / رضا اللبان
أنا: جيفارا…
جيفارا: نعم؟
أنا: عندي سؤال واحد قبل أن نبدأ كل شيء… لماذا أنت بالذات؟ لماذا ما زال اسمك حاضرًا بعد كل هذه السنوات؟
جيفارا: لأنني لم أكن أبحث عن حياة هادئة.
كنت طبيبًا، وكان بإمكاني أن أعيش حياة مستقرة، لكنني رأيت الفقر والمرض والظلم في رحلاتي عبر أمريكا اللاتينية، وبدأ السؤال يطاردني:
كيف يمكن للطبيب أن يعالج جسد إنسان، بينما المرض الحقيقي موجود في المجتمع كله؟
لم أعد أرى الفقر مجرد مشكلة فردية.
رأيت خلفه أنظمة سياسية واقتصادية، ورأيت شعوبًا تعيش تحت سلطة لا تملك حق اختيار مصيرها.
ولهذا تغيرت حياتي.
أنا: يعني أنت لم تولد ثائرًا؟
جيفارا: لا. وهذه ربما أهم نقطة لا يعرفها الناس عني.
لم أستيقظ ذات صباح وأقرر أن أصبح «تشي جيفارا».
كنت طبيبًا شابًا، ثم أصبحت إنسانًا مسكونًا بسؤال العدالة. والإنسان عندما يرى الظلم باستمرار أمام عينيه، يصبح الصمت بالنسبة إليه موقفًا أيضًا.
أنا: لكن دعني أكون صريحًا معك… أنت كنت تؤمن بالثورة المسلحة. فهل كانت الحرية عندك لا تأتي إلا بالبندقية؟
جيفارا: كنت أعتقد أن الشعوب التي أُغلقت أمامها أبواب التغيير السلمي قد ترى في الثورة المسلحة طريقًا للخلاص. وقد كتبت بوضوح أنني لا أؤمن بأن الشعوب تستطيع دائمًا أن تحصل على حريتها دون صراع. لكن انتبه… أنا لم أكن أتكلم عن الحرية باعتبارها كلمة جميلة في خطاب سياسي. كنت أتكلم عن إنسان جائع، وعن إنسان محروم من التعليم، وعن شعب لا يملك تقرير مصيره.
وفي خطاب لي في عام 1961، تحدثت عن أن الديمقراطية لا تكون مجرد انتخابات شكلية، بل أن يكون للناس حق حقيقي في تقرير مصيرهم.
أنا: إذن بالنسبة لك… ما هي الحرية؟
جيفارا: الحرية ليست أن يقول لك أحد: «أنت حر.»
ثم يتركك جائعًا، جاهلًا، بلا علاج، وبلا قدرة على تغيير واقعك. الحرية عندي مرتبطة بالكرامة والاستقلال والعدالة الاجتماعية. ولهذا قلت في إحدى كلماتي إن حق الشعوب في تقرير مصيرها وحقها في الاستقلال ليسا أمرين ثانويين.
أنا: كلام جميل… لكن التاريخ لا يحاكم الرجال بكلامهم فقط يحاكمهم بما فعلوه.
جيفارا: وهذا حقك.
أنا: دعنا نذهب إلى كوبا. كيف تحولت من طبيب أرجنتيني إلى أحد أشهر رجال الثورة الكوبية؟
جيفارا: هناك التقيت بفيدل كاسترو. ثم جاءت الجبال. وجاءت حرب العصابات. وجاءت لحظة اكتشفت فيها أن الثورة ليست كتابًا تقرؤه… بل قرارًا تدفع ثمنه.
شارك جيفارا في الثورة الكوبية ضد نظام فولخينسيو باتيستا، وصعد إلى موقع بارز داخل الحركة التي أسقطت نظامه عام 1959.
أنا: وهل كنت ترى نفسك محررًا؟
جيفارا: كنت أرى نفسي جزءًا من قضية أكبر من حدود بلدي. ولهذا لم أتوقف عند كوبا. ذهبت إلى أفريقيا. ثم إلى بوليفيا. كنت أؤمن بأن الإنسان لا يجب أن يكون غير مبالٍ بمعاناة شعب آخر لمجرد أنه ولد في دولة مختلفة.
أنا: وهنا تبدأ أكثر فصول قصتك غرابة. أنت كنت قد وصلت إلى أعلى المناصب في كوبا… ثم اختفيت! لماذا؟
جيفارا: لأن المناصب لم تكن غايتي. بعد الثورة توليت مسؤوليات في الحكومة الكوبية، لكنني غادرت كوبا في منتصف الستينيات، وذهبت أولًا إلى الكونغو ثم إلى بوليفيا. كنت أريد أن أرى الثورة تتجاوز حدود جزيرة صغيرة.
أنا: لكن بوليفيا لم تكن كوبا. وهناك لم تسر الأمور كما أردت.
جيفارا: صحيح. بوليفيا كانت مختلفة. لم يكن لدي الدعم الشعبي الذي كنت أحتاجه. وكانت قوات الحكومة تلاحقنا. وكانت المجموعة تعاني من نقص شديد في الطعام والسلاح والاتصال. ومع الوقت أصبح الوضع أكثر صعوبة.
أنا: وفي النهاية… أمسكوا بك.
جيفارا: نعم. في الثامن من أكتوبر 1967 أُصبت وأُسرت في بوليفيا. وفي اليوم التالي انتهت حياتي.
أنا: هل كنت خائفًا؟
جيفارا: الخوف شعور إنساني. لكن الإنسان لا يُقاس بغياب الخوف. إنما بما يفعله عندما يكون خائفًا.
أنا: هناك شيء في نهايتك دائمًا يشدني. أنت لم تمت في معركة طويلة. أُسرت أولًا، ثم أُعدمت في اليوم التالي.
جيفارا : وهذه هي الحقيقة التاريخية.
بعد أَسري في لا هيجيرا، صدر الأمر بإعدامي، ونُفذ الحكم في التاسع من أكتوبر 1967. وتذكر وثائق رفعت عنها السرية أن عناصر أمريكية مرتبطة بالـCIA كانت موجودة في المنطقة وأنها حاولت معرفة معلومات عن عملياتي، بينما كان القرار النهائي بالإعدام صادرًا عن القيادة البوليفية.
أنا : يعني انتهى الرجل… لكن لم تنتهِ الفكرة.
جيفارا: هنا تبدأ المشكلة.
أنا: مشكلة؟
جيفارا: لأنك تستطيع أن تقتل رجلًا. لكن من الصعب أن تقتل السؤال الذي تركه وراءه.
أنا: وهنا أريد أن أسألك عن أشهر شيء في قصتك…
لماذا كنت ترى أن الظلم في بلد بعيد يخصك أنت؟
جيفارا: لأنني لم أكن أؤمن بأن الإنسان يجب أن يقول:
«هذا الظلم لا يعنيني لأنه يحدث خارج حدود بلدي.»
كنت أرى التضامن بين الشعوب جزءًا من التحرر.
ولهذا كتبت في رسالتي إلى شعوب العالم عبر منظمة التضامن في 1967 عن ضرورة التضامن مع الشعوب التي تخوض صراعاتها، وارتبطت رسالتي آنذاك بالحرب في فيتنام ومفهوم مقاومة الإمبريالية.
أنا: لكن رسالتك لم تكن مجرد كلام عن السلام.
أنت دعوت إلى توسيع الصراعات المسلحة.
جيفارا: صحيح. وهذه نقطة لا ينبغي أن يخفيها أحد.
أنا كنت ثوريًا مسلحًا. كنت أؤمن بالكفاح المسلح في ظروف معينة، وكنت أرى أن بعض الأنظمة لا تترك للشعوب طريقًا آخر. ولهذا فإن من يقدمني فقط باعتباري «رمزًا رومانسيًا للحرية» يخفي جزءًا من حقيقتي. ومن يقدمني فقط باعتباري قاتلًا أو مستبدًا يخفي أيضًا سياقًا تاريخيًا كاملًا.
أنا: إذن أنت تعترف أن صورتك اليوم ليست صورتك الكاملة؟
جيفارا: بالتأكيد. الصورة الموجودة على القميص لا تحكي عن الطبيب. ولا عن الرحالة. ولا عن الرجل الذي عاش الحرب. ولا عن السياسي. ولا عن أخطائه. ولا عن أفكاره. ولا عن الثمن الذي دفعه. إنها صورة فقط.
أنا: وأنت؟ ماذا تريد أن يتذكر الناس؟
جيفارا : أن الإنسان لا يجب أن يفقد حساسيته تجاه ألم الآخرين. وألا يتحول الظلم إلى شيء طبيعي.
وألا تتحول الحرية إلى مجرد كلمة تُقال في الخطب.
أنا: لكن دعني أواجهك بالسؤال الأصعب. أنت قاتلت من أجل عالم أكثر عدلًا… لكن الثورة نفسها استخدمت العنف. فكيف يمكن للإنسان أن يصنع العدالة بالعنف؟
جيفارا: هذا هو السؤال الذي سيختلف الناس حوله معي إلى الأبد. وأنا لن أطلب منك أن تتفق معي.
أنا عشت في زمن رأيت فيه أنظمة قمعية، وحروبًا، وفقرًا، وتدخلات أجنبية، واخترت طريقًا ثوريًا مسلحًا.
لكن التاريخ لا يعفي الإنسان من مسؤولية نتائج اختياراته.
أنا: يعني لو عاد بك الزمن… هل كنت ستفعل كل شيء بالطريقة نفسها؟
جيفارا:٠٠٠٠٠٠٠٠
أنا: لماذا صمتَّ؟
جيفارا: لأن هذا هو السؤال الذي لا يستطيع الموتى الإجابة عنه.
أنا: جيفارا… هناك عبارة تُنسب إليك كثيرًا:
«إذا ارتجف العالم من حولك، فكن أنت ثابتًا.»
هل قلتها؟
جيفارا: ليس كل ما يُكتب باسمي قاله لساني.
وهذه مشكلة كبيرة في عالم الاقتباسات. هناك كلمات حقيقية قلتها، وهناك كلمات أعاد الناس صياغتها، وهناك عبارات التصقت بصورتي حتى أصبحت جزءًا من أسطورتي. لذلك إذا أردت أن تعرفني… اقرأ ما كتبت، لا ما كُتب على صورتي.
أنا: طيب… أعطني جملة منك أنت. جملة حقيقية.
جيفارا: سأعطيك واحدة من رسالتي إلى شعوب العالم عام 1967:
«من الضروري أن نخلق اثنين أو ثلاثة أو العديد من فيتنام.»
أنا: لكن هذه الجملة نفسها تكشف الجانب الآخر منك.
أنت لم تكن رجل سلام بالمعنى التقليدي.
جيفارا: لم أقل يومًا إنني رجل سلام. كنت رجل ثورة.
والفرق كبير.
أنا: إذن لماذا أحبك بعض الناس حتى اليوم؟
جيفارا: ربما لأنهم لا يرون في صورتي رجلًا فقط.
يرون رمزًا. يرون شابًا ترك الطب والمكانة واختار طريقًا مليئًا بالمخاطر. ويرون رجلًا مات وهو ما زال يعتقد أن العالم يمكن أن يكون مختلفًا.
لكن…
أنا: لكن ماذا؟
جيفارا: لا تجعلوا الرمز يلغي الإنسان. ولا تجعلوا الإنسان يلغي أخطاءه.
أنا: وأعداؤك؟ ماذا يقولون عنك؟
جيفارا: يذكرون العنف الذي مارسته الثورة، والإعدامات التي ارتبطت بالمرحلة الثورية، ويرون في أفكاري الشيوعية والثورية خطرًا لا مشروعًا للتحرر.
وهذه ليست رواية يمكن تجاهلها؛ فحتى المصادر التاريخية التي تتناول إرثي تشير إلى أنني شخصية شديدة الجدل، وأن هناك اتهامات مرتبطة بدوري في الإعدامات بعد الثورة الكوبية.
أنا: إذن أنت تقول للقارئ: لا تقدسني؟
جيفارا: بالضبط. ولا تكرهني لمجرد أن خصومي قالوا ذلك. اقرأ. ابحث. قارن. ثم احكم.
أنا: آخر سؤال يا جيفارا… لو كان أمامك شاب عربي اليوم، وسألك: «كيف أقاوم الظلم؟»
ماذا تقول له؟
جيفارا: سأقول له: لا تبدأ بالبندقية. ابدأ بالوعي.
اقرأ. افهم. اعرف حقوقك. اعرف تاريخ بلدك.
لا تسمح لأحد أن يحولك إلى أداة في صراع لا تفهمه.
وإذا أردت أن تغيّر مجتمعك، فابدأ أولًا بفهمه.
أنا: غريبة منك… كنت أتوقع منك أن تقول له:
«اذهب إلى الجبال.»
جيفارا: لأنني عشت زمنًا مختلفًا. وأنت تعيش زمنًا مختلفًا.
أنا: إذن… ما الذي بقي منك بعد كل هذه السنوات؟
جيفارا: سؤال.
أنا: أي سؤال؟
جيفارا: هل يستطيع الإنسان أن يعيش حياة كاملة…
وهو يرى الظلم ثم يقول: «لا شأن لي»؟
سكتُّ قليلًا. نظرت إلى الرجل الجالس أمامي…
ثم قلت:
أنا: لكن يا جيفارا… هناك شيء لم تجبني عنه.
جيفارا ما هو؟
أنا: هل كنت فعلًا حرًا؟
ابتسم. ثم قال:
جيفارا: ربما هذا هو السؤال الذي يجب أن تجيب عنه أنت… وليس أنا. ثم اختفى. وبقيت صورته معلقة أمامي… لكنني هذه المرة لم أرَ صورة الرجل صاحب القبعة. رأيت طبيبًا. وثائرًا. وسياسيًا. ومقاتلًا. وإنسانًا اختلف الناس حوله… لكنه ترك وراءه سؤالًا لم يمت معه:
متى يصبح الصمت أمام الظلم مشاركة فيه؟
وربما كانت هذه هي حكاية جيفارا الحقيقية…
ليست حكاية رجل يجب أن نقدسه،
ولا رجل يجب أن نلعنه،
بل حكاية إنسان اختار طريقًا شديد العنف والتكلفة بحثًا عن تصور معين للحرية والعدالة، ثم دفع حياته ثمنًا لاختياراته.
أما الحكم عليه… فالتاريخ تركه لنا.












